"جرافة القدس": عملية أم حادث وتصفية؟

تم نشره في الخميس 10 تموز / يوليو 2008. 02:00 صباحاً

منذ أن وقع حادث الجرافة في القدس المحتلة، يوم الأربعاء الماضي، الذي اصطدمت فيه جرافة كان يقودها الشاب حسام دويات، بسيارات وحافلات وأدى إلى مقتل ثلاثة إسرائيليين، والسائق نفسه، ظهرت سلسلة من علامات السؤال، على الرغم مما ادعته سلطات الاحتلال وكأن الأمر "عملية عدائية"، نفذها "مخرب فلسطيني"، وجاء "أبطال الأمن" ليصفوا المنفذ.

وكمن شاهد الحادث بالبث المباشر لحظة وقوعه، عبر شاشات التلفزة الإسرائيلية ذاتها، كانت تحدث تحركات غريبة لا يمكن تفسيرها، فلدقائق طويلة كان شرطي احتلال يتعارك مع السائق حسام في حجرة القيادة على متن الجرافة.

ولكن الجرافة استمرت في حركتها، كذلك فقد كان في المكان عدد من عناصر الاحتلال، وقالت وسائل إعلام إن إحدى الشرطيات أطلقت النار على الشاب حسام، فشلت حركته، ولكن الرصاصتين لم تقتلاه.

ثم صعد إلى حجرة السائق مستوطن متدين، بعد أن "خطف مسدس أحد أفراد الشرطة" حسب الرواية، وأطلق النار ثلاث مرات على رأس حسام ليقتله "ويتأكد من قتله"، وفي نفس اللحظة تحول المستوطن الذي تبين أنه تلقى تعاليمه الدينية في واحدة من أشرس مستوطنات الضفة الغربية، "كريات أربع"، إلى "بطل قومي"، وحتى أنه "ملأ" الرئيس الإسرائيلي شمعون بيرس "بالفخر والاعتزاز"، كما يقول بيرس نفسه.

ومن هنا تبدأ تظهر علامات السؤال حول خلفية الحادث، ومن دون المس بالشاب حسام وكرامته، إلا أننا مضطرون لاستخدام ما أوردته عائلته من معطيات أمام جميع وسائل الإعلام، لإلقاء ضوء على معطيات من شأنها أن تُظهر لنا الحادث برواية أخرى أكثر واقعية.

فللأسف الشديد، وكما يتضح فإن الشاب حسام كان مبتليا بتعاطي المخدرات، وكما يبدو، أيضا، فإنه لم يُقلع عن هذه العادة حتى آخر يوم في حياته، وتبين أن له ماضيا جنائيا، وقبع في السجون على مخالفات جنائية، ولم يذكر أحد أنه أقلع في الفترة الأخيرة عن هذه العادة، كما أنه لم يتقرب لأطر سياسية كهذه أو تلك، حسب عائلته.

وهذا الأمر يؤكده شقيقه عصام، ومحامي العائلة شمعون قوقوش، وحتى صديقة حسام اليهودية السابقة، التي عاشت معه لمدة ست سنوات، حتى العام2001، وجميعهم قالوا إنه كان يرفض العمليات التفجيرية، ويسأل دائما "من المستفيد؟"، وهذا ما دعا صحافيين إسرائيليين لطرح علامة سؤال حول ما جرى، ولكن في نهاية المطاف فإن الأجواء العنصرية المتنامية لا تترك مجالا للنقاش الواقعي في هذه القضية.

ويقول زملاء حسام دويات في مكان العمل المحاذي لمكان الحادث، إنه في ذلك اليوم كان يتصرف بشكل عادي، وأكل وشرب مع زملائه ولم يُبد أي حركة غريبة لديه.

وكما يظهر فإن الرواية التي يطرحها شقيقه عصام فيها كثير من المنطق، وهو أن حسام قد يكون تورط بداية في حادث طرق عادي، فتوتر وبدأ يتحرك بسرعة، وزاد الطين بلة تجمهر عناصر الأمن وكل ما حدث بعد ذلك.

ولهذا فإن هناك حاجة إلى عدم الإسراع بالحكم بأن الحادث كان "عملية" ضد الاحتلال، لأننا قد نكون أمام جريمة قتل شاب فلسطيني تورط في حادث طرق ليتطور بالشكل الذي رأيناه، بخاصة وأن الاحتلال يرفض التحقيق في حقيقة ما جرى، لتدفع عائلة الشاب الشهيد ثمنا باهظا يكلفها بيتها ومواطنتها في مدينتها.

