ما كان لأزمة دارفور ان تتفاقم لهذا المدى

تم نشره في الأربعاء 23 تموز / يوليو 2008. 02:00 صباحاً

 

تضامنت جامعة الدول العربية مع السودان, وكما يجب, ومع حملة الرئيس السوداني عمر البشير ضد طلب مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية باصدار مذكرة اعتقال ضده بتهمة ارتكاب جرائم حرب وابادة جماعية في دارفور.

وصف وزراء الخارجية العرب, بعد اجتماعهم في القاهرة السبت الفائت اجراء المدعي العام لويس مورينو اوكامبو بالسابقة الخطيرة, وبأن مجلس الجامعة يبدي "التضامن مع سيادة السودان". وقرر مجلس الجامعة "التضامن مع جمهورية السودان في مواجهة المخططات التي تقوض سيادته واستقلاله ووحدته واستقراره"، كما قرر "عدم قبول الموقف غير المتوازن وغير الموضوعي لمدعي عام المحكمة الجنائية الدولية".

في هذا الموقف التضامني العربي ما يلبي الحد الادنى من الحاجة, عندما يتوجب على الدول العربية الاعضاء في جامعة الدول العربية الوقوف بجانب من يتعرض منهم لمثل تلك المحنة التي يتعرض لها الرئيس السوداني, والتي من الواضح انها مفتعلة ومضخمة ومسيسة وانتقائية وخالية من الكثير من الصدقية والنزاهة.

ولكن لا التضامن في الاطار العربي مهما بلغ, ولا التظاهرات ضد موقف المحكمة الدولية في السودان او في اي مكان آخر مهما علت اصواتها, تنفع في حل المشكلة.. فجدوى كل ذلك هي التعبير عن رفض عربي رسمي وربما شعبي لاستمرار تطبيق المعايير المزدوجة, واستقواء القانون الدولي على "الضعفاء" وتخاذله عن محاسبة من اقترفوا, ولا يزالون, جرائم كبرى في حق البشر وحق الانسانية وحق الشعوب وفي انتهاكات صارخة ومتكررة للقانون الدولي, ولكل الاعراف التي تنظم العلاقات بين الدول والشعوب.

الذي ينفع هو التعامل مع القضية في الاطار السياسي والقانوني كما قال امين عام جامعة الدول العربية في المؤتمر الصحافي الذي اعقب اجتماع السبت. وسبب ذلك اننا كدول عربية نشتكي باستمرار من ظاهرة التمرد على القانون الدولي, وندين الدول التي لا تحترم ولا تنفذ قرارات الامم المتحدة, واسرائيل في مقدمة هذه الدول طبعاً. ونحن كدول عربية ندعو باستمرار لتفعيل القانون الدولي ولاعادة الحياة لمنظمة الامم المتحدة, ولتحريرها من سيطرة الدول العظمى عليها وعلى عملها, ومن تحويلها من قبل تلك الدول الى اداة طيعة لها لخدمة اغراضها وسياساتها ومصالحها المشروعة منها وغير المشروعة.

اذا كان القانون الدولي بالنسبة لنا في هذا العالم المضطرب والفاقد الاستقرار لعقودٍ متتالية, هو ضمان حقوقنا وحمايتنا في زمن استبداد القوة وهيمنتها فيجدر بنا ان نحافظ على مواقف التمسك بالقانون والدعوة لاحترامه, لا ان ننضم لركب المتمردين عليه خاصة وان للتمرد شروطا لا نملكها.

