إبراهيم غرايبة

اليسار الاجتماعي ضرورة وطنية

تم نشره في الاثنين 21 تموز / يوليو 2008. 02:00 صباحاً

بدأ اليسار الاجتماعي يشهد نموا وإقبالا كبيرا في معظم أنحاء العالم مستمدا نموه من ثلاثة أسباب على الأقل، أولها المراجعات الشاملة بعد صدمة اليسار في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي بانهيار الاتحاد السوفيتي والمنظومة الشيوعية العالمية، وثانيها الاتجاه الطبيعي والتلقائي في الأفكار والتجارب التي تبحث دائما عن البدائل والتوفيق بين التجارب والأفكار، ولعل أفضل مثال على ذلك تجربة الطريق الثالث والاشتراكية الديمقراطية في أوروبا التي اكتسحت العالم في منتصف التسعينيات الماضية، ولكنها شهدت تراجعا كبيرا وهجمة مرتدة للمحافظين واليمينيين ربما بسبب تصاعد الأصولية والتطرف وأحداث الحادي عشر من أيلول، وحتى الحزب الديمقراطي الأميركي شهد على يد كلينتون مجموعة من المراجعات والأفكار التي اعتبرت من أفكار ومنهج الطريق الثالث والقائمة على الديمقراطية الاجتماعية وتأمين التأمين الصحي والاجتماعي لعشرات الملايين من المواطنين الأميركان المحرومين وتعديل الضرائب على نحو تصاعدي يحمي الطبقات الوسطى ويلزم الأغنياء بمزيد من الضرائب والالتزامات، وقد أدخل برنامج كلينتون أكثر من ستين مليون أميركي في برامج التأمين الصحي كانوا محرومين منه من قبل، وسلم الإدارة الأميركية لبوش بفائض مالي يقترب من التريليون دولار، وصعد اليسار في أميركا اللاتينية صعودا مدويا على أساس اجتماعي مختلف عن الشيوعية التقليدية السابقة، فأورتيغا على سبيل المثال الذي نجح في الانتخابات العامة التي جرت في نيكاراغوا عام 2006 ليس هو القادم على رأس ثورة شيوعية جرت عام 1979.

وأما الاعتبار الثالث الذي يمنح اليسار الاجتماعي فرصة وشرعية كبيرة فهو الضرورات والتقاليد الديمقراطية القائمة على تنافس الأفكار والمواقف والبرامج ومحافظتها على بعضها البعض، فالديمقراطية في جوهرها ليست هي حكم الأغلبية ولكنها في حماية وضمان الأفكار والاتجاهات والمجموعات كلها وإن كانت لا تشكل سوى أقلية في مرحلة من المراحل، ذلك أن تحكم الأغلبية واستئثارها بالسلطة والقرار والسياسات وإن كانت قد جاءت بانتخابات ديمقراطية يحول الديمقراطية نفسها إلى استبداد وفساد وركود سياسي واجتماعي مروع، ذلك أن الديمقراطية والحيوية والتنافس والتطور في البرامج والأفكار تقوم على القدرة على إثبات الصواب والتطور المتواصل، وهذا لا يتحقق للأغلبية أو لأية مجموعة مهيمنة بأي شكل من الأشكال إلا بوجود الأفكار والبرامج المختلفة وعملها إلى جانب بعضها البعض وتنافسها وجدلها المتواصل، فهذا الجدل يمنح المجموعة الغالبة شرعية أكبر وحيوية وقدرة على ملاحظة أخطائها وعيوبها، ويتيح أيضا للجمهور ووسائل الإعلام رقابة دقيقة وصارمة على الحكومات وقيادات المجتمع والقطاع الخاص أيضا، لأن الأغلبية بإقصائها للأقلية تدخل نفسها في حالة من الفردية والاستبداد وغياب الرقابة ثم  الصراع الداخلي المدمر بين المجموعة المهيمنة نفسها.

وفق ذلك فإن التيارات السياسية والفكرية المفترض قيامها في الأردن يجب أن تتضمن بالضرورة تيارا يساريا يمنح الحياة السياسية والاجتماعية ثراء وحيوية أكبر بكثير مما يبدو في المقاييس الكمية من حيث عدد مقاعد البرلمان والحضور النقابي.

