ابراهام بورغ والدولة المستقبلية الواحدة

تم نشره في الاثنين 30 حزيران / يونيو 2008. 02:00 صباحاً

حينما يكثر شخصاً في الحديث ويتهرب من التطرق مباشرة لجوهر الموضوع نقول له:"هات من الاخير". ابراهام بورغ اثار ضجة في اسرائيل لانه تحدث من الاخير, واختصر المسافة والوقت حينما قال: ان الحل المطروح حالياً للصراع الفلسطيني الاسرائيلي بإقامة دولتين للشعبين هو تسوية مؤقتة, وان الطبيعي ان تصبح الدولتان في المستقبل دولة واحدة يعيش فيها الشعبان بخير وسلام: وأوضح "ان المستقبل الآتي, يخبئ الكثير لكلا الشعبين, وسيجد كل منهما نفسه جزءاً من الحضارة الانسانية التي تفرض عليهما التعامل بشكل ودي, كما يعيش الاخوة الاعداء في الاتحاد الاوروبي, وهم الذين لا تفصلهم عن سنوات العداء السابق, سوى بضع عشرات من السنين".

ابراهام بورغ ليس يسارياً، ولم يكن شخصية هامشية, فقد سبق وان شغل منصب رئيس الكنيست عن حزب العمل كما رئس الوكالة اليهودية, وأبوه من قبله كان شخصية مركزية في حزب المفدال اليميني أي انه يهودي وصهيوني نافذ وصاحب خبرة وتجربة, يتميز بالشجاعة وعدم التعصب ويرفض الانغلاق, ولذلك قرأ المستقبل في ضوء تجربة الحاضر وفشل اسرائيل في تحقيق رغباتها رغم انتصاراتها العسكرية في اغلبية الحروب التي خاضتها ضد العرب بشكل عام وضد الفلسطينيين بشكل خاص, فقد بقي الفلسطينيون على ارضهم رغم التشريد والتجويع وجعل ارضهم طاردة لأهلها, فقد بقي فلسطينيون في فلسطين وتم الاقرار والاعتراف بهم. من قبل اسرائيل واميركا باعتبارهم شعباً لديه حقوق في وطنه, صحيح ان هنالك تطرفاً مؤذياً لدى قطاع من الفلسطينيين تمثل بالعمليات الاستشهادية ضد المدنيين الاسرائيليين, أساءت لاهداف الشعب الفلسطيني المشروعة ولكنه لا يختلف عن التطرف السائد في المجتمع الاسرائيلي ويوازيه, ولكن الصحيح ايضاً ان اغلبية قيادات الشعب الفلسطيني اللامعة ذات رؤية ديمقراطية محرجة لاسرائيل وجاذبة للاتجاهات المستنيرة أمثال الراحل عرفات والراحل جورج حبش ومحمود عباس وياسر عبدربه وسلام فياض ونايف حواتمة وحزب الشعب واطروحات فتح والشعبية والديمقراطية تعكس إدراكا وحسا بالمسؤولية ونظرة موضوعية للحاضر ونحو المستقبل مما يساعد شخصيات مستنيرة مثل ابراهام بورغ كي يستند عليها ويبني آمالاً في رهانه على المستقبل المشترك بين الشعبين على ارض فلسطين اسرائيل.

