محمد أبو رمان

"الغد".. من مطبخ التحرير

تم نشره في الجمعة 1 آب / أغسطس 2008. 03:00 صباحاً

بالتأكيد ما يمكن أن يقوله مثلي عن "الغد" هو قول مجروح في عدالته، ذلك أنّني مدين لهذه المؤسسة بالكثير. لكن هي محاولة لتقديم شيء من مدارات التفكير والحوار داخل "الغد"، إلى القارئ الذي يمثل شريكاً استراتيجياً رئيساً في مسار الصحيفة إلى الآن.

اليوم، تبلغ "الغد" السنة الرابعة من عمرها، وهي سنوات قد لا نكون شعرنا بها، ومرت سريعاً في معمعة العمل اليومي. لكن هنالك ضرورة ملحة للتوقف، مع كل مناسبة، وفي كل محطة، لمراجعة المسار وتقويم المراحل السابقة والحالية، والدفع باتجاه تحسين الأداء في القادم.

من الصعوبة على مقال قصير اختصار تجربة كاملة، هادئة في أحيان وعاصفة في أخرى. ولست الشخص المخول بتقديم هذه التجربة. لكن ربما تشكل "الزاوية الشخصية" في القراءة إضاءة معينة، وربما إحدى القراءات التي تضاف إلى قراءة الزملاء الآخرين ممن أسسوا واجتهدوا وتعبوا، من استمر في العمل أو تحوّل عطائه إلى مجال آخر.

في التجربة الشخصية؛ تشرّفت أن أعمل في "الغد" محرراً وكاتباً، وهي خبرة كبيرة افدت منها بلا شك، وتعلّمت الكثير من "مطبخ التحرير".

بلا شك؛ فإنّ المشهد في مطبخ التحرير قد تغيّر قليلاً، خلال هذه السنوات، من نقاشات حادة في (كرادور الغد) بين رئيس التحرير (عماد الحمود) ومديري التحرير الثوريين (رنا الصباغ، باسل الرفايعة، حسن الشوبكي، إبراهيم غرايبة، فؤاد أبو حجلة وعزام يونس)، إلى اجتماعات منتظمة محددة وتكريس لتقاليد مهنية وسياسات تحريرية مع (أيمن الصفدي، موسى برهومة، أسامة الرنتيسي، مصطفى صالح ومحمود العابد)، وصولاً إلى محاولات التطوير والإضافة وزيادة مساحة التفاعل مع القارئ مع جورج حواتمة والزملاء الحاليين من المحررين والصحافيين.

كل مرحلة من هذه المراحل تمثل، بتقديري، خطوات تأسيسية تسير بالصحيفة إلى الأمام، وتشكل إضافة نوعية جديدة. المرحلة الأولى كانت بمثابة الانطلاقة واحتوت على شحنة عالية من الحماس السياسي والإعلامي والخروج على الخطاب الإعلامي السائد. مع المرحلة الثانية بدأت عملية تكريس تقاليد مهنية وتحديد هوية الصحيفة بصورة أكبر ووضع قواعد لعلاقتها مع البيئة المحيطة والتركيز على سياسات التحرير على مستوى الأخبار والرأي. في المرحلة الثالثة بدأ التركيز على زيادة مساحة التفاعل مع القارئ واستكمال جوانب من التغطية الإخبارية والإعلامية (فأضيفت رسائل إلى المحرر وزواريب وأخبار البلد..).

في "مطبخ التحرير" تختلف الآراء وتتفق، يعلو الصوت بين الزملاء في كيفية تغطية الأخبار والتعامل مع الأحداث، في تحديد القيم الإخبارية لمن الأولوية من الأخبار، ومن حيث المهنية. وتتصارع اقسام التحرير لاحتلال موقع على الصفحة الأولى، ولا تغيب النقاشات الساخنة حول مساحة الإعلانات. وربما يأتي خبر في منتصف الليل فينقض ما سبقه وتعود النقاشات الساخنة مرة أخرى.. وفي اليوم التالي يأتي المولود ويتم تقييم المنتج في اجتماع الصباح، من القاء اللوم بالتقصير، إلى الإشادة بالإنجاز ومناقشة الثغرات والأسباب التي أدت إليها.

