محمد أبو رمان

في "سياسة الجولات الملكية"

تم نشره في الأربعاء 2 تموز / يوليو 2008. 03:00 صباحاً

أول من أمس كان جلالة الملك في قرية "الملاّحة"، وشاهد ومعه كبار المسؤولين في الدولة فيلماً وثائقياً أعده فريق "شباب كلنا الأردن" في محافظة البلقاء عن أحوال هذه القرية المعدمة والبائسة، لتحالف الظروف المناخية والجيولوجية والاقتصادية ضد قدرة أهلها على الحياة الطبيعية.

حالة "الملاّحة" هي إحدى القصص الكثيرة التي شهدت تدخلاً ملكياً مباشراً، وقد حلت العديد من المعضلات الشبيهة، كما حصل سابقاً في قرية "قطر" في غور الصافي، والتي يروي مسؤولون (في مطبخ القرار) أهوالاً عن أحوال أهلها وأوضاعها سابقاً.

بلا شك؛ باتت جولات الملك وزياراته المتكررة الدائمة إلى مختلف مناطق المملكة عنواناً حيوياً في السياسة  الجديدة وتكريساً لتقليد بدأ بالتشكل ويجسّد عقداً اجتماعياً جديداً وفريداً. ويمكن أن يلحظ ذلك من يحضر اللقاءات ويلمس الصراحة والوضوح والأحاديث المتبادلة بين الملك والمواطن البسيط، بعيداً عن لغة الانشاء وطنين المديح والأشعار التي اختفت تماماً من هذه اللقاءات.

في فلسفة الزيارات والجولات الملكية، وفقاً لمسؤولين في مطبخ القرار، أنّها تجسيد حيوي وفعّال لمفهوم الاتصال المباشر والتماس اليومي بين الملك والمواطنين والشرائح المختلفة، تذوب معها كل الحدود والحواجر، ويكسر الملك التابوهات ويقترب من قلوب الناس وواقعهم، بعيداً عن الروتين السياسي أو التقارير البيروقراطية من هنا أو هناك.

وفي فلسفة الزيارات واللقاءات الملكية، كذلك، أنّ جزءاً كبيراً منها مخصص للبحث عن الطبقات المهمشة والمكشوفة اقتصادياً واجتماعياً، وعن جيوب الفقر المنتشرة هنا أو هناك. فحالة الملاّحة وغيرها من مناطق المعدمة في الأغوار والجنوب، هي مثال حي على أنّ هذه الزيارات تسعى لانتشال جيوب الفقر، التي تتدعثر بعيداً عن السياسات الحكومية وتعيش على هامش الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وذلك لوضعها على سكة الحياة الطبيعية بتوفير الشروط الرئيسة للحياة ومساعدة أهالي تلك المناطق.

في الحديث مع بعض المسؤولين، على هامش زيارة الملك، فإنّ هنالك قناعة بأنّ جزءاً رئيساً من المشكلة يرتبط بالمدخل الثقافي، بمعنى قيمة العمل ومفهومه، ومدى استعداد الناس للأعمال اليدوية والمهنية والخروج من انتظار المعونات أو الوظائف المكتبية، بخاصة أن في الاغوار، وفي قطاع الزراعة تحديداً، هنالك نسبة كبيرة من العمالة الوافدة. وهي ملاحظة صحيحة يمثل إنكارها ضربا من تغطية الشمس بغربال، وإن كان هنالك جدال واسع ومشروع حول مدى توافر شروط اقتصادية مناسبة لتشجيع العمالة الوطنية على العمل في القطاع الزراعي أو حتى الصناعي أو الخدماتي وتأهيلها لذلك.

ثمة ملاحظة، من وحي الزيارات الملكية، تتمثل بأنّ هنالك تبايناً واختلافاً في المطالب التنموية والخدماتية والشروط الاقتصادية والاجتماعية بين الأقاليم الرئيسة في المملكة. فمطالب الأغوار وبيئة العمل والاستثمار والشروط العامة فيها تختلف عن بيئة الجنوب والحالة نفسها بالنسبة لبيئة الشمال والمناطق الشرقية.

هذه الملاحظة تدفع إلى تفكير بضرورة تقسيم المملكة إلى أقاليم تنموية متخصصة، يتم التفكير بنمط الاستثمار والعمل والحلول الاقتصادية، لكل من هذه المناطق بخصوصيتها، وبما يخدم أهلها وسكانها، بخاصة مع حالة النزوح الكبير واستنزاف الخبرات المهنية والإنسانية من هذه المناطق باتجاه العاصمة عمان.

يبدو الحل الناجع والعملي للعديد من جيوب الفقر والمشكلات التنموية والخدماتية بتقسيم المملكة إلى أقاليم تنموية، ووضع تصور استراتيجي للأوضاع الاقتصادية لكل إقليم والتشريعات والأنظة المطلوبة والسياسات التي يمكن أن تنهض به اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، وفقاً لشروطه الخاصة، وموارده الذاتية، وأن يوضع مدير بمستوى عالٍ من الكفاءة والأهلية الإدراية- الاقتصادية، ومعه مجلس متخصص يرسم هذه الاستراتيجيات وتناقش على مستوى عالٍ.

بمعنى أنّ المطلوب "خصخصة للإدارة" في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، لتأهيل الفئات الاجتماعية الواسعة للاندماج في مشروع الاصلاح الاقتصادي، بدلاً أن تكون عبئاً عليه، ولتأهيل كذلك البنية التحتية والخدمات، ودفع سكان كثير من الأقاليم إلى مواجهة التحديات الاقتصادية وتطوير المؤسسات التعليمية والخدماتية والتنموية والاقتصادية.

من جهة أخرى؛ يرى عدد من السياسيين أنّ زيارات الملك وجولاته ومكرماته تجاه الطبقات الفقيرة بمثابة تجسيد لمفهوم "الطريق الثالث" اقتصادياً. إذ تمثل استدراكاً استراتيجياً على سياسات الإصلاح الاقتصادي التي وإن حققت معدلاً ثابتاً من النمو الوطني خلال السنوات الأخيرة قرابة 6%، إلاّ أنها تجاهلت الشروط الاجتماعية والاقتصادية لشريحة واسعة.

والسؤال اليوم: كيف يمكن أن تُمأسس الزيارات الملكية لحماية الطبقات الفقيرة والمحرومة والتخلص من جيوب الفقر، بصورة منتظمة، ومن خلال استراتيجية تضع خريطة لجيوب الفقر ومناطق الحرمان، لحماية هذه الشريحة من السكان والارتقاء بهم للتكيف مع المتغيرات الاقتصادية؟

m.aburumman@alghad.jo

التعليق