إنهم يترجمون خمسة كتب كل أربعة أيام

تم نشره في الثلاثاء 8 تموز / يوليو 2008. 03:00 صباحاً

يذكر المعنيون بالشأن الثقافي والسياسي والعربي تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003، الذي "نقش" في العقول عدداً من المقولات والأفكار الصادمة عن واقع المعرفة في العالم العربي، عبر مقارنات موجعة مع دول ومناطق أخرى من العالم. وفي سياق الحديث عن الترجمة جاء في التقرير أن "حركة الترجمة العربية مازالت مشوبة بالفوضى والضعف، فمتوسط الكتب المترجمة لكل مليون شخص من العرب في السنوات الأولى من الثمانينيات يساوي 4.4 كتب، أي أقل من كتاب واحد كل سنة، بينما بلغ 519 كتابا في المجر، و920 كتاباً في إسبانيا".

لعلها كانت البداية. لعل هذا التشخيص كان مدخلاً من المداخل المهمة لمشروع عربي طموح يلزم الاحتفاء بإنجازاته الأولى، والالتفات إلى زهرة طالعة وسط أشواك الإحباطات المتوالية التي تمثل الطابع الأبرز للعالم العربي الآن.

مائة وسبعة عشر كتاباً بعد مائة يوم عمل. هذا هو الخبر، أي إننا أمام كتاب وربع تقريباً كل يوم، يتم ترجمتها في مشروع يستجيب بمرونة وكفاءة لمتطلبات الواقع السياسي والاقتصادي، ويحاول سد ثغرة في الفجوة المعرفية التي تفصلنا عن العالم.

مشروع "ترجم" الذي تتبناه مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم في دبي يثبت أن الإنجاز ممكن، وأن إرادة النجاح الحقيقية قادرة على سحق العوائق. لقد ألفنا في العالم العربي مسألة "التأجيل"، وتعايشنا مع فكرة أن الخطط الأولية وجداول التوقيتات توضع عادة "للاستهلاك المحلي"، لكن الأمر على العكس من ذلك في مشروع "ترجم". كان الهدف هو إنجاز كتاب كل يوم، لكن المحصلة بعد مائة يوم كانت مائة وسبعة عشر كتاباً. الصباح جميل حين تقرأ هذا الخبر، إذ تجد أخيراً فسحة للتفاؤل في واقع لا يمنحك هذه الفرصة كثيراً.

الذين عملوا في الترجمة أو في أنشطة ذات صلة بها يعرفون أنها عمل شاق بالفعل، وأن إنجاز الترجمة الجيدة يقتضي جهداً مضاعفاً، وينطوي على مشكلات دائمة تستلزم من القائمين بالعمل خبرة معمقة بأسرار لغتين أو لغات مختلفة، وخلفيات ثقافية ومعرفية متسعة وشاملة، وقدرة على تجاوز مآزق الفروق بين الثقافات واللغات والموروثات الاجتماعية والسياسية وملاحقة عناصر التطور العلمي لغوياً.

ترجمة ألف كتاب لا تعني إضافة هذه الكتب الألف إلى المكتبة العربية فحسب، وإنما تعني فوق ذلك أن خبرات لغوية عربية مهمة قد جرى صقلها وتعميق خبراتها، وأن صفاً من المترجمين ذوي الإمكانيات الرفيعة ينضاف إلى مجموع القدرات المعرفية العربية في حقل حيوي من حقول التقدُّم، وأن آلاف المشكلات اللغوية قد جرى التعامل معها وحلها بحرفية عالية، مما يعني من جانب آخر ثراءً للغة العربية التي تتجدد بالاحتكاك وتفجير الطاقات الكامنة فيها بفعل تحدي الترجمة، وهو ليس بالهين.

الترجمة علامة من علامات الصحة والعافية المعرفية، وليس غريباً أن تكون "عصور الترجمة" هي أزهى عصور الحضارة العربية وأكثرها عطاء. فالعصر العباسي الذي شهد أزهى أيام الحضارة العربية كان العصر الذهبي للترجمة. وهناك رواية شهيرة تقول إن الخليفة كان يكافئ مترجميه على كل كتاب يترجمونه بوزنه ذهباً، وسواء صحت الرواية أو كانت محض خيال، فإنها تشي بالاهتمام البالغ بذلك المورد الثقافي الذي قامت عليه الحضارة العربية، ماضية على أسس منه إلى إبداع نموذجها الخاص وتقديم مساهماتها الكبيرة في كتاب الحضارة الإنسانية الضخم.

الحضارة الأوروبية الحديثة قامت على هذا الأساس نفسه، فقد نشطت في ترجمة إنجازات العقل البشري لتقيم عليها أسس نهضتها الحديثة. وفي محاولات النهوض العربي المتعثرة في القرن التاسع عشر كانت الترجمة حاضرة بقوة، وليس غريباً أن يرتبط اسم رائد التنوير العربي الكبير رفاعة الطهطاوي بالترجمة تحديداً، وأن يكون مشروعه الكبير هو إنشاء مدرسة "الألسن"، التي كانت تهدف إلى تخريج مترجمين يلبون حاجة المجتمع الخارج من سبات طويل إلى المعارف والعلوم اللازمة للنهضة.

