هل تقترب كركوك من عين العاصفة؟

تم نشره في الأحد 27 تموز / يوليو 2008. 03:00 صباحاً

لا جدال في أن العراق أخذ، في الأيام القليلة الماضية، يغذ خطاه مسرعاً نحو أزمة سياسية حقيقية وخطرة. في الميدان، يبدي الجميع قدراً كبيراً من الحرص لتطويقها ومنع امتدادها. لكن الأرجح أن الأزمة التي تتعلق بتعارض مواقف الكتل البرلمانية العراقية حيال انتخابات مجلس محافظة كركوك المتنازع عليها، ستشهد تفاقماً خطيراً خلال الأسابيع والأشهر القليلة المقبلة، ما لم يستخدم رئيس الجمهورية جلال الطالباني حقه الدستوري في نقض القرار وإعادته الى البرلمان الذي أقرّه في جلسته الثلاثاء الماضي. يشار الى أن الفقرة 24 من القانون المذكور تتحدث عن تقسيم السلطات في المحافظة بين مكوناتها الكردية والعربية والتركمانية وفق نسبة 32 في المائة، والآشورية وفق نسبة 4 في المائة.

قائمة التحالف الكردستاني التي تتألف بشكل أساسي من نواب الحزبين الكرديين الرئيسيين الحزب الديموقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، اعترضت منذ القراءات الأولى على درج هذه الفقرة في نص القانون. فيما بعد، عبرت عن إعتراضها بالإنسحاب من جلسة كانت مخصصة للتصويت على القانون، لكن البرلمان ارتأى تأجيل التصويت الى الثلاثاء الماضي بسبب انسحاب الكتلة الكردية. وحينما أصرّ رئيس البرلمان محمود المشهداني على إجراء التصويت على مسودة القانون بضمنها الفقرة 24، ارتأت قائمة التحالف الكردستاني الانسحاب للمرة الثانية من الجلسة. أكثر من مصدر كردي في أربيل لا يستبعد احتمال لجوء القائمة الى الامتناع عن حضور الجلسات المقبلة للبرلمان الى حين حذف الفقرة 24 التي تتعارض في رأيها مع أحكام الدستور العراقي الدائم.

للوهلة الأولى يبدو الخلاف باهتاً أو ثانوياً. لكن الحقيقة أنه خلاف حاد وعميق نظراً لتعلقه بموضوع كركوك والمادة 140 التي يعمل المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا على إيجاد آليات عملية لتسهيل تطبيقاتها. فالأكراد الذين يتمتعون بست وعشرين مقعداً من أصل أربعين في مجلس محافظة كركوك الحالي، خائفون من أن تشكل الصيغة الحالية للقانون ضربة مميتة لحلمهم التاريخي بإعادة كركوك الى الهيكلية الإدارية لإقليم كردستان العراق. وهم خائفون أيضاً من أن تشكل هذه الصيغة سابقة خطرة للقضاء على المادة 140 التي توفر حلاً من ثلاث مراحل لمعضلة كركوك المتنازع عليها: التطبيع والإحصاء والاستفتاء. كما أنهم خائفون من أن تتحول النسبة التي حددتها الفقرة 24، وهي 32 بالمئة، الى معيار ثابت لضبط الواقع السكاني والإداري للمدينة، ما يعني حرمان السكان الأكراد الذين هجّرهم النظام السابق قسراً من المدينة وأطرافها، من الحق الدستوري في العودة الى ديارهم الأصلية.

يشار الى أن النظام العراقي السابق، طرد في الفترة بين أعوام 1970 و 2003 ما يقرب من مئة ألف عائلة كردية وتركمانية من كركوك وأطرافها، وفق سياسة منهجية هدفت الى تغيير الطابع السكاني والقومي للمدينة التي تشتهر بكونها أحد أغنى الحقول النفطية في العراق. في الوقت ذاته، قام بنقل أعداد كبيرة من العوائل الفلاحية العربية من جنوب العراق ووسطه الى المدينة وأطرافها، وحوّلت إليهم ملكية الأراضي الزراعية والمنازل والعقارات التي تعرض أصحابها الأصليين الى الطرد القسري. 

