الى الدكتور المسيري

تم نشره في الاثنين 7 تموز / يوليو 2008. 02:00 صباحاً

الى الأستاذ الذي علمنا كيف نصطاد السمك بدلاً من إعطائنا سمكة!

القامات الشامخة تموت واقفة

القامة الشامخة... الفكر النيّر المتميز... التفرّد... روح الدعابة الأخّاذة... والتعليقات الناقدة اللاذعة...

عبدالوهاب المسيري ليس مدرساً فقط... بل مدرسة!

دخل قاعة المحاضرات في منتصف السبعينيات من القرن العشرين ممسكاً بيده حقيبة كتب ثقيلة بنية اللون، وفرد كتبَه وأوراقه على المكتب...وانطلق مغرّداً.

علمنا عن الشعر الانجليزي والشعر الرومانتيكي الشيء الكثير... علمنا أن نفكّر وأن نحلّل وأن نربط بين الأمور ونباعد بينها لنرى الصورة الكُليّة والأجزاء المكوّنة.

لم يكن يلقّن بل كان يطرح ويناقش ويفنّد فتتراقص الأفكار مكوّنة لوحات جماليّة مختلفة في رأس كل من طلابه.

لم يكن أسيراً للنمطيّة، بل هو فارس الجديد والمتجدّد، والثوري والتقليدي في آن واحد. علمنا المعادلات الفلسفيّة وطلب منّا التطبيق والانطلاق بأفكارنا وذواتنا.

سألني سؤالاً في الامتحان الشفوي وعندما أجبت عليه بذكر جميع العناصر والشخوص النسائية في القصيدة بما فيهم "مريم العذراء" في لوحة معلقة على الحائط، هنّأني قائلاً: "جاوبتِ على سؤال لم أعرف أنا الاجابة عليه!"

كم أعطاني هذا من ثقة بالنفس ووضوح في رؤياي المستقبلية.

مازلت حتى الآن أُدرّس لطلابي نظريّاته التي كان قد شرحها لنا: البراءة والخبرة... الخير والشر... الانسان ملاكاً أم شيطاناً أم بُعد ثالث من البراءة والخبرة المنظمة. السقوط السعيد(Felix Culpa)...الضريبة الانسانية لرغبة المعرفة... للفضول... للعلم... هي تحقيق لانسانية الانسان.

سقط آدم وحوّاء من الفردوس السمائي الى جنّة وجحيم الأرض. ولولا هذا السقوط ما كانت حياة البشر على الأرض. كم يدفع الانسان ثمناً للمعرفة؟

كنتَ تعرف طلابك ولك من ملكة سبر أغوارهم الكثير. أعطيتني الثقة والاطمئنان وأعطيتني القلق العلمي ومتعة المعرفة فوجدنا في قراءتنا وعلمنا وأدبنا وأدب الغير منهج حياة ودروب عمل واستمتاع.

عندما رأيت صورتَك على مجلد "سيرة غير ذاتية"، كنت وقتها في مكتبة الشروق في سيتي ستارز بالقاهرة في زيارة قصيرة. تلقّفتُه كأنما وجدتُ كنزاً واحتضنتُه كأنما أحتضن ذكريات الماضي الجميلة. كنتُ أحسُّ وأنا أقرأه بصوتك متكلّماً عبر الكلمات... أحس برائحة مصر الحبيبة.

الى هنا انتهى ما كنتُ قد كتبتُه وقرأتُه عليك في زيارتِك الأخيرة لعمّان قبل بضعة أسابيع.

الآن أكمل...

عندما جئتَ ضيفاً محاضراً في منتدى الفكر العربي دخلتَ القاعة الغاصّة بمريديك... دخلت بكلِّ قوّة الفكر... ووهن الجسم... تحاملتَ على نفسِك وكنتَ تطلبُ أن تُحقَن بالكورتيزون حتى تتمكّن من اكمال المسيرة والعطاء.

لم أرَ في حياتي أحداً مثلك مُحبّاً للحياة ومصارعاً ومتحدّياً للمرض.. ومعطاءً الى أبعد حدود والى آخر رمق...

يُقالُ انّ آخر كلماتك المبثوثة كانت نكتةً ألقيتَها على مُحاورِك في اذاعة الـ BBC... واستردّ ربُّ العالمين وديعتَه فجر اليوم الذي يليه.

في منتدى الفكر العربي وقفتُ أنا للمداخلة ووجدتُ نفسي أجهشُ بالبكاء... مزيج من مشاعر الغبطة لرؤيتك، والحزن على ما آلت اليه صحّتُك، والحنين الى الماضي وأيام الجامعة، وعين شمس، ومحاضراتك وفكرك وروحك الظريفة.

وعندما حاولنا أنا والصديقات استضافتَك أنت ودكتورة هدى -رفيقة دربك- على وجبة عمّانيّة، اعتذرتَ أنت لعدم رغبتِك وعدم مقدرتِك على الأكل ولكن طلبتَ أن ترى "غروب الشمس من فوق ربوة في عمّان!"، لم تقدر على مشقّة السفر الى البحر الميّت أو جرش.

استضافنا منزل أحد كرماء الاردن وزوجته الفاضلة في ربوع الفحيص. جلستَ وجلسنا نشاهد روعة الغروب على عمّان الحبيبة من فوق ربوة شامخة.. المنظر خلّاب... وقد كنّا نشاهد ليس فقط أفول شمس ذلك اليوم ولكن أيضاً اقتراب غروب شمس حياتك الثرية.

يا الله... شاء القدر أن أذهبَ في زيارة قصيرة للقاهرة... كأنّما الأقدار أرادت أن أزورَك وأودّعَك الوداع الأخير. في منزلِك بضاحية مصر الجديدة في القاهرة جلستَ على المقعد الشرقي ذي التنجيد الأزرق "التركوازي" الأثير...أمامك كمبيوتر وكتب وأوراق ولوحات فنّيّة تشكيليّة تنتظر ابداءك الرأي فيها كناقد وفنّان، وتنتظر القيام بمقابلتين لمحطّات فضائيّة مختلفة! كيف تمكّنتَ أن تُحقِّقَ كلَّ هذا؟ ومن أين أتيتَ بكلِّ هذه القوّة للإنجاز من خلال هذا الجسد الواهن؟

غصّة في حلقي ووجل ودعاء، دكتور مسيري نَحِف أكثر وأكثر وان كان بروز البطن صار أظهر وقال: نيّرة، لقد فقدتُ 20 كيلو من وزني خلال العام المنصرم.. قال كأنّما فقدتُ طفلاً وبراءة الطفولة من داخلي! الوجه شاحب ولكن تألّقَ العينين هو نفسه. جلستُ معك قليلاً وأحضرت دكتورة هدى لي العصير واستأذنت بعدها على عُجالة بعد أن أهديتني كتابك -كتاب السيرة الذاتيّة.

ضحكنا ونحن نتذكّر أنّني قد قلتُ لك في عمّان، والآن في القاهرة "خلّي الوداع من غير جُبَل(قبلات)"

الوداع د. مسيري... الفارس الأصيل لا يترّجل الّا الى أعلى.

*اكاديمية اردنية

التعليق