د.أحمد جميل عزم

قراءة في نقل رفات دلال المغربي

تم نشره في الجمعة 18 تموز / يوليو 2008. 02:00 صباحاً

فجأة وإلى جانب صفقة تبادل الأسرى التي تمت اول من الأربعاء بين حزب الله وإسرائيل، قفز ذكر "عروس فلسطين" دلال المغربي بمناسبة نقل رفاتها من فلسطين إلى لبنان. واسم دلال مرتبط في الوجدان الفلسطيني بأبعاد أسطورية لحركة المقاومة الفلسطينية، ولا يعود مشهد البداية لما رأيناه في صفقة التبادل، فقط إلى مكتب كان يشغله الشهيد خليل الوزير في لبنان، وإلى الملفات والخرائط التي كانت تتكدس على مكتبه، بعضها يتراكم شهورا وسنين تخطيطا لعملية نوعيّة ما، وصولا لنضوج لحظة التنفيذ، بل تعود ربما إلى مشاهد أبرزها مشهد الفتى خليل الوزير ذاته في قطاع غزة، أواسط الخمسينيات، وهو يفكر كيف يبدأ الكفاح المسلّح لتحرير فلسطين، كل فلسطين ولعودة اللاجئين، ومشهد خليل الوزير هذا مجرد نسخة من مشهد عشرات رواد الكفاح المسلح الفلسطيني والعربي الذين كانوا ينشطون آنذاك ضمن مشهد أقرب للخيال.

لا يسمح الباحث في العلوم السياسية لنفسه إلا أن يسجل تساؤلات حول عملية المغربي، عام 1978، وواقعيتها من الناحية العسكرية والسياسية، ولكن خصوصية القضية الفلسطينية تقدّم الإجابة، وقدمها خليل الوزير وصحبه قبل ذلك في لبنان ذاتها نهاية الخمسينيات ومطلع الستينيات، عندما أسموا نشرتهم الصادرة هناك لتكون لسان حال حركة المقاومة، بأسماء متعددة متغيرة منها (فلسطين – نداء الحياة). فاختيار الوزير قبل ثلاثين عاما أن يرسل شابة ثائرة على رأس مجموعة من الشباب لاقتحام الساحل الفلسطيني من البحر، فيه الكثير من الرسائل الرمزية، عن "نداء الحياة" لدرجة تخطي المعقول. فدلال ولدت عندما بدأ الوزير عمله المسلح في غزة، فكانت العملية رسالة للإنسان الفلسطيني الجديد، فالمرأة تتقدم الرجل، والذي ولد في مخيمات اللجوء يعود لفلسطين برا وجوا وبحرا. والعملية ضربة للسياحة ولفكرة الاستقرار في إسرائيل، والأهم أنّ العملية، كما يمكن رؤيتها الآن، ليست تفجيرا انتحاريا، ولكن مواجهة مسلحة وجها لوجه، تجسد فكرة المقاومة بمعانيها الإنسانيّة. وكشفت العملية وجه إسرائيل القبيح، ربما بأكثر مما سعى إليها العقل المخطط للعملية، فإسرائيل ضحت بمواطنيها الذين كانت المجموعة الفدائية تحتجزهم، والأشد مرارة أنّ قادة الجيش الإسرائيلي، لم يحفظوا لدلال شرف الشجاعة العسكرية، وقاموا بالإساءة لجثتها ومثلوا فيها بعد استشهادها.

وخليل الوزير ذاته رائد مدرسة التوظيف السياسي للعمل العسكري، فكل عملية لها هدف سياسي، وتتوقف العمليات أو تستأنف، وتأخذ بعدا رمزيّا نفسيّا متغيرا ليحقق أهدافا محددة بعيدا عن العبثيّة، ولعل هذا بالذات ما دفع إسرائيل لاغتياله في عملية معقدة في تونس، بعد عشرة أعوام من عملية دلال، بعد أن أصبح يواجه إسرائيل بقيادته الانتفاضة الشعبية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبعد أن تجرأ على إرسال مجموعة لمهاجمة مفاعل ديمونة النووي قبل أسابيع من اغتياله في عملية أيضا فيها الكثير من الرمزيّة والرسائل السياسية، وفيها رسالة أنّ المقاومة لا تتجنب استهداف المدنيين وحسب، بل وتصل لأشد نقاط الترسانة العسكرية الإسرائيلية خطورة.

ما تثيره عملية إعادة رفات دلال، ومن دون الإجحاف بحق إنجاز حزب الله ودوره، يثير أسئلة منها، أولا، لماذا لم تقم القيادة الفلسطينية في مراحل سابقة من المفاوضات مع إسرائيل بإثارة قضايا مثل هذه القضية؟. ثانيا، من الذي امتلك حق قرار نقل رفات دلال المغربي، بخاصة أنّها كانت مدفونة في أرض فلسطين، إلى لبنان؟ وهذا ليس سؤالا استنكاريا أبدا، ولا يتجاهل حق دلال المغربي والشهداء ممن هم في قامتها السامقة من قبور وأضرحة تسجل وتليق بمكانتهم، ولكنه تساؤل عمن قرر ذلك؟ وكيف تقرر ذلك؟ ولماذا؟ وهو سؤال يعيدنا للسؤال الأول، كيف يتقرر موضوع بهذا الشأن دون أن يكون هناك توضيح للقرار الفلسطيني الرسمي بهذا الشأن، وهل هذه القضية أيضا من القضايا التي أصبح مسموحا تجاوز ممثلي الشعب الفلسطيني بشأنها؟. والسؤال الثالث، ألا تستحق تجربة عملية دلال المغربي، وتسليط الضوء عليها، العودة لنمط من ذلك التفكير الإعجازي الذي حكم مثل هذه العملية؟. وهذه بأي حال من الأحوال ليس بالضرورة دعوة للعودة للكفاح المسلح بذات الطريقة أو حتى بأي طريقة أخرى، فلكل مرحلة متطلباتها، ولكن ذات العقلية التي لا تعرف مستحيلا، وهي عقلية ميزت انطلاقة الحركة الوطنية الفلسطينية على أيدي أشخاص مثل؛ الوزير، وياسر عرفات، وخالد الحسن، وجورج حبش، وشفيق الحوت، وليلى خالد، وأمثالهم وهي ذات العقلية التي ميزت قيادة حزب الله، تستحق أن يتم استلهامها لتطوير أدوات عمل سياسية ونضالية ودبلوماسية ومجتمعيّة، لتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني، والشعوب العربية، دون أن يعني كل هذا أن القادة الأوائل لم يخطئوا وأنّ كثيرا مما قاموا به بحاجة لمراجعة، وأن هناك انحرافات برزت لاحقا في مسيرة الثورة الفلسطينية، ودون أن يعني أنّ حزب الله لا يخطئ أو هو فوق مستوى النقد.

http://ajazem.maktoobblog.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »التشبيه الخاطيء (محمد يعقوب خواج)

    الجمعة 18 تموز / يوليو 2008.
    كيف تشبه حزب الله بالقيادات الفلسطينية التي يعرف من قيادياتهافي الإعلام اكثر من المناضلين واشهداء ولايعرف من قيادات حزب الله الا السيد حسن نصرالله وكتموا سر موت الجنديين عن كل العالم هذه المدة.