الفلسطينيون في اطروحاتهم الاستراتيجية وبخاصة لدى قياداتهم اليسارية التقدمية يتحدثون عن الحل الجذري للصراع مع الصهيونية بإقامة دولة ديمقراطية ثنائية القومية متعددة الديانات للشعبين, هذا ما جاء به برنامج حزب الشعب الفلسطيني في مؤتمره الاخير بداية العام2008، وهذا ما يقوله نايف حواتمة, ولكن الفلسطينيين على اغلبهم يتحدثون عن حل الدولتين باعتبارها الصيغة الاكثر واقعية والملائمة لمعطيات الحاضر وثقافته السائدة وقرارات الامم المتحدة ولكنهم لا يغفلون الحل البعيد المدى, والنهائي بإقامة الدولة الديمقراطية الواحدة المشتركة للشعبين, مثل الصيغة التي يبشر بها ابراهام بورغ حينما يتحدث عن المستقبل من دون اغفاله لمعطيات الواقع وتعقيداته مدللاً على رويته اعتماداً على التجربة الاوروبية حيث كانت الحروب والصدامات والكره وتضارب المصالح بين الشعوب الاوروبية, فالحرب العالمية الاولى والثانية بدأت في اوروبا وانتهت بتقسيماتها وقسمت الحرب الثانية اوروبا الى شرقية وغربية ومعسكرين وحليفين عسكريين والمانيا الواحدة الى المانيتين, ومدينة برلين الى قسمين محرومين على بعضهما البعض, وما نراه اليوم ونشاهده بعد اقل من خمسين عاماً, عالماً آخر من التعاون والاقتصاد والعملة الواحدة والبرلمان المشترك وغيرها من مظاهر التطور الحضاري الذي دفن الكراهية والحروب والتعصب والانغلاق.

بورغ يتحدث من الاخير قافزاً عن الالم والجراح والتعصب والخنادق التي تفصل بين الشعبين مبشراً بنفس انساني راق, بهزيمة العنصرية والاحتلال والتطرف والارهاب مما بدا قوياً وسائداً بين مسامات الشعبين, فالعنصرية والاحتلال والتطرف والارهاب لا يستجيب للقيم الانسانية ولا تستقيم مع تطور الحياة ولهذا ستهزم وتندحر لتبرز مكانها قيم بديلة وثقافة عصرية ومعطيات مشتركة يفرضها الواقع المتداخل على الارض الواحدة.

في كل الاحوال, سواء تم السعي لاقامة دولتين للشعبين على ارض فلسطين, او تم العمل لإقامة دولة واحدة ديمقراطية ثنائية القومية, فهذا يحتاج للشراكة وللشركاء, ومن دون وجود شراكة وشركاء لن ينتصر لا الحل المرحلي بإقامة دولتين ولن ينتصر الحل النهائي باقامة الدولة الواحدة المشتركة, صحيح ان ابراهام بورغ شريك نبيل ولكنه ليس في الموقع القوي المقرر الجاذب لقطاعات مؤثرة في المجتمع الاسرائيلي, ولكنه عنوان بارز واداة جاذبة للاستدلال على وجود هذا الحس وهذا التفكير المبشر بالمستقبل المشرق للتعاون والشراكة والتعايش بديلاً للحرب والقتل والاستيطان والكره والتطرف.

تصريحات ابراهام بورغ تكشف وجود الامل في ظل اليأس والخنادق والجدار العازل, وقيمتها انها تصدر عن شخص شغل مواقع هامة غير هامشية في المجتمع الاسرائيلي, واذا كانت لديه الشجاعة في ان يقول ما يؤمن به فقد يكون العديد مثله لا يملك شجاعته ولا يقر علناً ما وصل اليه من استخلاص وتجربة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نكتة اسرائيلية (ايهاب جازي)

    الاثنين 30 حزيران / يونيو 2008.
    هناك نكتة اسرائيلية قد قرأتها في ترجمة للصحف الاسرائيلية في الثمانينات تقول : نهض فرعون من قبره وسأل : هل لا زال ابراهام بورغ رئيسا للكنيست ؟؟
    ومعنى النكتة : أن بورغ شغل هذا المنصب لسنوات طويلة ، شعر فيها الاسرائيليون بالملل من تكرار تنصيبه.
  • »أمل....!!! (البوريني)

    الاثنين 30 حزيران / يونيو 2008.
    هذه التصريحات بالنسبة لك يا فراعنة أمل؟؟!!
    نصرك الله يا حماس