ألف كتاب في ثلاث سنوات. قد لا يبدو هذا الرقم كبيراً لأول وهلة، لكن الحجم الحقيقي للمشروع سوف يبدو جلياً إذا ألقينا نظرة على مشروعات عربية مماثلة. والغريب أن اسم "الألف كتاب" كان عنوانا لمشروعين كبيرين للترجمة في مصر بإمكانياتها الثقافية والبشرية الضخمة. مشروع الألف كتاب الأول كان وراءه قامة ثقافية عربية شامخة، هي الدكتور طه حسين، وذلك في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، وخلال أكثر من عشر سنوات هي عمر المشروع الرائد صدر نحو خمسمائة كتاب ثم توقف نتيجة ظروف سياسية آنذاك. ومشروع الألف كتاب الثاني بدأ في مصر أيضاً عام 1995، بإشراف من وزارة الثقافة. ويذكر الدكتور جابر عصفور أن المشروع في سنته الأولى لم ينجز سوى ثلاثة كتب، بفعل قيود بيروقراطية ضخمة، وقد استغرق الأمر إحدى عشرة سنة ليصل عام 2006، إلى رقم الألف الذي استعصى على عميد الأدب العربي.

هناك تجربة أخرى على مقربة من دبي، في دولة قطر، إذ جرى إنشاء مركز للترجمة تابع للمجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث، ورأسه مثقف ومترجم فلسطيني كبير هو الدكتور حسام الخطيب. وفي حوار صحافي له تحدث الدكتور الخطيب عن إصدار ستة كتب خلال ست سنوات تقريباً، وحين سأله محاوره عن إمكانية صدور كتاب كل ستة أشهر قال الدكتور الخطيب إن إمكانيات المركز لا تسمح.

على ضوء هذه التجارب، يمكن لنا أن نقدِّر إنجاز مشروع "ترجم" حق قدره، ففي ثلاثة أشهر جرى إنجاز عمل يستغرق من جهات أخرى ذات إمكانيات كبيرة سنوات عديدة، ليقول ببساطة إن في الإمكان أبدع مما كان، وإن التغلب على المعوقات والعقبات قد يكون صعباً، لكنه ليس بالمستحيل على من يريده فعلاً. ولعلنا نأمل أن ينتقل النجاح "بالعدوى" إلى مواقع عربية أخرى، فدول الخليج لا ينقصها التمويل اللازم، وربما يكون ما ينقصها هو التخطيط والإدارة. ولست أظن أن دبي ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم ستبخل بخبرتها الإدارية والتنظيمية على من يريد من دول الخليج والدول العربية أن يؤدي دوراً في مجال حيوي من مجالات المعرفة، ولمثل هذا فليعمل العاملون.

حين قرأت خبر الـ 117 كتاباً طلبت- شاكرة- من القائمين على المشروع قائمة بأسماء الكتب، فوصلتني وقد زاد الرقم فيها إلى 130 كتاباً، لأنها وصلت بعد أيام من إعلان الخبر، سمحت للعدد بأن يزيد، ولقلبي بأن يمتلئ حبوراً. وكنت قد قرأت أن هذه الكتب اختيرت بعناية من بين أكثر الكتب مبيعاً في العالم، وأن معظم الكتب المترجمة في مجال الإدارة.

وبالفعل وجدت في القائمة التي وصلتني تصنيفاً للكتب حسب مجالاتها، وكان مجال "الإدارة" هو الأكثر حضوراً، غير أن تأمل عناوين هذه الكتب أعطاني انطباعاً آخر غير ما يخطر على البال حين قراءة كلمة الإدارة، بما ترتبط به في الذهن عادة، فالكتب المصنفة في فئة الإدارة تضم عناوين من نوع "العطاء" للرئيس الأمريكي بيل كلينتون، وكتاب "الحقيقة المؤلمة" لنائبه آل جور عن التغيرات المناخية العالمية. ومن دون شك فإن الكتابين ينطويان على أبعاد سياسية واجتماعية وفكرية وحتى شخصية تجعلهما يتجاوزان كثيراً اصطلاح "الإدارة" الذي جرى "حبسهما" فيه.

