مراجعة السياسة الخارجية الأردنية

تم نشره في الأحد 22 حزيران / يونيو 2008. 03:00 صباحاً

بدأت الدعوة لمراجعة السياسة الخارجية الاردنية من بعض النخب ثم وجدت طريقا لها لعموم الرأي العام الاردني. لكن هذا لا يعني بحال ان هذه الدعوة وتداعياتها اتت نتاجا لعملية مراجعة دقيقة وعلمية للمواقف السياسية الخارجية بينت عدم كفاية وفعالية هذه السياسة.

الدعوة لمراجعة السياسة الخارجية تذكرنا بدعوات الاصلاح، ايا كان نوعه، فهي شأن صالح لكل زمان ومكان وعملية غير منتهية باتخاذ موقف ما او الوقوف مع جهة ما.

السياسة الخارجية متقلبة حكما، وهي دائما تخضع لعنوان عدو الامس قد يكون صديق اليوم، والاخير قد يكون عدو الغد لذا فدعوات اصلاحها شأن روتيني وعادي.

لا نعتقد ان قناعة الرأي العام حول ضرورة مراجعة السياسة الخارجية تدلل على امتعاض شديد تجاه هذه السياسة، ولا نعتقد ان المواطن الاردني العادي يمتلك القدرة المهنية او الخبرة اللازمة لاصدار مثل هذه الاحكام شأنه بذلك شأن عموم الرأي في اعرق الدول. نعتقد ان الرأي العام وضمن هذه الاستجابة انما "يبارك" الدعوة للمراجعة كحد اقصى لما يجب عمله في ملف السياسة الخارجية، في دلالة على ان السياسة الخارجية، كما الاقتصادية والاجتماعية، تتحمل وتستحق مراجعة مستدامة ودورية.

هذا أولا، وثانيا، فقد قدم للمواطن الاردني وبعض النخب تصورا داكنا عن السياسة الخارجية الاردنية اتت نتيجة جهود وحملة خلصت ان السياسة الخارجية الاردنية لا تراعي بدقة حسابات المصلحة المبنية على معادلات الربح والخسارة، وانما تنحاز للنموذج الاسلم في صناعة القرار السياسي الخارجي(وهو الاقتراب من الغرب كقاعدة عامة) والذي عبر بالاردن إلى بر الامان على مر عقود من زمان هذا الاقليم المضطرب. واذ اختلف مع هذا التحليل من حيث المبدأ، إلاّ أنني لا أتفق معه على ضرورات المراجعة المستمرة وتعديل القرارات، بما يعظم المصالح الاردنية.

 

نختلف مع العنوان العريض الذي حفز الدعوة لضرورة مراجعة السياسة الخارجية من قبل البعض، والذي خلص ان ما اصطلح عليهم بدول الممانعة تكسب سياسيا بالمقارنة بدول الاعتدال، وقد آتت ممانعتها أكلا جيدا جعلها في وضع اقليمي افضل!

بتقديرنا ان دول الممانعة لم تحقق كسبا سياسيا، كما يهيأ للبعض، بل على العكس، هذه الدول تتعرض لضغوط وعزل جعلها تنقلب على مواقفها التاريخية. وبتقديري ان المفاوضات السورية- الاسرائيلية هي تنازل من قبل سورية واستجابة للضغوط، وليست مكافأة على مواقفها الممانعة والصلبة، وبتقديري التعديل الايراني للمواقف والقبول الاخير لاتفاق الدوحة تنازلا ايرانيا، وليس انتصارا لسياسات ايران وممانعتها، وأرى أنّ مفاوضات حزب الله عن طريق الوسيط الالماني وقبوله باتفاق الدوحة، ايضا ضمن معادلة التراجع السياسية لحزب الله، وانه بذلك يكون قد رضخ لجل المطالب التي وضعت امامه.

الزاوية التي يقرأ بها مؤيدو اسلوب دول الممانعة غير دقيقة ومؤدلجة، فهم يقرأون على سبيل المثال ان انتخاب الرئيس اللبناني نصر لحزب الله في حين ان آخرين يرون ان العكس هو الصحيح، وقد ثبتت صحة الرأي الاخير عندما اعلن الرئيس اللبناني انه يريد علاقات دبلوماسية ندية مع سورية، ما اثار امتعاض سورية وايران على حد سواء.

  

السياسة الخارجية الاردنية ماتزال بخير، وتأخذ منحى آمنا ضمن معادلات الامكانات المتاحة وتعقيد المشهد الاقليمي وعصيانه على التنبؤ. المشكلة بتقديرنا ان الدبلوماسية الاردنية اخذت طابعا خجولا وهادئا في الآونة الاخيرة ما اعطى الانطباع انها غير قديرة او مدركة لحجم التحدي السياسي الخارجي الهائل الرابض امامها. هذه مشكلة بحد ذاتها لان الاردن يعرّف ضمن حراكه السياسي الخارجي النشط، وهي القيمة المضافة المثلى والعليا، التي جعلت وزن الاردن السياسي اكبر بكثير من حجم الاوراق الضاغطة لديه.

المعضلة الاخرى بتقديرنا ان سياستنا الخارجية عانت في الآونة الاخيرة من البعثرة البيروقراطية، حيث ان مرجعياتها تعددت ما جعلها تسير باتجاه الحذر والتردد، وبالتالي ازداد عدد الناصحين والناقدين.

مانزال نعتقد ان معادلات الربح والخسارة هي التي تعرف السياسة الخارجية الاردنية ونعتقد ان مواقف الاردن غير محفزة بمنهجية "مع من يجب ان نقف"، ضمن ثنائية الممانعة والاعتدال، وان مواقفه وان حدث ان اقتربت من المعتدلين او الغربيين فهي نتاج تفكير سياسي لمصلحة الاردن، وينسجم مع تاريخ السياسة الخارجية الاردنية ومنظومتها القيمية، وضمن ابجدية انسجام الاردن مع نفسه وثوبه في بناء قراره السياسي الخارجي، وليس محاباة لأي كان.  

mohamed.momani@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الأردن (heba salman)

    الأحد 22 حزيران / يونيو 2008.
    نشكر الدكتور محمد على التحليل الممتاز الذي أصاب به عين الحقيقة، ان مرتكزات السياسة الاردنيةالخارجية تقوم على التوازن والاعتدال والهدوء ورفض العنف والتطرف لذلك يبقى الاردن ذو موقع استراتيجي و علاقاته بالدول الشقيقة متينة وراسخة، والموقف الاردني تجاه قضاياه الخارجية السياسية لا يمر بأزمة فعلية بل بحالة سكون لأن الفترة السياسية تتطلب ذلك لكن ما نحتاجه هو الجدية في التعامل مع العالم.