ما يعني القارئ؛ ماذا قدّمت "الغد"، وبماذا تعد؟

هي أسئلة لست المخول بالإجابة عنها (بطبيعة الحال). لكن، من "زاوية شخصية" أيضاً، أعتقد أنّ "الغد" نجحت في الرهان، وخيبت ظن من حسموا بفشلها. فها هي تقف على قدميها وتمثل إحدى أهم الصحف اليومية الأردنية بالإضافة إلى الصحف الزميلة.

وإذا كان هنالك عنوان رئيس وهوية يمكن أن تُعرّف من خلالها الصحف اليومية الأردنية، فإنّ الغد تحاول أن تكون صحيفة مهنية بالدرجة الأولى، تعتني بنقل الأخبار والمعلومات للقارئ بصورة صحيحة غير مشوّهة، وتعمل على رفع سقف الحرية الإعلامية وتعزيز حق الحصول على المعلومة، والاهتمام بصورة أكبر بشريحة الشباب، والملاحق الإضافية (حياتنا، التحدي)، بالإضافة إلى تقديم آراء وأفكار نوعية ونقدية من نخبة من الكتاب والمثقفين الأردنيين والعرب.

ربما يُصنّف البعض "الغد" باعتبارها ذات نزوع "ليبرالي". شخصياً أتفق مع هذا التعريف إذا كان المقصود بذلك الابتعاد في التغطية الإخبارية والمهنية عن المواقف المعلّبة المسبقة أو المفروضة، و"محاولة" (قدر الإمكان) الالتزام بقواعد المهنة والمصداقية الصحافية، وإذا كان المقصود - أيضاً- فتح المجال لتعددية فكرية وسياسية حقيقية في زوايا الرأي والمواقف والفكر.

ومادمنا قد وصلنا إلى الحديث عن صفحات الرأي والفكر والقضايا، يمكن أن أتحدث بخبرة أكبر وأكثر إدراكاً، باعتباري محرراً في هذا القسم، وكاتباً.

الهاجس الرئيس لنا تمثّل بمحاولة انتخاب عدد من الكتاب الأردنيين والعرب الذين يشكلون إضافة حقيقية لأعمدة الرأي الأردنية، وهنالك عدة اعتبارات رئيسة بتحديد هذه النخبة تتمثل أولاً بالتعددية الفكرية والسياسية، بالتخصص المعرفي والفكري، وكذلك بإضافة أسماء لكتاب عرب يطلّون على القارئ الأردني والعربي من صفحات "الغد".

نتذكر في هذا اليوم كاتبين عزيزين فارقانا إلى دار الحق، وهما السوري تركي الربيعو، الذي كان يكتب في "أفكار ومواقف" و"فكر وحضارة"، وقد سرقه مرض السرطان من بيننا في الأردن، بعد أن كان يتعالج بمكرمة ملكية. ونتذكر اللبناني سمير قصير، الذي ذهب ضحية تفجير غادر. ونتذكر، كذلك، الزميل أكرم البني الذي بدأت قبل أيام محاكمته في سورية، ومعه قادة "إعلان دمشق"، بتهمة "خدش المشاعر القومية"!

حاولت "الغد"، أيضاً، أن تضيف في مجالين آخرين؛ الأول صفحة "الإسلام والعصر"، وذلك من خلال فتح المجال لحوار إسلامي فقهي وفكري تعددي، يستوعب الاتجاهات الإسلامية المختلفة، ويسعى إلى تأطير حق الاختلاف، وتقديم رؤى إسلامية جديدة بخاصة في القضايا الاجتماعية التي تشتبك مع الإسلام ومفاهيمه وأحكامه، وتشكل قضايا مثيرة للحوار.

فيما حاولت صفحة "فكر وحضارة" تسليط الضوء على العديد من القضايا الفكرية والسجالات المعرفية التي تدور بين النخب العربية.

بالإضافة إلى ذلك؛ حاولت صفحة "المنتدى" فتح المجال للعديد من الكتابات الحرة، واكتشاف كُتّاب ومواهب جديدة، وقد حدث ذلك بالفعل، وانضم بعضها إلى قائمة الكتاب سواء في "الغد" أو غيرها من صحف ومواقع، وإن كانت هذه الصفحة قد تعثر انتظامها في الآونة الأخيرة، ونعدُ القارئ العزيز بانتظامها خلال هذه المرحلة.

