جميل النمري

"جينات التديّن"

تم نشره في السبت 19 تموز / يوليو 2008. 02:00 صباحاً

 

لم يعد التدين ظاهرة اسلامية فحسب فوفق دراسة ألمانية فإن شباب العالم عموما هم أكثر تدينا الآن مما كان آباؤهم في شبابهم. انها لنتيجة مثيرة، فنظريا يفترض المرء أن التطور العلمي والتقني وثورة المعلوماتية تأخذ الشباب بعيدا عن عالم التدين، لكن شيئا مختلفا يحدث ويستحق التأمّل.

كنت قد قرأت قبل اشهر دراسة علمية طريفة في الولايات المتحدّة عن وجود عامل جيني في الميل الى التدين، واعتقدت من العنوان اننا أمام نظرية عنصرية جديدة لتفسير التدين الشرقي مقارنة مع الغرب، لكن الدراسة في الحقيقة قامت على افراد في نفس المجتمع وكانت الطريقة بسيطة فقد تمت دراسة مئات النماذج لنوعين من التوائم؛ أولئك المتماثلين جينيا اظهروا عند البلوغ موقفا متماثلا من الدين بينما التوائم المختلفة جينيا أظهرت تباينا أعلى فيما بينها في موقفها من الدين. لكن الدراسة تستدرك بأن هذا عامل واحد فقط من بين عوامل أخرى. والدراسة الخاصّة بمؤسسة بيرتلسمان الالمانية تظهر ضخامة تأثير تلك العوامل المتعددة التي لا يمكن تقدير اثرها وتوقعه سلفا.

من الواضح أن البشرية لا تتطور باتجاه واحد فيما يتعلق بالدين. هناك موجات تمدد وموجات انحسار في حقبات زمنية ووفق آليات غامضة تنتج نفسها، ونحن نلحقها فقط بمحاولة الشرح والتفسير. وعلى سبيل المثال القراءة المستقرّة عموما للمدّ الاسلامي أنه جاء بسبب وفي أعقاب فشل المدّين القومي واليساري، وقد يكون هذا العامل حاضرا بيد أنه لا يكفي وحده لتفسير الظاهرة، فماذا عن الظاهرة العالمية للتدين الآن!

التدين ليس مجرد قناعة عقلية تقوم على قوّة الحجج والبراهين وفق ما ينشغل به فوق الحاجة الكثير من رجال الدين. فالظواهر الماثلة أمامنا تقول أن الميل للتدين في عصرنا ظاهرة لها كينونتها الخاصّة وفي سياق شروط اقتصادية واجتماعية وثقافية معينة، فها هي العولمة وثورة المعلوماتية تعيد لنا الشباب أكثر تدينا بصورة غير متوقعة، ويمكن افتراض ان شروط الحياة المادّية وتضخم دور المال والسباق الاستهلاكي ونبذ القيم الطيبة وضياع الهوية قاد الى ردّة فعل معاكسة، وقد يكون هذا التفسير وحده ليس كافيا.

ينبغي الاستدراك أن مسألة التدين نفسها ليست شيئا واحدا. والاستطلاع يتقصّى الإيمان بعموميته الى التشدد في الطقوس وحضور الدين القوي في الحياة اليومية. ويظهر تفاوت كبير بين الدول والعقائد وحتّى الطوائف داخل الدين الواحد.

وتظهر دول مثل ألمانيا وروسيا بوصفها الأقلّ تدينا ودول مثل نيجيريا وغواتيمالا الأكثر تدينا. وتتقدم الولايات المتحدة في نسبة التدين على اوربا الغربية التي تبقى أقلّ مناطق العالم تدينا. وعلى سبيل المثال فان 57% من الشباب يصلّون يوميا في الولايات المتحدة مقابل 9% فقط في فرنسا. وتبدو البلدان البروتستانتية أقل تدينا من الكاثوليكية، لكن الصورة معكوسة خارج اوروبا فعلى سبيل المثال 7% فقط من الشباب البروتستانت في اوروبا يصفون انفسهم بـ"التدين الشديد" مقارنة مع 80% خارج اوروبا والسبب أن البروتستانتية خارج أوروبا مكتسبة حديثا بين الشباب بالتبشير النشط.

الدراسة لا تكتفي بالاسئلة الأساسية حول الايمان والهويّة والتدين، بل تطرح أكثر من مائة سؤال تتيح دراسة معمقة لعلاقة الدين بحياة الشباب اليوم.

لا تبدو العلمانية مهددة في اوروبا بسبب موجة التدين الجديدة، اذ ان الفصل بين السياسية والدين أو بين الايمان الشخصي والعمل العام ما زال راسخا في وعي الجمهور، وقد يكون هذا هو الفارق الأهم عن موجة التدين في العالم العربي والاسلامي التي بدأت ابكر كثيرا وارتبطت منذ البداية أو جرى استثمارها من الحركات السياسية والحكومات على حدّ سواء.

