المجتمع المدني والسياسة الخارجية

تم نشره في الأربعاء 25 حزيران / يونيو 2008. 03:00 صباحاً

   في المناقشة الوطنية حول السياسة الخارجية لابد من النظر الى المشهد من كافة الجوانب وعدم الاكتفاء بزاوية واحدة للنظر، فلقد استطاعت السياسية الخارجية الأردنية تجاوز الكثير من التحولات الخطرة, وأثبتت التحولات انها تتمتع بمهارات التكيف في عالم سريع التغيير ومحيط يفيض بالمفاجآت، وفي الوقت نفسه نجد هذه السياسة تغرق احيانا في شبر من الماء حينما نأتي للتفاصيل، وتفتقد بعض عناصر الكفاءة الفنية والإبداع في مناورات اللحظات الحرجة, رغم انه من المفترض انها تعبر عن تفاعلات دولة توصف بالكثافة والحساسية العالية والاعتماد المتبادل مع أطراف عديدة في تفاعلاتها السياسية  بفعل ما تقضيه الجغرافيا السياسية عليها من ادوار ووظائف بالغة الأهمية، ما يعني البحث عن مداخل أخرى تعنى بالبحث الجاد عن المصالح الوطنية وتعظيمها، وهنا يبدو التساؤل عن دور المجتمع المدني في هذا المجال ضرورة يجب الالتفات إليها بجدية.

    خلال السنوات القليلة الماضية ازدادت حدة تباينات السياسة الخارجية الأردنية، بفعل ازدياد الضغوط الخارجية واتساع الفجوة بين متطلبات المصالح الوطنية ومتغيرات الإقليم من جهة، وبفعل ازدياد حراك التنمية السياسية المحلية وضعف المحتوى السياسي لمطالب المعارضة الذي يكاد ينحصر في خيارات السياسة الخارجية وفي أجندة محددة من جهة اخرى, هذه الوقائع كشفت عن أعراض مرض تقليدي عادة ما تعانيه النظم السياسية في مرحلة بناء الدولة والمتمثل في شدة تركيز مصادر السياسة الخارجية واحتكارها من قبل المراكز السيادية للدولة , يضاف إلى ذلك في الحالة الأردنية بان ضيق مساحة المناورة الخارجية في المرحلة الأخيرة كشف هو الآخر عن فجوة واسعة بين تطلعات رأس الدولة وبين الأدوات التنفيذية التي  ما زالت على حالها تجرب وتبدل وتعدل في نفس العدة والعتاد القديم.

    ولان السياسة الخارجية في معظم دول العالم ترتبط بصورة الدولة والوطن أكثر من سلوك حكومة ما وتعد حلقة صلبة من حلقات المصالح الوطنية، فان مهمة مراقبة السياسة الخارجية للدولة وتقييمها ومحاولة سد فجواتها وحمايتها وصيانتها اكبر من ان  تترك للحكومات وحدها أو لمعارضة سياسية غير متفقة على رؤية واضحة للمصالح الوطنية في حلقتها الخارجية ، حيث تبرز أهمية وضرورة توسيع قاعدة مصادر هذه السياسة وتنويعها، وفي ذلك مصلحة وطنية حقيقية، والمقصود العمل على تنمية دور المجتمع الأهلي في بناء اطر مؤسسية تُعنى بالسياسة الخارجية للدولة، ولعل أولها أنشاء إطار مؤسسي مدني مستقل وغير رسمي يعنى بالسياسة الخارجية على هيئة مؤسسة مستقلة " المجلس الأردني للشؤون الخارجية" يجمع بعض الخبرات الوطنية من أجيال الدبلوماسيين المتقاعدين وخبراء السياسة الدولية والاكاديمين المتخصصين ورموز وقوى سياسية واجتماعية ليكون عينا داخلية على السياسة الخارجية يقيمها ويراقبها ويضع الرأي العام الأردني بصورة سلوك الحكومة الخارجي ومدى اقترابه أو بعده  عن مصالح الدولة في هذه اللحظة أو تلك ,  وفي نفس الوقت يمثل يد الدولة الأخرى حينما يصبح هذا الإطار ذراعاً مؤسسياً للدبلوماسية الشعبية في الخارج التي تفتح الأبواب الموصدة أمام الدبلوماسية الرسمية.

    لقد منيت السياسة الخارجية الأردنية بخسائر متتالية خلال مرحلة المخاض الصعب الذي تشهده المنطقة منذ سنوات بعضها ارتبط بسوء التقدير، وبعضها ارتبط بأخطاء فنية وبعضها الآخر يعود لضعف وسائل التعبئة حينما تضطر الحكومات لاتخاذ سياسات خارجية غير شعبية، على كل الأحوال فمنذ أزمة ما سمي " مبادرة التطبيع الأردنية " في مؤتمر الجزائر  مروراً بأزمة العلاقة مع حكومة حماس وتفاعلات الحرب الإسرائيلية على لبنان إلى فشل ترشيحات شخصيات أردنية لمناصب دولية ,الى الأزمات الأخيرة نجد انها في المجمل   أزمات لم تجد التقييم الموضوعي أو المتابعة المؤسسية، في المقابل يغيب دور الدبلوماسية الشعبية في سد ثغرات السياسة الخارجية الرسمية , ولعل دروس الماضي القريب تفيد بمدى قيمة الدور الذي يمكن ان تلعبه الدبلوماسية الشعبية الأردنية في الحفاظ على المصالح الوطنية وخلق حالة من التوازن مع السياسة الرسمية.