زاوية "رسائل إلى المحرر" بدورها شكّلت إضافة نوعية للغد، وعكست جزءاً من التفاعل اليومي مع الأحداث الساخنة محلياً وعربياً، وإطلالة على الشارع وهواجسه ومواقفه. بل ودارت سجالات وحوارات مثيرة على موقع "الغد" الالكتروني بين الكُتاب والقراء وبين القراء أنفسهم.

من خلال الخبرة السابقة؛ فإنّ الموضوعات الأكثر حيوية وتفاعلاً من قبل القراء هي الموضوعات المحلية والاجتماعية والخدماتية بالدرجة الأولى، في مقابل تراجع الاهتمام بالموضوعات السياسية إلاّ في مواسم ساخنة معينة. وقد تعود هذه الأوّلويات في بعض أسبابها إلى الدور الذي باتت تلعبه الفضائيات في تغطية الأخبار السياسية وتقديم التحليلات المختلفة، ما يجعل الصحف في محاولة دائمة للحاق بالخبر والسبق الذي تناله الفضائيات، فتبقى مجالات التميز المتاحة بصورة أفضل هي في الشأن المحلي والاجتماعي والخدماتي.

لا بد من الاعتراف بدرجة من القصور، والتركيز في أحيان كثيرة على التحليلات السياسية، التي تطغى عادة على صفحة الآراء والمقالات في أغلب وأهم الصحف العالمية. ومع ذلك هنالك مقالات يومية تهتم بالشأن الخدماتي والمحلي بصورة دائمة، وهنالك مقالات تهتم بالقضايا الاجتماعية بدأت بالبروز في صفحات ملحق حياتنا، وما زالت "الكتابة الساخرة" مفتقدة في "الغد".

باستحضار تجربة السنوات الأربع الثرية، لا مندوحة من توجيه الشكر لجميع الزملاء الذين عملوا وغادروا، والذين لا يزالون يعملون. وكذلك إلى مؤسس الصحيفة ومالكها محمد عليان، الذي كافح في مجالات حيوية إدارياً ومالياً وتسويقياً لنجاحها، ووفر استقلالاً تحريرياً نشهد له. والشكر للزملاء في أقسام الإدارة الذين اقتحموا السوق الإعلانية بجدارة.

لكن الشكر أولاً وأخيراً لقارئ "الغد" الذي منحنا مشروعية حقيقية وحباً كبيراً، وتفاعلاً غير مسبوق. نشكره على المتابعة الرائعة، وعلى المشاركة، وعلى تحمل تقصيرنا، وعلى الإعذار في الخلل الذي يصيب أي عمل إنساني مهما كانت درجة المؤسسيّة!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مبروك (محب الغد منذ صدورهها)

    الجمعة 1 آب / أغسطس 2008.
    كل عام وأنتم بخير. مبروك إنجازكم. مبروك لك أخ حمد ومبروك لصاحب الصحيفة ومبروك للأستاذ أيمن الصفدي الذي هو خارج الوطن الآن لكن بعد أن قاد الصحيفةووضعها على الخارطة وللسيد جورج حواتمة مع دعائنا بالتوفيق ولسميح المعيطة وجميل النمري وياسر ابو هلالة بالرغم من خلافات رأي معه وللصحافيين كلهم واسمحو لي ان اشكرالقائمين على الموقع الأكتروني. وفقكم الله وبارك بكم
  • »للغد كل المحبة و الاحترام (بانا السائح)

    الجمعة 1 آب / أغسطس 2008.
    أجمل ما في "الغد" انها صوت حر و منبر للأقلام و الاراء المتعددة.... "الغد" صوت الشعب الذي يسعى لبناء مستقبل أفضل."الغد" أثبتت للجميع أن الطريق ليست مستحيلة لحرية الرأي البنّاء بوجود الارادة الجدية و الرؤية الواضحة. للغد كل المحبة والاحترام لاعادة الامل في نفوسنا..
  • »كلمات في هذه الذكرى (خالد وليد)

