جمانة غنيمات

"عجوزات" ثلاث ترهق الاقتصاد وتعيق التنمية المستدامة

تم نشره في الأربعاء 25 حزيران / يونيو 2008. 02:00 صباحاً

تعاني المالية العامة في المملكة من اختلالات وعجوزات مزمنة، وبرغم التحسن النسبي للأداء المالي، تعكس أشكال العجز التي يعاني منها الاقتصاد دلالات سلبية، لا سيما أن قيمتها تتزايد عاماً بعد عام. والعجوزات المقصودة هي عجز الموازنة، عجز الميزان التجاري، وعجز ميزان المدفوعات.

أول هذه العجوزات وأخطرها هو عجز الموازنة العامة الذي فشلت حكومات متعاقبة في ضبطه ليتماشى مع توصيات صندوق النقد، والبنك الدوليين، إذ يتوقع أن يصل نهاية العام 1.2 بليون دينار في حال لم تتمكن الحكومة من توفير إيرادات مالية تغطي الكلف الإضافية التي تحملتها الخزينة ووردت في ملحق الموازنة الأول بقيمة 500 مليون دينار.

وجود عجز كبير في الموازنة العامة (قبل المساعدات) بنسبة تصل إلى 9.5% إلى الناتج المحلي الإجمالي حسبما ورد في قانون الموازنة العامة، يؤكد الحاجة الملحة لإعادة هيكلة الموازنة العامة بهدف خفض هذا العجز.

تحقيق التطلعات بتخفيض العجز ليتراوح بين 3% و4% بحلول العام 2009، وإلى فائض ابتداء من العام 2016، يتطلب تنفيذ إصلاحات جذرية لتحسين أداء الموازنة العامة وزيادة كفاءة الأداء الحكومي اللذين يعتبران جوهر مبادرات الإصلاح المالي وهدفها.

المؤكد ان تنامي العجز إلى مستويات غير آمنة يؤدي إلى زيادة الاقتراض، ومن ثم فشل الخطط الحكومية في تقليص المديونية الخارجية. كما أن تزايده ينذر بوقف تنفيذ بعض المشاريع الرأسمالية التي تسهم في تحقيق التنمية وتوزيع مكتسبات النمو على مختلف مناطق المملكة لا سيما وأن الحكومة لجأت في سنوات سابقة إلى تقليص إنفاقها من خلال تأجيل بعض المشاريع الرأسمالية.

أما العجز الثاني فهو عجز الميزان التجاري الذي يقصد به الفرق بين قيمة الصادرات والواردات، ويعزا لأسباب أبرزها السياسات الاقتصادية للمملكة، لا سيما سياسة ربط الدينار بالدولار الأميركي، الذي تراجع مستواه مقابل العملات الأخرى خلال السنوات الماضية بنسبة 40%.

كما أن سياسات ربط الدينار بالدولار كانت السبب الرئيس في ارتفاع أسعار العديد من السلع، لاسيما الأساسية منها المستوردة من أوروبا، إلى مستويات غير مسبوقة، فباتت تؤثر بشكل سلبي على القدرة الشرائية للأردنيين.

في الآونة الأخيرة خضعت سياسة الربط للعديد من النقاشات بين مؤيدين لها يرون أنها تصب في صالح الاقتصاد الوطني رافضين دعوات برلمانية واقتصادية متكررة لإعادة النظر فيها للتخفيف من أثرها السلبي على قيمة المديونية العامة للبلاد نتيجة الانخفاض المستمر لسعر صرف الدولار أمام العملات الرئيسية؛ اليورو الأوروبي والين الياباني، إذ تبلغ نسبة الديون المستحقة لدول الاتحاد الأوروبي واليابان نحو 53 بالمئة من حجم الدين العام الذي يتجاوز عشرة بلايين دولار.

ومن أسباب ارتفاع العجز في الميزان التجاري كثرة الاتفاقات الدولية التي توجب على الأردن تخفيض الجمارك على السلع المستوردة، إضافة إلى ضعف تنافسية الإنتاج المحلي مقابل المنتجات المستوردة.

