محمد أبو رمان

المسيري: نموذج المثقف المنتمي

تم نشره في السبت 5 تموز / يوليو 2008. 03:00 صباحاً

بعد سبعة عقود يرحل المسيري عن عالمنا إلى دار الحق، وقد أدّى قسطاً وافراً من مسؤوليته الأخلاقية تجاه وطنه وأمته.

ثمة جوانب وزوايا عديدة تُطرق في الحديث عن عطاء المسيري ورحلته الفكرية والعلمية، وقبل هذا وذاك الإنسانية، وما تركه من ميراث معرفي وفكري سيكون موضوعاً لرسائل جامعية عديدة في كثير من دول العالم. لكن نموذجه الإنساني والثقافي الفريد هو ما يستحق بحق دراسة وافية.

فالرجل؛ انتقل من موقعه اليساري إلى موقع متقدم في تخوم الفكر الإسلامي، بل الى ورائد متقدم يشق عباب المعرفة والثقافة ويحدث فتوحات فكرية بمعنى الكلمة، ويسجل آفاقا جديدة للفكر الإسلامي لينقل الأمة من مرحلة الدفاع عن النفس والإغراق في نظريات المؤامرة والشعور بالإحباط إلى بناء مشروع فكري إنساني حضاري في مجالات استراتيجية وحيوية من معارك المجتمعات والشعوب المسلمة.

ولعلّ الأسهام المعرفي- الفكري الأكبر للمسيري كان في موسوعته حول اليهود واليهودية والصهيونية، وهي الموسوعة التي أكلت من صحته وحياته، وخرج منها بمجلدات ضخمة مكتنزة، لكن بمحفظة مالية فارغة.

والموسوعة الصهيونية ستبقى إضافة معرفية كبيرة للمكتبة العربية والعالمية على السواء. أمّا على المستوى الفكري فإنّ الوظيفة الرئيسة لهذه الموسوعة، بتقديري، فهي "أنسنة" اسرائيل والحركة الصهيونية وعقلنة التعاطي الواقعي معها، وعدم الإغراق في "شيطنتها" من خلال أوهام "المؤامرة الكونية" و"بروتوكولات حكماء صهيون" التي تمنح الإسرائيليين سلطات خارقة وتجعل التعامل معهم خارج النطاق العقلاني.

ومن الفتوحات الفكرية للمسيري كتابه الكبير حول "العلمانية الجزئية والكلية" والذي يفرّق فيه، من خلال منهج معرفي تفكيكي، بين انماط العلمانية الغربية، مميزاً بين مستويين اثنين؛ الأول "العلمانية الكلية" الذي ينطلق من فلسفة تفصل الدين عن الحياة بأسرها، وهو ما يرفضه المسيري، والثاني هو "العلمانية الجزئية" والذي يقتصر على فصل الدين عن الدولة بمستوياتها الاقتصادية والسياسية والإدارية، وهي العلمانية التي لا يرى المسيري تناقضاً بينها وبين الإسلام.

يقول المسيري في أحد لقاءاته: " أنا كمسلم لا أجد غضاضة في قبولي بـ"العلمانية الجزئية"، وهو بلا شك رأي جريء متقدم على الفكر الإسلامي- الحركي الذي لا يزال أسير عموميات في حديثه عن "الدولة الإسلامية" الموعودة.

وللمسيري إسهام معرفي- فكري متميز في نقد الحضارة الغربية، بخاصة الجانب القيمي المتعلق بمفهوم الإنسان، والروح، ونقد تغول القيم الاستهلاكية والنفعية على حساب الجانب الإيماني الروحي والأخلاقي.

وإذا كان الحديث عن "الرحلة المعرفية" للرجل يستغرق وقتاً طويلاً، ويحتاج إلى مجلدات، فإنّ سيرته ورحلته الروحية هي الأخرى تتطلب قراءة عميقة، بما يقدمه الرجل من مفهوم حقيقي للمثقف المنتمي الذي يجسّر الفجوة بين عالم الفكر والمعرفة والثقافة، وبين عالم النضال السياسي من أجل الإصلاح أولاً وضد الاحتلال والهيمنة ثانياً.

فالمسيري لم يعتكف في مكتبته منعزلاً عن نبض الشارع والحياة، وفي المقابل لم ينخرط في النشاط السياسي ويفلس في المجال الفكري، إنّما جمع الحسنيين؛ فكان عالماً مثقفاً مفكراً مبدعاً يقدم مساهمة في هذا "الثغر" الخطر والحساس، وفي الوقت نفسه منخرطاً في النشاط السياسي من خلال دعمه لحزب الوسط الإسلامي أولاً، ثم ترؤسه لحركة كفاية المعارضة، في السنة الأخيرة، على الرغم من المرض الذي كان يفتك بجسده النحيل.

نموذج "المسيري المثقف" يبرز أيضاً من خلال دوره التنويري، ورعايته للشباب وتواصله معهم في العديد من الدول والمجتمعات العربية. وهو الدور الذي يبرز أيضاً بوضوحه في الصالون السياسي الذي كان يقيمه في بيته كل شهر، ويحضر جمع غفير من الشباب والمثقفين.

الرجل رحل، وتراثه باقٍ، لكن ما سنفتقده هو أنفاسه ونموذجه الفريد الذي يشعرك بالاطمئنان، ببقاء ثلة من المفكرين المرابطين، لا يبيعون ولا يشترون. ويكفي أنه في كل رحلة علاج له كان الجميع يبحث عمن يمول هذه الرحلة، لأنّ الرجل، باختصار، باع الدنيا من أجل مشروعه الفكري الإصلاحي!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اسطورة اسمها المسيري (عمر شاهين)

    السبت 5 تموز / يوليو 2008.
    أشكرك أستاذ محمد لأنك كتب بهذا الموضوع الهام والذي كان من المفروض أن يكتب عنه مئات الكتاب العرب والمسلمين اليوم لأن المسيري بصمة في عالم الفكر العربي .
    فهو ضحى بالكثير من ماله ووقته وعلمه وسخر كل ما يملك لإصدار الموسوعة الصهيونية والتي قدمت لم يريد فائدة أكبر من ملايين المقالات والقصائد التي لا يستفاد منها سوى شتم الآخر .
    جهد المسيري فاق جهد آلاف الباحثين والمؤسسات وقد بذل أكثر من طاقة الأكاديمي أو شاعر أو ما يأمل به اليساري الذي انتقل إلى العلمانية ثم استقر في الفكر الإسلامي .
    المسري أعاد للتاريخ العربي الإسلامي سيرة العلماء الكبار أمثال ابن سينا وابن رشد وابن تيمية وفخر الدين الرازي .... أتمنى أن تقدم الغد ملفا خاصا به لأنه أسطورة عانت الكثير فمع كل الذي قدمه عانى من السرطان ولم يجد من يحتضنه بعد كل الذي قدمه من علوم ومؤلفات تراوحت بين الأدب والتوثيق والفكر حتى تبرع رجل أعمال سعودي لعلاجه وعلي اكتب هذا في مقال خاص .