الأردن والتحولات الإقليمية

تم نشره في الأحد 20 تموز / يوليو 2008. 02:00 صباحاً

التحولات الدائرة الآن في الإقليم تتطلب مراجعة أردنية شاملة للسياسة الخارجية، وبالذات الأدوات وآليات العمل. هذه المراجعة ليست في سياق إدانة السياسات السابقة، ولكن من أجل التوصل إلى معادلات سياسية جديدة تنسجم مع ما يجري من تحولات راهنة. فلقد سبق وأن تمت الإشارة بشكل متكرر بأن منطق التحالفات الذي انتهجته الولايات المتحدة في المنطقة قد تغير، وهناك منطق جديد لإدارة علاقاتها ومصالحها.

الإشارات المتكررة من قبل هذه الإدارة، وهي الأكثر دعماً لإسرائيل، لا يشي بتحولات مباغتة وثورية. بل هو تغيير في المسارات، تأخذ الولايات المتحدة بعيداً عن إسرائيل لمسافات سوف تتزايد مع الزمن. وقد لا يطول انتظار المنطقة لترى موقف أمريكي مختلف من الصراع. 

ليس هناك شرق أوسط جديد أميركي إسرائيلي يشبه الذي تخيلته الدولتان في صيف عام 2006. وليس هناك فرصة ولا إمكانية لإعادة تركيب خرائط القوى وعلاقاتها في المنطقة بما يبقي إسرائيل في قلب هذه المعادلات. والأهم أن هناك استخلاصا مركزيا توصل له العالم بعد ثلاثة حروب في المنطقة (أفغانستان، والعراق ولبنان) وعنوانه: أنه لم يعد بالإمكان إعادة رسم علاقات الدول والتشكيلات السياسية الاجتماعية بالقوة. والتغير الحاسم هو تغير في مضمون وقواعد إدارة القوة واستعمالها. هذا التغير هو الذي يقلل من قيمة التفوق العسكري الإسرائيلي، ويقلل من قيمة إسرائيل في علاقات مراكز القوى العالمية مع المنطقة. فأهم ما جرى في حرب عام 2006، أن إسرائيل ليست أداة فعالة في تحقيق إعادة رسم خرائط القوى في المنطقة.

صحيح أن الغرب لن يتخلى عن إسرائيل ويتركها لتلاقي مصرها مع تغيرات عاصفة في معادلات القوى الإقليمية، ولكن العالم لن يبقى أسير مركزية إسرائيل في علاقاته الإقليمية. من جهة مقابلة، إسرائيل مثلها مثل أي قوة إقليمية، تحتاج إلى منظومة دولية وإقليمية تمكن هذه القوة من العمل والفاعلية. فعنوان فشل الإمبراطوريات الكبرى، هو تغيير خرائط القوى الإقليمية والدولية، بما جعل بعضها الآفل يخرج من هذه المعادلات أو ينزاح باتجاه الهوامش. إسرائيل تعي هذه الحقيقة، وهي سعت، وربما ما تزال تسعى، بمعدلات نجاح منخفضة جداً، لتأسيس منظومة إقليمية تستطيع أن تبقيها وتديمها. وهذا الذي يفسر الرفض العالمي المتكرر لكل محاولات إسرائيل أن تتحول إلى مركز دويلات تدور في فلكها. إسرائيل تدرك أن التحولات الراهنة مع غياب فرص بناء منظومة دول صغيرة تدور في فلكها وضعها في مواجهة خيارات استثنائية.

  بعد مبادرة السلام العربية، وبعد تحول الفاعلية السعودية، والإيرانية، والسورية، من مجرد مراكز قوى تبحث عن فرص للاعتراف، إلى لاعبين فعالين في ملفات دولية خطرة، برز سؤال جديد هو: ما الذي تستطيع إسرائيل عمله، ولا تستطيع هذه القوى أن تنجزه؟ والجانب الأخطر في هذا السؤال أن إسرائيل لم تعد لاعبا مركزيا يقرر خرائط علاقات القوى في الإقليم. مواجهة العالم لهذا السؤال ربما كان المدخل لفهم عملية إعادة تشكيل الموقف القاضي بالتخلي عن صيغة التحالفات للدخول في منطق الترتيبات المتغيرة.

كيف تنظر المؤسسة الدبلوماسية الأردنية لهذه التحولات؟ ما يبدو للآن هو مجرد التمسك بهوامش تحالفات بديلة ممكنة. ولكن مثل هذا السلوك لن يجلب على المدى المنظور إلا التهميش للأردن دولة ونظاماً. فقيمة الجغرافيا الأردنية ستبقى ثابتة. ولكن ما يتمخض الآن هو عجز الدبلوماسية الأردنية عن تفعيل هذه الجغرافيا في ديناميكية التفاهمات الإقليمية المتحركة.

