د.باسم الطويسي

المؤرخ والدولة

تم نشره في السبت 14 حزيران / يونيو 2008. 02:00 صباحاً

برحيل المؤرخ الأردني الكبير سليمان الموسى تفقد الحياة الثقافية والأكاديمية الأردنية والعربية احد أبرز رموز النخبة الأردنية التي أسست الخطاب التاريخي والثقافي للدولة الأردنية وبلورته على مدى سبعة عقود خلت، وربما ستثبت الوقائع والأيام أن المرحوم الموسى هو الأهم بين النخبة الثقافية المؤسسة لخطاب الدولة، وهذا ما يبقى بعدما يذهب عن الكثيرين سحر السلطة وتبقى الوثيقة.

من المصادفات المدهشة ان ميلاد سليمان الموسى في مطلع العقد الثاني من القرن العشرين تزامن مع ميلاد الدولة الأردنية، نحن أمام مؤرخ بعمر الدولة، ومن الطراز النادر لمؤرخي الدولة بمفهوم الدولة الناضجة وقيمها الحقيقية، ولم يكن في يوم من مؤرخي السلطة أو الحكومات على الرغم من الوسم الإيديولوجي الذي طالما وسمت به طلائع النخبة الأردنية الأولى، وهذا ما تقوله سيرة الفلاح البسيط الذي شق دروب الحياة والمعرفة من قريته الرفيد في أقصى شمال الأردن موظفاً صغيراً يكد ويجتهد في نيل المعرفة وتتبع الحقائق والوقائع، من دون ان تلاحقه مناصب أو تغدق عليه الغنائم.

توصف الرواية التاريخية التي وثقها الموسى عادة بأنها الأقرب إلى الرواية الرسمية، ولأن بلادنا افتقدت لمراحل عديدة حتى الرواية الرسمية، تعرضت مؤلفات الموسى لهجمة من الايديولوجيين العرب في زمن الحروب العربية الباردة في الوقت الذي كان مؤرخنا يستدين لكي يصرف على تعليم أبنائه، لقد هضم حق الموسى في إنزاله مكانه الحقيقي في فضاء الثقافة العربية، ولم تشتغل عليه مكانة دعائية محلية، ولم تغدق عليه ولا على أبنائه المناصب أو المواقع الرسمية، فقد مثل بالفعل سيرة من العصامية والنبُل والعطاء، ولا يوازي ذلك إلا إيمانه بالدولة الأردنية وبفكرة الدولة في الأصل ودور المؤرخ نحوها.

توصف سيرة الأستاذ سليمان الموسى بأنها دشنت البدايات في ملامح عديدة شكلت روح الدولة ومنها استمدت الحياة الثقافية بعض ملامحها أيضاً، فهو المؤسس الحقيقي للكتابة التاريخية حول الأردن، وهو أول من التفت إلى قيمة الوثيقة وعني بها، وأول من حول الوثائق والسجلات الرسمية دفاتر للتاريخ، كما هو أول من التفت إلى توثيق الحركات الاجتماعية في الريف الأردني بكل مضامينها السياسية والاجتماعية، وهو أول من نقل روايات البدو والفلاحين وجيشهم في حروب العرب حينما أنكرها الكثيرون.

قيمة المؤرخ تأتي من قيمة التاريخ في بنية الدولة وفي وعي نخبها، وفي صياغة خطاب الدولة للعالم ولمجتمعها، والتاريخ تعده مدارس العلاقات الدولية والاستراتيجيا المعاصرة احد عناصر قوة الدولة الحساسة، وهو المصدر الأساسي لصياغة الاندماج الاجتماعي والتوحد خلف الأهداف وبناء الهوية، والدول الناضجة التي تحتفي بتاريخها ومؤرخيها هي التي تتخلص من التاريخ العبء وتحوله إلى تاريخ حافز وقوة للتغير والتقدم إلى الأمام؛ في منتصف الثمانينيات ودعت فرنسا مؤرخها الكبير فرناند بروديل صاحب المؤلفات العظيمة حول الحقب الطويلة وتاريخ فرنسا وتاريخ البحر المتوسط بحفاوة حُسد عليها، وقبل وفاته بأشهر كان بروديل ضيف المساء على احدى القنوات الفرنسية حينها قيل ان شوارع باريس خلت من المارة.

التحية الحقيقية لسليمان الموسى وللآخرين الذين مضوا على هذا الطريق اولئك الذين ميزوا بين الدولة وأدوات السلطة وحينما كانت تتغول الأخيرة على الأولى قالوا كلماتهم أو صمتوا، هذه التحية تتجسد في الوفاء لهذا التراث الكبير الذي خلفه هؤلاء، وتتجسد هذه التحية بالالتفات الحقيقي، والاستدارة العارفة نحو إعادة صياغة خطاب الدولة وبلورة قيمها، بعيداً عن صراعات النخب والحكومات وبعيداً عن المصادرة والإقصاء والمحو، فالدولة العاقلة والواثقة تحرص على تاريخها حرصاً على مستقبل أجيالها. 

[email protected]

التعليق