التعددية

تم نشره في الاثنين 21 تموز / يوليو 2008. 02:00 صباحاً

أسعدني النقاش الذي أثاره مقال الأسبوع الماضي حول العلمانية ومعانيها واليوم أتابع بمفهوم آخر لا يقل أهمية هو التعددية.

للتعددية أربعة مضامين مركزية: 1) التسليم بحتمية تنوع الآراء واختلاف الاجتهادات حول شؤون الدنيا والدين داخل الدولة الواحدة والمجتمع الواحد، 2) رفض الادعاء باحتكار أي رأي أو اجتهاد للحقيقة المطلقة، 3) ثم تأسيساً على ذلك الإيمان بأن على الدولة والمجتمع حماية التنوع والاختلاف نصاً (الدستور والقوانين) وعملاً (الممارسة)، 4) وكفالة حقوق متساوية لجميع المواطنين في التعبير بحرية عن آرائهم واجتهاداتهم والإسهام في تحديد معنى الصالح العام.

إلا أن هذه المضامين تواجه الدول والمجتمعات بتحديات كبرى جوهرها من جهة البحث عن طرق للتوفيق بين انفتاح وتسامح مبدأ التعددية وإلزامية العقائد والتعاليم الدينية ومن جهة أخرى التفكير في شروط المساواة الفعلية بين مواطنين مختلفين في الرأي والاجتهاد وشديدي التفاوت في حظوظهم من الغنى والقوة والمعرفة. بعبارة أخرى، هل تضع العقائد والأديان بما تحلله وما تحرمه الحدود النهائية للتعددية وتفرق بين المقبول من ممارساتها والمذموم أم تأخذ التعددية مداها مجتمعياً ولا يحدها في الممارسة الفردية سوى احترام حقوق الآخرين وعدم التعدي على حرياتهم؟ وما السبيل للحيلولة دون تسلط نخب الأغنياء والأقوياء والنافذين على جموع المواطنين إن بالحجر على آرائهم واجتهاداتهم أو بمنعهم من التعبير عنها بحرية ومن ثم تفريغ التعددية من مضامينها بجعلها حكراً على "الكبار"؟

وبقدر من التعميم، يمكن القول أن الدول والمجتمعات الحديثة سعت إلى تنظيم العلاقة بين التعددية والدين انطلاقاً من نهجين رئيسيين لا ثالث لهما، إما تغليب قيم التنوع والاختلاف والحرية على الضوابط والحدود الدينية أو العكس. نزعت شعوب الغرب والشمال نحو تقليص مساحات الممنوع والمرفوض والمحرم وأطلقت عقل ووجدان الإنسان لممارسة التعددية فردياً ومجتمعياً وصاغت دساتيرها وقوانينها لحمايتها. أما شعوب الشرق والجنوب فغلب معظمها باسم الدين المنع على السماح وقدم ضوابط التعددية على ممارستها محجماً بالتبعية من حريات المواطنين.

تفاوتت كذلك طرق التعامل مع مسألة المساواة بين المواطنين المختلفين في الرأي والاجتهاد والإمكانات المتاحة للحيلولة دون تسلط الكبار وقمع الصغار حمايةً للتعددية. البعض، كما هو الحال في الولايات المتحدة، ركز على ضمانات المساواة القانونية والسياسية وتجاهل الاعتبارات الاقتصادية والحدود التي قد يضعها الفقر أو الضعف على حريات المواطنين. بينما أعطى البعض الآخر، كروسيا الماضي وصين اليوم، الأولوية لضمانات المساواة الاقتصادية وافتئت على الضمانات القانونية والسياسية فاتحاً المجال لتسلط القوي على الضعيف واستبعاد آراء واجتهادات المواطنين خارج دوائر النفوذ من ساحة النقاش حول الصالح العام. في حين تناقضت توجهات وأفعال فريق ثالث، في موقع القلب منه مصر والعدد الأكبر من شقيقاتها السلطويات، تناقضاً شبه تاماً مع كل ضمانات المساواة، قانونية كانت أو سياسية واقتصادية. فلا حق للمواطنين في الاختلاف ولا تسامح مع ممارستهم للحرية.

تلك هي التحديات التي تطرحها التعددية على الدول والمجتمعات والاختيارات الممكنة للتعامل معها. وبوضوح شديد، أعلن انحيازي لتغليب قيم التنوع والاختلاف والحرية على نهج المنع والتحجيم وفرض الضوابط وتفضيلي ضمان مساواة المواطنين القانونية والسياسية كأساس لممارسة للتعددية على ذبحها باسم مساواة اقتصادية أبداً لم ولن تتحقق.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »السجن كببر (د. عبدالله عقروق \بيروت)

    الاثنين 21 تموز / يوليو 2008.
    السلطة الرابعة التي لها الحرية التامة في الكلمة الاولى والاخيرة بالدولة وهي التي تربط الاحزمة لكل حريات المواطن ووضعه في سجن كببر ..لا بمكننا ان نتحدث عن ديمقراطية وحرية المواطن حنى تضع الدولة شروطا على المؤسسة الرابعة وتحجيم نشاطتنها على متابعة الفساد ونجار السياسة والارهابين من الداخل والخارج