وفي جميع الأحوال فإن الأفكار والاتجاهات جميعها سواء كانت ليبرالية أو محافظة أو يسارية فإنها وإن كانت مستمدة من أفكار وفلسفات عالمية فإنها يجب أن تبقى وطنية قائمة حول المكان الذي تعمل فيه، ولا يغير كثيرا من جوهر رسالتها إن كانت تتفق مع فلسفات وحكومات وحالات قومية أو عالمية، فمن المؤكد أن اليسار الذي نجح في أميركا اللاتينية ليس مشغولا بالغلاء في الأردن أو الاحتلال في فلسطين إلا بمقدار مساهمته في الشأن العالمي، وعندما تتخلى أي جماعة أو حركة عن هويتها الوطنية تتحول في الحقيقة إلى مجاميع من التائهين أو المرتزقة وتواجه حالة مروعة من الخواء واللاجدوى، والأكثر خطورة فإنها تعيش حالة من التمزق والانفصام بين انتمائها المفترض للدولة والمجتمع والتشريعات والمؤسسات التي تعمل من خلالها وبين أفكارها وأحلامها غير الممكنة التطبيق والعمل لأجلها إلا من خلال برنامج وانتماء وطني، وربما يفسر هذا حالة التشتت في الهوية والتفكير والأولويات وغياب البديهيات والمنطق في التفكير والالتزام الفردي والجماعي والحيرة لدى أفراد وجماعات ومؤسسات كثيرة لدينا في الأردن.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الأولويات الثلاث (يوسف)

    الاثنين 21 تموز / يوليو 2008.
    اية تيار او حزب عربي لاتكون له الأولويات الثلاثة فهو تيار فاشل ولن تكون له شعبية كما كشفت تجارب عديدة بدول مثل الأردن:

    - الديمقراطية
    - الرفاهية
    - المقاومة

    وغير ذالك لاانا ولا الملايين من العرب سيهتمون باية تيار جديد يدعي انه يمينى او يساري او وسطي. الأحزاب الوحيدة الناجحة في العالم العربي هي احزاب رسمية إنتهازية فقط تمص دماء الشعوب وتحمي مصالحها ونخبها.
  • »اليسار الحر (احمد الجعافره)

    الاثنين 21 تموز / يوليو 2008.
    حقا يا استاذ اراهيم انك تلفت انتباهنا الى الكثير من المسائل الهامه والضروريه ويسعدني جدا انك انت من تتكلم عن هذا الاتجاه الوطني الذي مزقته الاحداث خلال العقدين المنصرمين شر تمزيق
    وعقدة هذا الاتجاه بالضبط هي كيفية الموازنه بين الموقف من الاشتراكيه والموقف من اللبراليه
    فمن الملاحظ ان معظم افراد اليسار الاردني لم يستطيع ان يخرج من تحت مظلة الماركسيه ونظرتها الى اليسار فبقي كثير من اليسارين مرهونين لافكار ماركس التي مر عليها حوالي 200 مئتين سنه ولو نظروا بعين فاحصه الى روسيا اليوم لغير الكثير منهم رأيه
  • »نتمنى من عقلكم النير المزيد (محب الحكمة)

    الاثنين 21 تموز / يوليو 2008.
    لقد لفت انتباهي اعتنائكم الشديد في مقالات سابقة بالجزئين الأوَّلين من رباعية المؤرخ الكبير إريك هوبزباوم، أقصد: 1- عصر الثورة، و2- عصر رأس المال. ويبدو أن بعضا من هذا الاعتناء مرده للترجمة العربية الجيدة التي قام بها الأستاذ فايز الصايغ، عسى يتحفنا بالجزئين التاليين قريبا. لكني أود أن امتع نفسي والقراء العرب عموما باجتهاداتكم وملخصاتكم النيرة فيما لو قرأتم مَن هو بمنزلة الأستاذ لإريك هوبزباوم، أي مؤرخ الحوليات فرنان بروديل في ثلاثيته العظيمة (الحضارة المادية والاقتصاد والرأسمالية من القرن الخامس عشر إلى القرن الثامن عشر) ترجمة د. مصطفى ماهر. دار الفكر. في ثلاثة مجلدات 1993-1995. وأظن الجامعة الأردنية تملك أحد الأجزاء كما رأيتهم جميعا في دار البستان مع أني لا إعرف مستوى جودة الترجمة. علاوة على كتب فرنان بروديل الأخرى (هوية فرنسا) ترجمة بشير السباعي. وزارة الثقافة المصرية، المجلس الأعلى للثقافة، 2000. المجلد الأول : المكان والتاريخ، 1999، والمجلد الثاني: الناس والأشياء. مع فائق لهفتي وشوقي لمزيد اجتهادكم.