من وجهة نظر فنية، فإن معضلات القوى التي يتم دفعها للهوامش، ليست غياب أو توفر بعض الأفكار عن إدارة سياساتها الخارجية، بل في بنية آليات صناعة القرار الدبلوماسي. فهناك قوى وإمبراطوريات تقع أسيرة نموذج معين لإدارة سياستها الخارجية، يحرمها هذا النموذج من تفعيل إمكاناتها، ومن استغلال ما لديها من أدوات وقوة. وربما الأردن نموذج لهذه الحالة.

الأداء المتواضع للمؤسسة الدبلوماسية الأردنية سببه طبيعة آليات اتخاذ القرار في السياسة الخارجية. وليس هناك فرصة لتغيير مستوى هذا الأداء إن بقي القرار المتعلق بالسياسة الخارجية يؤخذ ضمن المحددات الراهنة. فليس هناك فكرة قادرة على تغيير أداء السياسة الخارجية، بل هناك حاجة لبنية جديدة لديناميكيات اتخاذ القرار. تقوية وتفعيل المؤسسة الدبلوماسية الأردنية، هدف يعود إلى فترات بعيدة، ولكنه كان يصطدم دائماً بآليات اتخاذ القرار في السياسة الخارجية الأردنية.

تغيير عناوين صناعة القرار الدبلوماسي لم تجنب الأردن أخطاء كبيرة خلال الفترة الماضية، كما أن عملية تحرير القرار في السياسة الخارجية من المؤثرات الداخلية لم تجلب للأردن مزيداً من الاستقرار في سياسته الخارجية. فالحقيقة العالمية التي لا يمكن للأردن أن يغيرها هي: أن السياسة الخارجية للدول المستقلة تعبير عن مصالح داخلية. وتحلل آليات صناعة القرار في السياسة الخارجية من الضغوط الداخلية وهم، كان بالإمكان التعايش معه خلال الحرب الباردة، ولكنه لم يعد ممكناً الآن. وما يجري في الإقليم من تغييرات كبرى، عنوانها الأبرز سقوط التحالفات، وليس مجرد تغير خرائط هذه التحالفات. فما يجري هو انفلات العالم وكل قوى الإقليم من قواعد التحالفات في إدارة علاقات القوى، وفي تنظيم علاقات الإقليم مع العالم. عنوان تحرير السياسة الخارجية من الضغوط المحلية ممكن فقط في حالة ديمومة منطق التحالفات. ولكن مع بدء تصفية التحالفات في الإقليم، فإن هناك قواعد لعلاقات جديدة بين المكونات الداخلية للدول وسياساتها الخارجية. والهروب للأمام بالبحث عن تحالفات جديدة، لتجنب استحقاقات الداخل ليس حلاً.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال ممتاز (كمال مضاعين)

    الأحد 20 تموز / يوليو 2008.
    هذا مقال ممتاز مكتوب بلغة رفيعة ويصلح لان يكون برنامج عمل ،
  • »اعقل وتوكل (فلاح)

    الأحد 20 تموز / يوليو 2008.
    اتفق مع الاخ جمال بان السياسات الخارجية للدول يجب ان تدرس بين الحين والاخر وحسب التطورات على الارض . فالاردن كان ولا يزال من دول الاعتدال وهذا شيء جيد ولا احد يريد ان نصبح دولة متطرفة ولكن ضمن معطيات الامور وعندما نرى ان اسرائيل مثلا اجهضت كل مساعي الاردن للوصول الى سلام عادل في المنطقة بل واحرجت كل دول الاعتدال بالمنطقة واظهرتهم بدول ليس لها اي تاثير فيما يتعلق بعملية السلام وعندما نسمع وزيرة خارجية اميركا تقول ليس لاميركا عدو دائم وان لم تكمل العبارة وتقول وصديق دائم فان ما رايناه على الارض يمكن ان يقلب المعادله في اي وقت وفي التصريحات التي تم تداولها حول الخيار الاردني يدعم هذا الفهم فليس لاميركا عدو دائم وصديق دائم بل مصالح دائمة . وعلية فان سياسة الاردن يجب ان تاخذ في الحسبان كل المستجدات . واتمنى ان لا نلدغ من الجحر مرتين.
  • »سياسه خارجيه معتدله (بشير ابو الذهب)

    الأحد 20 تموز / يوليو 2008.
    انا لا افهم المغزى والمطلوب لكل من يهاجم السياسه الخارجيه للاردن , مالذي يريدونه بالتحديد منها ؟!.

    نحن كمواطنين لا نرى الا كل استقرار في سياساتنا الخارجيه ,
    ولا يوجد بها تهويل وتضخيم .

    فعلاقاتنا مع كل دول العالم تقريبا ممتازه , ولا نواجه معها ايه تحديات , سياسه معتدله هادئه غير متوتره لا تشوبها شوائب .

    واحدى النتائج لهذه السياسه المعتدله هي تزاحم الاستثمارات العربيه والاجنبيه الخارجيه على الاستثمار في الاردن مما ساعد في توفير الاجواء الاقتصاديه الحره والمتينه للاقتصاد الاردني .

    عندما يكون الوضع في الداخل مستقر وامن تنتج عنه سياسه خارجيه هادئه ومعتدله .