لقد تعرضت دولة عربية منذ ما يقارب العقدين من الزمان لمواجهة مع مجلس الامن عندما اتهم اثنان من مواطنيها بالضلوع في جريمة اسقاط طائرة اميركية فوق لوكربي. وتفاقم الخلاف بفرض العقوبات الصارمة ضد ذلك البلد عندما رفض تسليم المطلوبين عارضاً حلولاً اخرى لجلاء الحقيقة بدلاً من ذلك. وبقي الخلاف مستحكماً الى ان تم الاتفاق على اقامة محكمة خاصة في هولندا لمحاكمة المتهمين, وحوكما من قبل قضاة اسكتلنديين, وبرئ واحد وادين الاخر, ودفعت مليارات الدولارات لضحايا الطائرة كجزء من تسوية قضية لا تزال الشكوك تحوم حتى الان حول حقيقة المجرم الذي ارتكبها, وحول مجمل اسرارها. ولكن تلك القضية لم تحل برفض قرارات مجلس الامن, حتى وان ساور الشك نزاهتها وعدالتها, ولم تنته بالتمرد على الارادة الدولية, حتى عندما كانت تلك الارادة مجحفة ومتسلطة ومسلحة بالقانون الدولي بيدها, وبالقوة بيد الدول المتنفذة في المنظمة الدولية, التي وقعت ارادتها في اسر تلك الدول. لقد حلت تلك القضية عندما قررت ليبيا ان تدفع الثمن وتخلص فدفعت وخلصت, بعد ان غضت النظر عن اثبات العدالة.

وللسودان تاريخ طويل من المعاناة مع مجلس الامن والعقوبات.. وكان الامين العام السابق للامم المتحدة يردد باستمرار انه لمن الملفت ان الدول الثلاث الواقعة تحت طائلة العقوبات الدولية دولاً عربية: العراق, وليبيا, والسودان (ذلك الوقت). وكبقية الازمات المعروفة بين دول عربية والامم المتحدة, او الهيئات النظيرة, فان لهذه الازمة ابعادا مختلفة وظروفا متشابكة معقدة, ابرزها واهمها فقدان الثقة بعدالة وموضوعية القانون الدولي, وكذلك انهيار مصداقية الاجهزة الدولية في التعامل مع القضايا الدولية المختلفة. ففي اكثر الحالات, والمتعلقة منها بمنطقتنا, تصبح الازمات وسائل للتدخل في شؤون السيادة, وفرصا لمضايقة الدول غير المرضي عنها. وقضية دارفور هي من الامثلة البارزة التي تدلل على ذلك. ففي مطلع القرن اصبح التركيز الدولي على ما يجري في دارفور (وان كان ذلك مستحقاً بكل المقاييس) اصبح وسيلة للتهرب من تحمل المسؤولية الدولية ازاء ما كان يجري من انتهاكات فظيعة بحق الفلسطينيين على يد الاحتلال الاسرائيلي.

ليس من المفروض طبعاً ان يكون الاهتمام الدولي بقضية على حساب غيرها من القضايا. وليست المسألة اما دارفور واما فلسطين: المطلوب عناية منظمة ومتوازنة بكل القضايا الدولية.

ما كان لقضية دارفور ان تتفاقم وتتفاعل لهذا المدى وعلى كل من احجم عن معالجة الامور ان يتحمل ما يترتب عليه من المسؤولية. ولا يجوز ان يكون التقصير الدولي سبباً للاحجام عن مواجهة المسؤولية في الاطارين العربي والافريقي منعاً لمثل هذا التفاقم.

لقد طالب مدعي عام المحكمة الدولية بتسليم اثنين من المسؤولين السودانيين في العام الماضي احدهما عضو في الحكومة السودانية. ولم تختف المشكلة برفض السودان تسليمهما, بل نراها كبرت وازدادت تعقيداً, اذ يعتقد مراقبون ان التهديد بالوصول للرئيس هو رد الفعل المضاد لعدم تسليم المطلوبين من قبل.

حتى الان لم تصدر مذكرة لالقاء القبض على الرئيس. فذلك الاجراء المطلوب من المدعي العام يخضع لشروط ويحتاج لوقت غير قصير حتى تقرره المحكمة.

خلاله قد تستطيع المساعي العربية الجادة البحث عن مخرج قانوني ضمن حزمة متكاملة تتناول مسألة السلام في دارفور برمتها ووضع الاسس الكفيلة بأنهاء الوضع السيئ في الاقليم.

التعليق