لجأت الحكومة لتعويض إيراداتها من تخفيض الجمارك والرسوم إلى فرض ضرائب جديدة أهمها الضريبة العامة على المبيعات بمعدل 16 بالمئة، وتعكف الحكومة حاليا على إعداد قانون جديد للضريبة.

بحسب تقديرات مسؤولين ترتفع إيرادات الخزينة من ضريبة الدخل والمبيعات خلال العام الحالي لتبلغ 095ر2 بليون دينار، الزيادة المتوقعة على الإيرادات تقدر بحوالي 95 مليون دينار.

دائرة الإحصاءات العامة تقدر ارتفاع العجز في الميزان التجاري خلال شهري كانون الثاني وشباط الماضيين بنسبة 41.3 بالمئة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

الحد من عجز الميزان التجاري يتطلب من صانعي القرار عقد جلسة حوارية للتباحث حول أسبابه ومنها سياسة ربط الدينار بالدولار، لا سيما أن قرارا من هذا النوع ليس قرارا اقتصاديا بل يحتاج لإرادة سياسية.

أما العجز الثالث فهو عجز ميزان المدفوعات، هو بمثابة الحساب الذي يسجل قيمة الحقوق والديون الناشئة بين بلد معين والعالم الخارجي، وذلك نتيجة المبادلات والمعاملات التي تنشأ بين المقيمين في هذا البلد ونظرائهم بالخارج خلال فترة زمنية عادة ما تكون سنة.

لميزان المدفوعات أهمية كبيرة فمن خلال دراسة مفرداته تتضح لنا درجة التقدم الاقتصادي في البلد، ويمكن تحديد مركزه المالي بالنسبة للعالم الخارجي، لذلك فإن صندوق النقد الدولي غالبا ما يطلب من جميع أعضائه تقديم موازين مدفوعاتها سنويا لكون هذا الميزان من أهم المؤشرات دقة في الحكم على المركز الخارجي للدولة العضو.

الأهمية الاقتصادية لوضع البلد المالي تتعلـق بالجزء الأول من ميزان المدفوعات، وهو الحسـاب الجاري، الذي يشمل المعاملات العادية كاستيراد وتصدير السلع والخدمات، تحويلات المغتربين والوافدين، والمنح الخارجية. وهنا نجد أن الحساب الجاري يعاني من عجـز كبير بلغ 6ر1 بليون دينار في العام 2005، وانخفض إلى 4ر1 بليون في 2006 ، نتيجة زيادة الواردات وتكلفتها، واللجوء إلى الاقتراض لتغطية النفقات الحكومية التي ارتفعت قيمتها خلال العام الحالي بحسب موازنة 2008 حوالي بليون دينار.

عجز الحساب الجاري يشـكل نقطـة ضعف، تدل على الانكشاف. وكـون العجـز في الحساب الجاري في حالة انخفاض يشكل نقطة قوة، تدل على السير في الاتجاه الصحيح نحو الهدف المنشود، وهو التوازن كحد أدنى، وتحقيق فائض كحد أقصى.

أهمية ميزان المدفوعات تتلخص في أنه يساعد السلطات العامة على تخطيط وتوجيه العلاقات الاقتصادية الخارجية للبلد، كتخطيط التجارة الخارجية من الجانب السلعي والجغرافي، أو عند وضع السياسات المالية والنقدية، ولذلك تعد المعلومات المدونة فيه ضرورية للبنوك والمؤسسات والأشخاص ضمن مجالات التمويل والتجارة الخارجية.

تقليص العجوزات الثلاث يحتاج الى سياسة اقتصادية جديدة، تضع اسسا لإدارة الاقتصاد، تدرك احتياجاته ومشاكله، وتؤسس لأسلوب عمل جديد يحقق نتائج ايجابية بالأرقام.

التعليق