وأخيرا من الجماعات الأكثر تطرفا تلك التي لجأت الى الارهاب والعنف الاجرامي باسم الدين واستطاعت ان تجتذب فئات من الشباب. العالم العربي بالاساس لم يشهد ثورة علمانية على غرار أوروبا، لكن قد تكون القضيّة الرئيسية للمستقبل هي تعظيم الاستثمار الايجابي في التدين بين الشباب ومحاصرة الاستثمار السلبي الذي يمثله الاستغلال السياسي على وجه الخصوص.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هذا نتاج عهر الثورة (عمر شاهين)

    السبت 19 تموز / يوليو 2008.
    أشكر الأستاذ محمد أبو رمان لفتحه هذا الموضوع المهم والذي سكتت عنه المعارضة العربية والأردنية والنقابات والأخوان المسلمين الذي أقاموا الأرض وأقعدوها على أحداث سجن الموقر.
    ما يحدث في الدولة الشقيقة من حملات اعتقال وإرهاب فكري وحالة طوارئ يجب أن يتوقف مثلما يجب على الحركات التي تدعي أنها تحررية والتي جعلت من الشقيقة وطن الحرية وتسكت على اضطهاد كل مني قول كلمة خارج النظام .
    نعم أؤيد سعد الحريري عندما قال إن نظام مجاور يشعر بالغيرة من ديمقراطية لبنان فعلى سوريا أن تنتظر ألف عام كي تصل للديمقراطية في لبنان .
    وعودة لأحداث السجن الذي لم نسمع عنه كلمة أو عما حدث فيه بينما الأعلام ولج إلى كل غرفة في جوانتنامو والذي للأسف يبدوا انه وأبو غريب يتقدمون ألف عام على سجون الشقيقة بطلة الثورة والحرية والتي صارت حماس تعتبرها محج الثوريين حيث يخطب خالد مشعل كلماته بجانب زنازين أخوانه المسلمين المأسورين من أيام أحدث حماة.
    السؤال المهم بعد عناق اولمرت القادم هل ستظل حالة الطوارئ وهل سيظل أسرى الثورة الكذابة التي لم تطلق ولو رصاصة واحدة سوى على سجنائها.
  • »ابو الذهب وإعتداله وسلامه (عرفان)

    السبت 19 تموز / يوليو 2008.
    طبعا من معرفتنا بأبوالذهب وتعليقاته فهو يلطش للمقاومة العربية والتي يعتبرها وغيره مظاهر تطرف لأنها تواجه الظلم والسرقة بينما يعتبر الخنوع والزحف على الكروش وقمع حريات الشعوب إعتدال ووسطية وسلام. ما احلى الكلام عن الاعتدال عندما لا نضطر ان نقدم تعريفنا له يا أبو الذهب. يا ترى لو كنت أبو الغلابة بدل أبو الذهب ماذا كنت ستقول.
  • »هل يتحول لتشدد (عمر شاهين)

    السبت 19 تموز / يوليو 2008.
    الدين بعمومه إن كان سماويا –التوراة الإنجيل القرآن – أو أرضي كالكونفوشية أو البوذية يحمل الخير للأرض ويعود حامله إلى الأخلاق الطيبة والتسامح إلا أن الخطر أن الإنسان ينقلب على الدين نفسه بحيث يتحول إلى كاره للأخر سيما من صاحب دين مماثل .

    فالصراع الذي يحدث الآن في العالم ينبع من أحقاد دينية متطرفة فإذا كان هذا ما نحصده في زمن العلمانية وحكم النخبة الدينية المتطرفة فماذا لو اتجه العالم الى التدين العدائي؟
  • »الاديان السماويه تدعوا للسلام (بشير ابو الذهب)

    السبت 19 تموز / يوليو 2008.
    جميع الاديان السماويه بلا استثناء تدعو للسلام.عدا ذلك تحريف عنها من الافراد والعباد.
    لكن مصالح شخصيه وفئويه لمجموعات تدعو بعكس ذلك , ولا يهمها بانها تعاكس الدعوات الالهيه.

