حروب استباقية.. على الصين

تم نشره في الاثنين 21 تموز / يوليو 2008. 02:00 صباحاً

تشي ردة فعل الصين على طلب مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية، القبض على الرئيس السوداني عمر البشير لتهم تتعلق بالأحداث في إقليم دارفور، بإدراك الصين العميق لكون محاولات إعاقة الاستقرار في دارفور، التي تجري على قدم وساق باسم "المجتمع الدولي" و"العدالة الدولية"، إنما تستهدفها هي في الحقيقة، أي تستهدف نموها وتقدمها وتحولها إلى قطب عالمي مؤثر.

فالصين التي تعمل جاهدة على حل الأزمة في دارفور، من خلال الاتصال بأطراف النزاع سعياً لإقناعها بالتفاوض والتوصل إلى حل سلمي، وكذلك الاتصال بدول القرار في العالم لإقناعها باعتماد الحل السياسي للأزمة، رأت في طلب المدعي العام، لويس مورينو أوكامبو، أمراً معطلاً لانتشار قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام في دارفور، ومعيقاً لاستئناف المفاوضات السياسية حول الإقليم، بحسب تصريح رسمي للمبعوث الصيني إلى إقليم دارفور، ليو جوي جين، ما يعني بالتالي تعطيل الاستثمارات الصينية في الإقليم السوداني الغني بالنفط، الذي بات يمثل أحد المصادر التي تطمح الصين بإعدادها لتلبية احتياجاتها المستقبلية من الطاقة.

القصة، إذاً، على علاقة مباشرة بالتنافس بين الدول الكبرى، وبمساعي الولايات المتحدة ودول غربية أخرى لإعاقة نهضة الصين وتقدمها، وذلك من خلال الضغط عليها بواسطة العامل النفطي، الذي يمثل توفره اليوم بالنسبة للصين، أول مقومات استمرار نموها، بخاصة أن دراسات أشارت إلى أن الصين ستستورد بحلول العام 2010، ما نسبته 65 بالمئة من احتياجاتها النفطية من الخارج، وسيكون الشرق الأوسط مصدراً لـ70 بالمئة من هذه المستوردات، علماً بأن الصين استهلكت أكثر من 350 مليون طن من النفط خلال العام الماضي 2007، بحسب دراسة نشرها معهد الطاقة التابع للجنة الدولة للتنمية والإصلاح، الصينية الحكومية.

ومعنى هذا، أن السودان ونظامه ورئيسه ليسوا سوى "شوكة" تريد القوى الكبرى أن تنغز بها جسد التنين الصيني المنطلق من قمقمه، وأن الخوف على حقوق الإنسان في دارفور، وعلى تحقيق العدالة ومعاقبة الضالعين بالجرائم المفترضة في هذا الإقليم السوداني، ليس سوى واجهة ملونة للحقيقة السوداء التي تمثل سبب كل تحرك في منطقتنا بخاصة، والعالم بشكل عام.

إن هذا الذي يجري اليوم بوضوح فيما يتعلق بالسودان، يفضح السبب الحقيقي لكل الحروب التي استهدفت السيطرة على النفط في العراق، وقبله في وسط آسيا. فالحروب التي تم خوضها بحجة القضاء على الإرهاب، وسميت "حروباً استباقية"، ليست في الحقيقة سوى حروب استباقية على النمو الصيني، همّها منع النفط عن الصين، وتعطيل فرص نموها وتقدمها لأكثر من مدى محدد "معقول" لم تتجاوزه بعد، فلو تُركت للصين حرية الوصول إلى الطاقة، فإنها ستتحول دون ريب خلال السنوات العشرين القادمة، على أبعد تقدير، إلى قوة عالمية يصعب التصدي لها.

علينا هنا، أن ننتقد كثيراً من التفسيرات التي شاعت لأسباب حرب العراق، على وجه الخصوص، والتي كانت تُرجع اندلاع الحرب لولع بوش وديك تشيني بالنفط والمال تارة، ولأيديولوجية المحافظين الجدد تارة أخرى، فالحقيقة التي يجب قولها، للتاريخ، أن الإدارة الأميركية، أياً كان على رأسها، إنما تعمل في إطار تخطيط استراتيجي بعيد المدى، همّه الحفاظ على "الإمبراطورية الأميركية"، وضمان تفوقها العالمي، عبر "استباق" القوى الصاعدة ومنعها من تهديد هذه الإمبراطورية، أو حتى منافستها.

الصين، إذاً، هي كلمة السر في الأحداث الكبرى التي تجري في العالم، وعلى وجه الخصوص تلك التي تُشعل الولايات المتحدة فتيلها، وتُقدم في سبيلها الآلاف من أبنائها قتلى وجرحى. يبقى أن نتساءل حول تورط المنظمات والهيئات التي يُفترض أنها "دولية"، في هذه الحروب الاستباقية، ما يعني انحيازها لجانب ضد آخر، وأنها في حقيقتها ليست سوى هيئات غربية، وتلك على أية حال قصة أخرى.

samer.khair@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عصفورين في حجر واحد (A.Z)

    الاثنين 21 تموز / يوليو 2008.
    اعتقد ان هذا الموضوع خطير جدا ويجب ان نكون على علم ودراية اكثر بما يحدث في العالم من حولنا،
    ان الصين هي من اعظم الدول المصنعة والمنتجة ويعتمد على صناعاتها العديد من الدول لجودتها ورخص اسعارها عالميا مقارنة بالمنتجات الاميركبة والعالمية، ولقد رأيناالعديد من محاولات تشويه سمعة هذه المنتجات بأنها صناعات رديئة ومسرطنة بغرض اقناع العالم بالابتعاد عنها حتى لا يؤثر اقتصاد الصين على اقتصاد العالم..

    من جهة اخرى فان السودان بلد مليء بالخيرات واراضيها لو تم زرعها وانتاجها بالطريقة السليمة لسببت اكتفاء ذاتيا لجميع دول افريقيا( بناء على معلوماتي العامة) والصين هي احدى الدول المتضررة من زعزعة الأمن في السودان لما سيؤثر على اقتصادها