 تؤكد الكتل البرلمانية المؤيدة للقانون أن تقسيم السلطات بحسب نسبة 32 بالمئة، سيكون إجراءاً موقتاً لحين إيجاد حل عملي لمعضلة كركوك يقوم على أساس التوافق بين التكوينات الكردية والعربية والتركمانية والآشورية في المدينة. لكن التحالف الكردستاني لا يبدي ارتياحه حيال هذه الوعود خصوصاً أنه يمتلك تجربة التعامل الحكومي والبرلماني العراقي (السيئ) مع المادة 140 ومحاولات عرقلة تطبيقاتها في كركوك وبقية المدن والقصبات الكردية التي تعرضت لسياسات التطهير العرقي.

في المقابل، يؤكد الأكراد أن أكثر الطرق عملية لحل إشكالية الفقرة 24، بل موضوع الانتخابات في كركوك برمته، تتمثل في طريقين اثنين: الأول، إجراء الانتخابات في كركوك في موعدها المقرر، أي في الأول من تشرين الأول المقبل، على أن يتم التعامل مع ملفها كما هو الحال في بقية المحافظات العراقية. أما بالنسبة إلى التكوينات غير الكردية في المدينة، فإن حكومة إقليم كردستان العراق مستعدة لإعلان التزامها الكامل بتعاون وثيق مع الحكومة الفيدرالية، بعد تطبيق المادة 140، من أجل وضع إدارة مشتركة للمحافظة يصار فيها الى صون الحقوق الكاملة لجميع مكوناتها من دون أي تمييز. الثاني، تأجيل الانتخابات المقررة في كركوك الى مرحلة ما بعد تطبيق المادة 140، أو العودة الى نتائج إحصاء عام 1957 لتحديد المشمولين بحق التصويت في انتخابات مجلس المحافظة على أن تجدد الحكومة العراقية التزامها بتطبيق المادة 140 في أقرب فرصة ممكنة.

مصادر كردية عدة في أربيل، تستبعد أي انسحاب كردي من الحكومة العراقية في الظرف الراهن. ففي قناعة الأكراد أن الظرف الديمقراطي المتهيئ أمامهم في العراق، يعطيهم هامشاً واسعاً للعمل من أجل ضمان حقوقهم عبر الوسائل السلمية والقانونية والدستورية. لهذا يلحّون على ضرورة تحويل ملف الخلاف الراهن الى المحكمة الدستورية العليا في البلاد. في المقابل، تتحدث مصادر كردية أخرى عن انعكاسات سلبية للخلاف حول انتخابات كركوك على استقرار المحافظة ودوام أمنها، خصوصاً أن خلافات من هذا النوع قد تفضي الى تعميق الشروخ وروح اللاثقة بين سكان المدينة، وانتعاش المجموعات الإرهابية في حدود المحافظة، إضافة الى خلق مزيد من العراقيل والصعوبات أمام العملية السياسية والمصالحة الوطنية العامة.

بالفعل، توحي تداعيات الأزمة الحالية بأول شرخ حقيقي وخطر بين الأكراد والعراق. وما يمكن أن يُضاعف من الخطر في أن يواصل البرلمان العراقي إصراره على تمرير القانون، أو يتردد رئيس الجمهورية عن استخدام حقه في النقض بذريعة حرصه على الحؤول دون هيمنة (كرديته) على (عراقيته). هنا، ليس الخوف من تفاقم الخلافات والتجاذبات في البيت السياسي العراقي، إنما من دخول كركوك في حقبة سوداء من الاضطرابات والمواجهات بفعل الشحن الكلامي والإعلامي والنفسي أولاً، وتدخلات الجوار الإقليمي ثانياً، واستغلال المجموعات الإرهابية، ثالثاً، لوهن المدينة وتشققاتها الداخلية لجهة إطلاق موجة جديدة من الإرهاب ضد العراقيين.

التعليق