    تهيئه العقول الانسانيه لتقبل دعوات السلام مسؤوليه العالم اجمع والوقوف بوجه كل من يدعو بعكس ذلك لانه يريد ان يؤثر مصلتحه الخاصه به.
  • »الديانات عموما (احمد نجيب)

    السبت 19 تموز / يوليو 2008.
    اخي جميل جميع الديانات السماويه مردها واحد وتقوم على الاخلاق والمعامله قبل كل شيء وهنا لا اود الدخول في التفاصيل ولكن ربط الدين وانتشاره من خلال موضوع الجينات هذا امر غير منطقي ولا علمي .
    اما الانتشار الديني في ظل التطور العلمي فاعلم ان العلم لا يتعارض مع الدين بل العلم يضع الانسان امام ظواهر اعجازيه تؤكد صدق الرسالات السماويه, اما من حيث فصل الدين عن السياسه فهذا امر اخر ومعظم الحكومات في العالم تسعى وراء ذلك مستخدمه العمليات الارهابيه التي معظمها مصطنعه بهدف تشويه صورة الدين وخصوصا( الاسلاميه ) ولا يعني وجود جماعات تدعي الدين وتلبس ثوبه وتمارس اعمال منافيه للدين بأن هذا هو الدين ويجب ان نقاومه واذا كان الامر كذلك فما هو موقف الحكومات العلمانيه من الديانه اليهوديه تحديدا...التي دمجت الديانه وحولتها الى قوميه تدعمها اكبر قوى العالم , والغريب لا أحد يتهمها بالارهاب على الرغم مما يذكره التاريخ .
    اما بخصوص التيارات القوميه واليساريه التى ظهرت وتصفها بالفشل لم تكن بديلا عن الدين وسبب فشلها واضح ومعروف ...اولا وجدت لفصل الدين عن السياسه وثانيا اخترقت من قبل مدسوسين عملوا على تشتيت مسارها وسعوا للسلطه على اكتاف الاخرين ولم يقدموا شياء يذكر للوطن بل احبطوا الكثير من المخلصين في العطاء للوطن ,اعتقد انك اخي جميل تعرف هذا جيدا !!!
    اما من حيث الاستقرار المزعوم عن اوروبا فأنت واهم والمستقبل سيريك ما لم تراه اليوم , والسبب في ذلك احكام الطوق الساسي والاداري والاجتماعي لدى الحكام وتوفير وسائل اللهو للشعوب بعد ان افقدوهم الالتزام للديانه وحصروها في الصلاه يوم واحد في الاسبوع ..وابعدوا السلوك الانساني عن الدين حتى اصبحت العلاقه بين الانسان والدين صلاه وطلب غفران فقط.
  • »العلمانية هي الأصل في الاسلام (حسناء هنية)

    السبت 19 تموز / يوليو 2008.
    أستاذ جميل، العلمانية هي الأصل في المجتمعات الاسلامية، لأنه ليس هناك كهنوت في جوهر الاسلام، فبعض أشكال الكهنوت في الإسلام ظهرت أول ما ظهرت في الدولة العباسية ولأسباب سياسية سلطوية. أما بالنسبة للتدين فإنه يأخذ أشكالاً عديدة وتفاصيل مختلفة، ولا يعني بالضرورة أن يأخذ بعداً سياسياً، فالبروتستانت في أميركا ليست لهم مرجعية دينية واحدة مثلما هي الحال بالنسبة للكاثوليك وبابا الفاتيكان. نفس الشيء بالنسبة للشيعة والسنة في العالم الاسلامي. بالنسبة لأميركا فإن الحزب الجمهوري شجع على التدين خصوصاً في الأوساط الريفية وطبقة العمال لأنها الطريقة الوحيدة لكسب طبقة العمال تحت ذريعة أن الحزب الديقراطي يشجع المثليين جنسياً والاجهاض الخ. ولا ننسى الحرب الباردة ودور الدين في تلك الحرب. نفس القصة حدثت في إسرائيل حيث أضحى معظم اليهود الذين يسكنون القدس اليوم من المتدينين. رغم ذلك، أظن أن الأجيال القادمة ستكون أقل قبولاً لتسييس الدين، وهذا حديث يطول.
  • »جين التدين (احمد الجعافره)

    السبت 19 تموز / يوليو 2008.
    لا ادري كيف لي ان افهم ان التدين يرتبط جينيا بالانسان فلو فرضنا ان انسان يوجد عنده جين التدين يا استاذ جميل وآخر لا يوجد عنده هذا الجين فهل يعقل ان يذهب الاول الى الجنه والآخر يذهب الى النار بسبب تركيبهم البيولوجي فهل هذا عدل وعليه اقول ما فائدة الادله والبراهين التي يرهق كثير من المفكرين بها انفسهم للايمان او عدمه بقناعه عقليه هل هي عبثيه
    ثم ما علاقة جين التدين الموجود لدى بعض الافراد في جين التسلط اذ من الملاحظ ان كثير من المتدينين يسعون الى السلطه هل من اجل اثبات اصحية دينهم ؟ام من اجل مصالح دنيويه
    قد نتفق على اهمية وجود التدين سواء كان بسبب جيني ام بسبب وراثي ام اقتناع لدى الفرد الا ان هذه الاهميه وبغض النظر عن درجتها لا تلغي حق الانسان الآخر المختلف في العيش بسلام وطمأنينه على حياته بعيدا عن سيف المعلوم من الدين بالضروره