    لقد آن الوقت لإطلاق مبادرة وطنية لمأسسة جهد أهلي مدني يعضد المصالح الوطنية الخارجية، ويضع المجتمع المدني الأردني على طريقه الصحيح؛ فالمجتمع المدني  في جوهره أداة اخرى للوصول للمصالح الوطنية , وليس مجرد نخب متقاعدة تتسول على أبواب السفارات والمؤسسات الأجنبية. 

Basim.tweissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نحو مجلس اوطني للشؤون الخارجية (ماجد الفلاحات)

    الأربعاء 25 حزيران / يونيو 2008.
    ان فكرة انشاء مجلس اهلي يعنى بالسياسة الخارجية والشؤون الخارجية فكرة وجيهة بالدراسة والتبني ، وهي على كل حال ليست من اختراع الكاتب بل موجودة في العديد من دول العالم ، والكاتب يشكر على طرحها بهذه القوة وفي هذه الظروف التي نعاني فيها من تواضع في اداء السياسية الخارجية ، الفكرة مثمرة جدا بالنسبة للاردن وتصب في المصلحة، لماذا للاسباب الاتية:
    اولا : ان المجلس الاهلي او ربما مجلس دولة للشؤون الخارجية سيشكل بيت خبرة وطنية يراقب ويقيم ويوجه بشكل غير مباشر ويساعد وربما ينفذ بطرق شعبية او ثقافية او اعلامية على ساحات خارجية
    ثانيا: المجلس سيكون اداة من ادوات المشاركة والتنمية السياسية، ويحمل مجرد اطلاقة صورة ايجابية عن البلد
    ثالثا : المجلس مفيد في حالة الاردن نظرا للتنوع الثقافي والسياسي الموجدود الذي يمكن ان يوظف كل منه في مصالح السياسة الاردنية فاعضاء النخة السياسية خارج الحكومة الذين تربطهم علاقات ثقافية جيدة مع دولة مثل ايران على سبيل المثال يمكن يستثمروها بمبتادرات اهلية او نخبوية لمصلحة البلد بدل الانشغال بالاشاعات.
  • »الدبوماسية تغيرت (زكريا سعد الدين)

    الأربعاء 25 حزيران / يونيو 2008.
    التحول في مفاهيم الإعلام والسياسة واكبه تحول في مفهوم الدبلوماسية وتحقيق المصالح والحضور الخارجي ولعل ما لجأت له الولايات المتتحدة في السلوكها الخارجي من تغيرات كبيرة في الادوات هو اكبر دليل على ذلك ، إذ تغيرت أساليب العلاقات الدولية ومهام الدبلوماسيين، فلم يعد التواصل عبر التصريحات الصحفية أو المؤتمرات الصحفية كافياً لإيصال الرسالة المرجوة، ولم تعد زيارة السفير لرئيس الدولة المضيفة أو رئيس وزرائها أو وزير في حكومتها والهمس في أذنه كافياً لإنجاز مهمته، بل لا بد للسفير أن يخاطب المواطن العادي ويتكلم معه للتأثير فيه خصوصاً في الدول الديمقراطية التي يمثل صوت المواطن فيها قيمة انتخابية لدى السياسيين).
  • »عندما يغيب الشعب (اردني)

    الأربعاء 25 حزيران / يونيو 2008.
    ياسيدي السطر الاخير هو مربط الفرس النخب السياسية التي اوهمت نفسها بانها تفهم كل شيء وهي ليست بحاجة لراي الشعب فالشعب الاردني حسب اعتقادهم غير مؤهل لابداء رأيه باي موضوع يتعلق بالوطن والمواطن فقط هم النخبه الذين خصهم الله بالذكاء وحسن التدبير اما المواطن فعلية القبول والانصياع لدفع الضرائب وتحمله اخطاء النخبه السياسية الاردنية التي لم تاتي للاردن والمواطن الاردني بغير الديون الخارجية ( الا ان الاوان لتلك النخبه السياسية ان تقراء نبض الشارع وتتعلم .
  • »هذا تجريح (بشير ابوالذهب)

    الأربعاء 25 حزيران / يونيو 2008.
    ختام مقالك الذي تقول فيه (مجرد نخب متقاعده تتسول على ابواب السفارات والمؤسسات الاجنبيه) يعتبر تجريح للذين وصفتهم بهذا، وكنت ساقوم بالتعليق على متن المقال ولكن هذا التجريح المؤلم، سد الطريق على التعليق .