الأمر نفسه يصدق على قائمة كبيرة من الكتب المصنفة تحت عنوان الإدارة، فيما هي تنتمي إلى مجالات العلوم الإنسانية الرحبة. ومن بين هذه الكتب: "فهم العرب" Understanding Arabs لمولفته مارجريت نيدل، وهو دراسة في التاريخ والجغرافيا والقيم والسياسة، وكتاب "المرأة كسلاح في الحرب" Women as weapons of war لمؤلفته كيلي أوليفر، وهو دراسة تستقرئ العلاقة بين العنف والجنس في الثقافة المعاصرة، ورصد الكيفية التي تُقدم بها هذه العلاقة المتخيلة على مسرح الحرب في العراق، وكتاب "قصة جوجل"Google story  الذي يرصد قصة محرك البحث العملاق صاحب التأثير الكبير في الحياة البشرية، وكتاب "انهيار العولمة وإعادة اكتشاف العالم"، الذي يمكن معرفة محتواه من اسمه.

اختصار هذا الطيف العلمي الواسع والثري في فئة "الإدارة" يقلص بصورة ما من حجم الإنجاز أمام من لم يُتح له الاطلاع على تفاصيله، لكن يبدو أن الذين يعملون كثيراً... يتحدثون أقل.

باحثة سياسية مصرية

amal.m.sakr@gmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ماذا نترجم ؟ (ياسمين حمدى)

    الثلاثاء 8 تموز / يوليو 2008.
    الترجمة من علامات الصحة المعرفية
    مقولة جيدة اعجبتنى فى هذاالمقال وعكست واقع معرفى وثقافى نعيشه بل ان الزاوية التى تناولتها الباحثة تنم عن رؤية ثاقبة ولمست وترا حساسا نعيشة فى عالمنا العربى
    فتقدم الشعوب وقيام الحضارات يقاس بحجم الكتب المؤلفة والمترجمة ومدى الانفتاح على الثقافات الاخرى
    ولكننى ارى الان انحسارا لدور الترجمة ربما لان ثقافة الهامبورجر او الساندوتش هى السائدة اى الحصول سريعا على قشور المعرفة دون تعمق ونهم حقيقى ربما لان ايقاع العصر اصبح سريعا او ان احد الاثار السلبية للعولمة هى اهمال الترجمة والتركيز على "الترفية"
    وارى ان تدهور حركة الترجمة فى عالمنا العربى يرجع الى اسباب عديدة منها
    تراجع مستوى التعليم والتركيز على الحفظ والتلقين والاهتمام بكتاب معرفى واحد هو الذى سيمتحن فيه الطالب
    عدم وجود مشروع عربى موحد للترجمة من خلال هيئة عربية تهتم باختيار الاكتب وتبادل المعرفة وخلافة بدلا من المبادرات الفردية لبعض الدول الخليجية الغنية
    تضاؤل المخصصات المالية اللازمة لعملية الترجمة بل والنشاطات الثقافية عموما نظرا للاحوال الاقتصادية التعبانة لمعظم الدول العربية
    التقدم الهائل فى صناعة الاتصالات والترفيه والذى ادى الى تراجع دور الكتاب عموما والترجمة خاصة
    وختاما عدم وجود فرص عمل للمترجمين
    عدم الاتفاق على نوعية المادة المترجمة هل هى علمية ام ثقافية وهذا لم تضحه ايضا البحثة فى مقالها
    وكنت سأعيب على الكاتبة ان مقالها طويل جدا وكان يمكن اختصاره حتى لا يصير بحثا ولكننى اطلت ايضا فى تعليقى
    ياسمين حمدى
    مترجمةالى اللغة الفرنسية تبحث عن عمل
  • »خبر يستحق التعليق (MrFadi)

    الثلاثاء 8 تموز / يوليو 2008.
    مشكورين على هالخبر الجميل.

    و اخواني, نحن شعوب هامدة حتى اننا لا نطالع ولا نتصفح الكتب ولا الاخبار.

    نحن لا نرى الا ما هو على التلفاز.

    هناك امور اعمق من ذلك بكثير. هناك كتاب اخطر من الرسام الدنماركي.

    مثلا Robert Spencer

    ابحثوا على الانترنت.

    انا لا اعلم ان كان مسموح وضع وصلات خارجية و لكن ان لم يكن مسموح الرجاء فقط حذف الوصلات و من بداية هذه الفقرة:
    http://en.wikipedia.org/wiki/Robert_Spencer
    http://en.wikipedia.org/wiki/Islam:_What_the_West_Needs_to_Know
  • »ومشاريع أخرى... (خالد)

    الثلاثاء 8 تموز / يوليو 2008.
    يضاف لذلك 3 مشاريع مهمة جدا تجعل هناك أمل في جانب الترجمة...الأول، ترجمات مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، وقد ترجموا مؤخرا مجموعات من أهم الكتب العالمية وهناك مشروع "كلمة" في أبوظبي، وقبل ذلك هناك مشروع يعود للعام 1980 ولكنه بالاتجاه المعاكس...أي الترجمة من العربي للإنجليزي، هو مشروع (بروتا) الذي تتولاه سلمى الجيوسي، وترجم عشرات آلاف الصفحات من الأدب والتراث العربي للإنجليزي...واقع الترجمة يبدو في تحسن ويدعو لتفاؤل...