    الجمعة 1 آب / أغسطس 2008.
    في هذه المناسبة لايسعني الا أن أتقدم بالشكر لكل فرد من افراد صحيقة الغد وإلى كل كاتب تورط في "الحب" وطنا وانساناً فكان القلم ترجمانه..أبارك لكم جميعاً...صحيفة الغد ..مبارك ثوبك الجديد، هذه الصحيفة التير فرضت نفسها علي وفرضت قلمي عليها واصبحت عادتي المحببة التي تشاركني أجمل ساعات يومي.هذه الصحيفة التي بدأت مشواري المهني معها منذ البدايات لقد ترسبت في قاع ايامي ، ألجأ اليها كلما تاقت نفسي للصراخ والحنين وهي الوحيدة التي تتيح لي أن أفكر أمامها بصوت عال فأبحث عن نفسي فيها...الغد اهديها فكري حبراً يسري في سطورها خاصة في صفحة قضايا المحببة لي، فتهديني أجمل الالقاب لكوني كاتب.
    الغد الصحيفة التي استمعت لصراخي المتواصل بين السطور ...شكراً لك أبا رمان ومبارك ثوب الغد الجديد وعامها الجديد وعسى أن تبقى الغد شمعة تنير العتمة بلغة صادقة ...
  • »الغد.................وما تعنيه كلمة الغد (د. عبدالله عقروق ..بيروت مؤقنا .وعمان غدا)

    الجمعة 1 آب / أغسطس 2008.
    الغد رؤية مستقبلية ..عينان جاحظتان تؤمن بالغد ،وتصنعه هدفا لها..قلب بنبض باستمرارية الحياة .وعقل يؤمن بأن أمس كانت محطة سابقة أخذتنا الى المحطة القادمة..وضمير حي يعي بأن تجارب الماضي قد أفادت مسيرتنا وتوجهاتنا،وعلينا المضي بالاصلاح والتطور..ووجدان صادق بأن العمل الصادق الأمين هو المصداقية في نشر الخبر..وشجاعة لنضع النقاط على الحروف ..وايمان فعال بـأن الغد أحسن بكثير من الآمس أن نحن عملنا بيد واحدة لنأمين حياة أقضل لوطننا وشعبنا..وأخيرا التطوعية من غير مقابل للقراء لأبداء الآراء النيرة الواعية والمشاركة بتقديم الحلول البناءة
    هذا تعني لي كلمة الغد والتي تترجمها لي ادارة الغد عمليا لتربطني أنا المقيم في ولاية فلوريدا بالولايات المتحدة الأمريكية بأن اتفاعل مع وطني والمواطنين
    فهذا الجسرجعل كل مغترب وكل مغتربة أن يكونا في داخل كل شارع وحي وقرية ومدينة في اردننا الغالي
    فألف زغرونه بالعيد الرابع ,,وسأوصي حفيدي ريان بأن يطلق الف زغرودة بعيد ميلادها المئة بأذن الله
    وفق الله القائمين، وكافة الصخفين والصحفيات ، وبارك الله بالقراء الكرام
  • »كل عام والغد اروع (حقا انك رائعة)

    الجمعة 1 آب / أغسطس 2008.
    في الحقيقة تشرفت بالعمل في الصحيفة لمدة قاربت على الثلاث اعوام وكنت كل يوم فيها اتعلم شيء جديد في عالم الصحافة وخصوصا المهنية.
    كنت ارى في الغد مشروع يشارك به كل اردني فهناك نحو 30 الف عائلة تشترك في عدد يصلها مع بزوغ الضوء الى نحو 300 موزع الى عدد من امهر الصحفيين والكتاب الى ادارة ناجحة بتميز.
    وعلى الرغم من حداثة مبنى الغد واركانه الزجاجية حيث تستطيع ان تلمح من مقعد ناديا سعد الدين تثائب رئيس التحرير مرورا بالعربي والدولي والاقتصاد الذي يشغل زاويته ابراهيم مبيضين وبلمحاتك هذه سترى من يدخل عبر السلم الالتوائي ضيوفا على الغد او ابتسامة لاحد الصحفيين متعجل يحمل سبقا صحفيا طالما تميزوا بها على الدوام الا ان العمل فيها يشعرك انك تعمل بمكان عريق.
    ادين الى الغد واحبها واطالعها مع ساعات الفجر الاولى يوميا حتى اني اشعرها رابطا متين بتراب الوطن -الذي احببنا-لا ينقطع.
    دائما باذن الله انت بازدهار يا حبيبتي.