"الاتحاد من اجل المتوسط" ومعضلة المبادرات الأوروبية

تم نشره في الجمعة 18 تموز / يوليو 2008. 02:00 صباحاً

لم تلق إلى الان مبادرة الرئيس الفرنسي ساركوزي الاتحاد من اجل المتوسط، الحماس الذي توقعته فرنسا بعد ان ألقت هذه الاخيرة بثقلها خلف هذا المشروع عادّة اياه تحولا استراتيجيا في طبيعة وفحوى العلاقة بين اوروبا ودول شمال افريقيا والبحر المتوسط.

دول الشرق الاوسط بأحسن الاحوال تتعامل مع هذه المبادرة على انها فرصة للحصول على مزيد من المساعدات، لذا فدرجة حماسها مرتبطة بحجم ونوع المساعدات الاوروبية المتوقعة خاصة بالمقارنة بمبادرات اوروبية سابقة كمبادرة برشلونة ومبادرة الجوار الاوروبي. هذا امر لا يبشر بخير حيث ان المشاريع وحجم تمويلها ضمن اطار المبادرة الجديدة متواضعان، ما يذكرنا بمبادرة الشرق الاوسط الكبير التي قيل عنها الكثير ولكن عندما توضحت صورة التمويل تبين ضعف حيلتها.

اما الدول الاوروبية الأخرى فهي غير متحمسة لانها ترى في هذه المبادرة ضبابية وتكرارا لمبادراتها السابقة ولا تقبل منطق ان عدم نجاح المبادرات السابقة يعني بالضرورة نسفها وايجاد غيرها. الدول الاوروبية ترى المبادرة محاولة ساركوزية لاحقاق تألق سياسي فرنسي في اوروبا، ولكنها لا ترى انها ريادية من حيث الفحوى او الحجم.

المبادرات السابقة، بخاصة عملية برشلونة وحتى سياسة الجوار الاوروبي، ركزت على ثلاث "سلاّت" من التعامل مع دول المتوسط؛ ثقافية وسياسية امنية واخرى اقتصادية. وهي التي شكلت الادوات التي وظفت لتحقيق الاهداف المرجوة من قبل اوروبا. مبادرة ساركوزي تتبنى نفس الفلسفة التي حكمت عمل هذه الادوات وهي استخدام الحافز الاقتصادي من اجل تحقيق مكاسب امنية وسياسية آنية واستراتيجية.

المبادرة الفرنسية تراجعت في الحقيقة من حيث الاهداف المحددة لها بالمقارنة مع المبادرات السالفة حيث انها تتحدث عن الهجرة والطاقة وعدم الاستقرار الاقليمي والبيئة كأهداف رئيسة للشراكة مع دول المتوسط، رغم ان سابقاتها اضافت لهذه الاهداف مكافحة انتشار الدول المنهارة والارهاب واسلحة الدمار الشامل. مواضيع الهجرة كانت مضمنة بالسابق عند الحديث عن الجريمة المنظمة والتي يعلوها الاتجار وتهريب البشر.

اذن من حيث الفحوى فنحن لا زلنا نتحدث عن نفس ملامح المبادرات الاوروبية السابقة بتغير في المسميات ذات اللمسات الساركوزية.

مشكلات المبادرات الاوروبية انها متواضعة ماليا، وهو امر يَغضب الاوروبيون عند سماعه، وفجأة يصبحون وكأنهم مواطنون شرق اوسطيين لا يتقبلون الرأي الاخر. هذه المبادرات تنطوي ايضا على درجة بيروقراطية هائلة تؤثر على كفايتها، وهي تأخذ شكلا فضفاضا بسبب الطبيعة التوافقية للاتحاد الاوروبي وقراره السياسي، لذا فيسهل تجاوزها او حتى الانقلاب عليها من قبل اي دولة اوروبية ذلك؛ ان الاتحاد الاوروبي لا يزال اتحاد الراغبين والجاهزين الى حد بعيد.

اوروبا لا تزال عدة دول او اقطاب يميل نصفها لاعتبار شرق اوروبا اولوية مثل المانيا ودول شمال اوروبا، وتميل اخرى لاعتبار الجنوب ذي اهمية قصوى بسبب سيل المشاكل القادم من الجنوب.

من المشاكل الاخرى التي تعاني منها المبادرات الاوروبية ان تحركها لا يزال الى حد بعيد يتجه من القمة الى القاعدة ويتعامل مع قيادات الدول، وهي حساسة جدا ان تتبنى اسلوبا يتعامل مع قواعد المجتمعات ومؤسساته المدنية حتى لا تؤلب الدول ضدها وهو امر استنزف بالفعل درجة الفعالية والكفاية العامة للمساعدات الاوروبية.

دول اوروبا معنية في هذا الاقليم اكثر من اي دولة اخرى وعلى رأسها الولايات المتحدة، ولو كان هذا بسبب القرب الجغرافي وحده، ذلك ان ما "يقلق" امريكا وبقية العالم من الشرق الاوسط يعد تهديدا مباشرا وجديا لاوروبا ولنا في تطور مدى الصواريخ الايرانية دليل على ذلك.

الاهمية الاستراتيجية لاقليم الشرق الاوسط وشمال افريقيا لا تزال غير متناسبة على الاطلاق مع حجم الاندماج الاوروبي والاهتمام بهذه المنطقة، واوروبا اختارت ان تجلس بالمقعد الثاني بعد اميركا لاعتبارات عدة تعلوها حالة الوحدة الاوروبية واستمرار تبوئها صدارة قائمة الاهتمامات الاوروبية على سواها من الاولويات.

اوروبا ليست دولة واحدة متوحدة وهي ليست في طريقها لتصبح ذلك، لذا فهي معنية بتخفيف حجم تدخلها ونشاطها الخارجي وابقائه في المناطق غير الخلافية حتى لا ينعكس ذلك على السياسات الاوروبية الداخلية كما حدث عندما انقسمت اوروبا حول المشاركة في الحرب على العراق. 

[email protected]

التعليق