هل يصحّ رفع القيود عن "مجاهدي خلق" الإيرانية في العراق؟

تم نشره في السبت 21 حزيران / يونيو 2008. 03:00 صباحاً

ارتفعت في الآونة الأخيرة أصوات في العراق تطالب برفع القيود عن منظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة ومساعدتها للعودة الى العمل ضد النظام الديني في إيران إنطلاقاً من الأراضي العراقية. في هذا المنحى، عقدت أكثر من 150 منظمة وقوة سياسية عراقية ورؤساء عشائر من جنوب العراق، قبل نحو اسبوع، اجتماعاً موسعاً في معسكر (أشرف) التدريبي التابع للمنظمة في محافظة ديالى. وتركزت مداولات الاجتماع الذي جاء في إطار المؤتمر الرابع لمجاهدي خلق، على مطالبة الأميركيين والحكومة العراقية بالسماح للمنظمة باستئناف نشاطاتها في العراق.

قبل هذا وذاك، عبّر المشاركون في الاجتماع عن استيائهم الشديد من استمرار الحكومة الإيرانية في تدخلاتها الخفية والعلنية في الشأن الداخلي العراقي. وكان طبيعياً أن ينتهي التعبير عن الاستياء الى المطالبة برفع الحظر المفروض على النشاطات السياسية والعسكرية والإعلامية لمجاهدي خلق في العراق منذ إطاحة النظام السابق في نيسان عام 2003. يشار الى ان النظام العراقي السابق سمح لمقاتلي مجاهدي خلق، في سنوات الحرب العراقية الإيرانية، بالعمل العلني في العراق وفتح معسكرات خاصة في مناطق حدودية قريبة من إيران لشن هجمات عبر الحدود ضد القوات الإيرانية وأجهزتها الأمنية وذلك بالتنسيق مع القوات العسكرية والإستخباراتية العراقية.

بعد انتهاء الحرب عام 1988، حددت بغداد النشاطات العلنية للمنظمة، لكنها لم تمنعها من الاتصال بالعالم الخارجي عبر المطارات العراقية والاحتفاظ بأسلحتها ومعسكراتها. في الواقع، أراد العراق من احتفاظه بعلاقاته مع مجاهدي خلق، موازنة دعم إيران لمجموعات في المعارضة العراقية، خصوصاً المجلس الإسلامي الأعلى بزعامة الراحل محمد باقر الحكيم. في ما بعد، بادر النظام العراقي السابق الى تزويد المنظمة بعدد من الدبابات والمدرعات والأسلحة الثقيلة التي غنمها في الحرب ضد إيران. بل إن تقارير صحافية عدة تحدثت عن مشاركة مقاتليها في النشاط الأمني لحكومة صدام حسين.

حينما انتشرت القوات الأميركية في العراق إثر سقوط النظام السابق في التاسع من نيسان عام 2003، تغيرت صورة العلاقات بين بغداد ومجاهدي خلق. إذ أقدم الجيش الأميركي على نزع اسلحة مقاتليها ومصادرة اسلحتها المتوسطة والثقيلة ومنع أفرادها من التحرك السياسي والإعلامي، إضافة الى جمعهم في معسكر كبير واحد هو معسكر أشرف تحت حراسة أميركية شديدة. لكن اللافت أن الأميركيين لم يقدموا على طرد المنظمة أو إخراجها من العراق. بل لم يضيقوا عليها بشكل يدعوها الى التذمر والخروج الطوعي من العراق، ما دفع بكثيرين الى الاعتقاد أن واشنطن لا تريد المس بالمنظمة الإيرانية المعارضة لرغبتها في استخدام وجودها في العراق ورقة ضغط على موقف طهران في إطار صراعاتهما المتبادلة.

أما بالنسبة الى العراقيين، فالواضح أنهم ظلوا يشتكون من وجود مقاتلي مجاهدي خلق على أراضيهم طوال السنوات التي سبقت إطاحة نظام صدام حسين. لكن مع تزايد وتيرة النفوذ الإيراني وتصاعد الصراعات السياسية وتفاقم التدهور الأمني في العراق، أخذت أوساط بينهم ترى ضرورة اللجوء الى استخدام وسائل عقابية وإنتقامية ضد إيران وذلك عبر العودة الى إحياء دور منظمة مجاهدي خلق. مع هذا، لا يستبعد أكثر من مراقب سياسي عراقي أن تكون الولايات المتحدة لعبت دوراً أساسياً من وراء الستار في تسهيل عقد الاجتماع وحراسته وتأمين مستلزماته الأمنية، خصوصاً أن الخلافات الأميركية الإيرانية في خصوص ملفي البرنامج النووي الإيراني والملف الأمني العراقي وصلت مرحلة خطرة ومتفاقمة.