أضف إلى هذا أن عملية غريبة من هذا النوع، قد تكون لها انعكاسات على فرص تشغيل العمال الفلسطينيين، مما سيزيد من البؤس الاقتصادي الاجتماعي الذي يعيشه الفلسطينيون المقدسيون.

ولكن هذا الحادث بما حمل من نتائج مأساوية، لا نستطيع تجاهلها من منطلقاتنا الإنسانية، كشف مرة أخرى عن الحقد الشرس الكامن في نفس ساسة إسرائيل وجمهورهم، الذين قرروا منذ اللحظة الأولى أنها "عملية إرهابية" وفق قاموسهم، و"احتفلوا" بقتله، رغم انه كان بالإمكان تكبيله واعتقاله، كما ظهر في المشاهد الحيّة والمباشرة، وكما يبدو لكي لا يسمعوا منه روايته للحادث.

ومن المفارقات، أو من قبيل الصدفة، أن هذا الحادث وقع بعد أسبوعين من قرار النيابة الإسرائيلية تقديم لوائح اتهام ضد12 شابا من مدينة شفاعمرو، ثاني مدن فلسطينيي 48، في قضية موت الإرهابي نتان زادة، الذي ارتكب مجزرة في مدينتهم قبل ثلاث سنوات، راح ضحيتها أربعة من أبناء المدينة وجرح العشرات، وقد مات خلال التدافع وهو يحاول ملء بندقيته بالذخيرة ليواصل القتل، وحصد أرواح أكثر ما يمكن من عرب، فقط لكونهم عربا.

وكل الدلائل أثبتت أن الإرهابي نتان زادة صعد في حينه إلى الحافلة من مدينة يهودية بقصد تنفيذ المجزرة في شفاعمرو، واعترفت والدته بأنها حذرت قيادة جيش الاحتلال من خطورة ابنها وما يخطط له، إلا أن الجيش سمح له بالبقاء في صفوفه ولم يصادر سلاحه، وتركه طليقا.

ورغم بشاعة المجزرة التي لا لبس فيها وبنوايا منفذها وهويته، إلا أن المؤسسة الإسرائيلية ومعها وسائل الإعلام، ومن ثم الشارع الإسرائيلي بغالبيته الساحقة، اعتبروا ذلك الإرهابي ضحية "لجريمة قتل نفذتها مجموعة"، لم "يمنحوه فرصة" قتل أكثر ما يمكن من عرب.

وهذا نموذج حي لمعادلة المنطق الإسرائيلي العنصري الشرس، واثبات دموي آخر لحقيقة أن إسرائيل دولة عنصرية نموذجية.

bjaraisi@gmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المقاومة ليست مشروعا مزاجيا (عماد ريماوي)

    الخميس 10 تموز / يوليو 2008.
    حقيقة أن ملابسات حادث الجرافة غربية منذ لحظاتها الأولى، وأيضا كما يعرضه هنا الكاتب برهوم جرايسي، ولكن لنفترض أنها عملية وليست حادث صدفة، فهنا يجي الاشارة الى أن النضال يجب ان لا يكون مزاجيا، وفقط من أجل الانتقام، وأختلف مع من يرى أنها "عملية جريئة" كما يرى أحد المعلقين على المقال، لأنها ليست جريئة إن كانت حقا عملية، بل تضر بشكل نضال شعبنا، وكيفية تعامله مع الاحتلال في القدس المحتلة وفلسطين كلها.
  • »رغم اشكاليتها تبقى عملية جريئة (يبوس المقدسي)

    الخميس 10 تموز / يوليو 2008.
    أوافق الأخ الكاتب برهوم جرايسي على عرضه لصورة أخرى لعملية الجرافة في القدس المحتلة، ولكنها تبقى عملية جريئة، تعبر عن حالة اليأس الذي يدب في في أوساط الفلسطينيين المقدسيين من حالة الحصار التي يعيشونها، فإن كنا نتحدث عن حصار قطاع غزة، أو جدار في الضفة الغربية، فإن أهالي القدس يعانون من حصار على مستوى أحياء، وبات كل حي منفصل عن الآخر ويحتاج المرور بحواجز الاحتلال ليصل الى الحي الآخر.