هنا، يصح طرح أسئلة من بينها: هل من الحكمة في شيء أو من مصلحة العراق، أن تدعو القوى السياسية العراقية الى رفع القيود عن نشاطات مجاهدي خلق في العراق؟ هل يمكن لدعوات كهذه أن توقف، بالفعل، نفوذ إيران في العراق؟ أين يكمن الحل أو وقف هذا النفوذ؟ هل في إطلاق موجة تدخلات عراقية متقابلة ام في إنتهاج طريق للتفاوض والحوارات السلمية مع الإيرانيين؟ ثم إذا كان مبرراً للأميركيين الحديث عن تحريك عوامل داخلية إيرانية ضد النظام في طهران، لأسباب تتعلق بصراعاتهم المريرة، فهل تصح التبريرات نفسها لعراقيين منهمكين في إقامة دولة ديمقراطية متسامحة ومتطلعة للسلم والاستقرار والتنمية مع الفضاء الإقليمي، أن يعودوا الى ثقافة الانتقام والثأر وصب مزيد من الزيت على الاحقاد والتوترات التاريخية بين دولتين دخلتا حروباً ونزاعات كثيرة آخرها الحرب التي دامت ثماني سنوات؟

في الواقع، لا تحسن إيران صنعاً بتدخلها في الشأن الداخلي العراقي. بل إن استمرار تدخلاتها يمكن، في المطاف النهائي، أن يتحول الى مصدر لتسخين قنوات العداء بين الدولتين. لهذا يجب وقفها والبحث عن وسائل عملية للتطبيع مع العراقيين. كذلك، المفترض أن تعمل إيران على الفصل بين صراعاتها مع واشنطن وعلاقاتها مع العراقيين. لكن في المقابل، سترتكب بغداد خطأ جسيماً إذا زجت بنفسها في أتون سياسة التدخلات الإقليمية وألاعيب دعم المجموعات المسلحة ضد الدول المجاورة. ثم إذا كان مبرراً للعراقيين أن يدعموا مجاهدي خلق ضد إيران، ماذا سيمنع مجموعات عراقية أخرى، الأكراد على سبيل المثال، من دعم حزب العمال الكردستاني ضد تركيا؟ والأهم، كيف يمكن لعراق يحاول تصفية الميليشيات والمجموعات العراقية المسلحة غير الشرعية أن يدعم مجموعات مسلحة غير عراقية وغير شرعية لشن اعتداءات ضد الآخرين؟

في الحقيقة، ارتكب الأميركيون عدداً من الأخطاء الكبيرة في العراق. الموقف المتساهل حيال مجاهدي خلق هو أحد أهم هذه الأخطاء. لهذا ينبغي أن يلعب العراقيون دوراً حيوياً في ثنيهم عن المضي في هذا الخطأ، وإقناع واشنطن بالتخلي عن استخدام الأراضي العراقية لتمرير رسائل الى الآخرين. كذلك، ينبغي إقناع طهران بإصدار عفو حقيقي عن مقاتلي هذه المنظمة والسماح لهم بالعودة الى بلادهم والاندماج في الحياة العامة من دون مشكلات قانونية أو سياسية.

في الواقع، قد لا نحتاج سوى الى قليل من الروية والتمعن لنعرف أن اللجوء الى شحذ أسلحة التدخل في شؤون الآخرين لم يؤد، في رقعتنا الجغرافية الشرق أوسطية، سوى الى الدمار والهلاك وبحور الدماء. لا أدل على هذا من أمثلة كالتدخل السوري والإيراني في لبنان، والتدخل الباكستاني في أفغانستان والهند، والتدخل التركي في العراق، والتدخل العراقي (في عهد صدام حسين) في إيران. فهل يعتزم عراقيون لم يجدوا موقعاً لعقد اجتماع لهم سوى قاعات معسكر أشرف، أن يخوضوا، ثانية، مستنقع الاخطاء الدموية القاتلة التي ارتكبها قبلهم صدام حسين؟

سياسي ومحلل سياسي كردي

التعليق