محمد أبو رمان

المالكي في عمان: البحث عن الحاضنة العربية

تم نشره في الخميس 12 حزيران / يونيو 2008. 03:00 صباحاً

تمثل زيارة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، فرصة ثمينة ومناسبة لتطوير العلاقات الأردنية العراقية والدفع بها إلى الأمام في مصلحة الشعبين والدولتين، بعد سنوات من الشكوك المتبادلة التي طغت على طبيعة العلاقة بين الطرفين، بصورة خاصة بعد احتلال العراق.

دلالة هذه الزيارة، واختلافها عن الزيارات السابقة للمسؤولين العراقيين، تكمن في لحظة التحول الحالية في المشهد السياسي العراقي، سواء داخل المجتمع الشيعي أو السني.

فالمالكي، يمثل أحد أكبر الأحزاب الشيعية العراقية، حزب الدعوة، وقد دخل في مواجهة مفتوحة مع ميليشيات الصدر، التي لعبت دوراً سيئاً في قتل السنة وتهجيرهم وفي عمليات التطهير الطائفي التي شهدتها بغداد وبعض المناطق الأخرى.

طهران لم تكن راضية عن العمليات العسكرية ضد جيش المهدي، وبدأت علامات الاستفهام تطرح عن علاقتها بالعديد من القوى الشيعية العراقية، التي باتت تدرك بدورها أنّ المصلحة الإيرانية لا تكمن باستقرار الأوضاع السياسية والأمنية في العراق. ولم تفلح زيارة المالكي إلى طهران، ولا لقاؤه بمفاتيح القرار هناك في الحد من الغضب الإيراني أو التقليل من حجم الفجوة البادية بين الطرفين. وهو ما عكسته تصريحات لمسؤولين إيرانيين.

لا يخفي مسؤول كبير في الحزب الإسلامي العراقي التغيرات الجديدة الكبيرة في المشهد العراقي، ويرى أن المالكي اليوم يختلف كثيراً عن المالكي قبل سنوات، وأنه يمر بأزمة حقيقية سواء في علاقته مع التيار الصدري النافذ في العديد من المناطق، أو في علاقته مع الجعفري الذي انشق مؤخراً عنه مؤسساً التيار الوطني للإصلاح، بالإضافة إلى الإشكاليات الجديدة مع طهران.

على الجهة المقابلة؛ فإنّ المجتمع السني أيضاً يشهد تحولاً كبيراً ونوعياً، بعد انحسار المقاومة المسلحة، والتراجع الكبير لتنظيم القاعدة، واتجاه التيار العريض من القوى السنية إلى العمل السياسي، من خلال تشكيل كيانات جديدة نجم أغلبها عن الصحوات السنية، وتبحث اليوم عن موقع لها في العملية السياسية الجارية، وهو بالضرورة ما سيؤثر على حصص القوى السنية في الحياة السياسية.

يؤكد أبو عزام التميمي، قائد صحوة أبو غريب، وهو من أبرز الشخصيات في كيان "الكرامة الوطنية"، وأحد القادة الميدانيين في المقاومة العراقية سابقاً، أنّ هنالك تحسناً كبيراً في الوضع الأمني، وتحديداً في بغداد، وأنّ أعدادا كبيرة من السنة دخلوا في الجيش، كما أنّ التوتر الأمني والعسكري انتقل في أغلبه من المناطق السنية إلى المناطق الشيعية.

وتذهب أغلب المؤشرات أنّ المجتمعين السني والشيعي في العراق يمران بحالة من "التشظي السياسي"، وهي  الحالة التي سبقتها صراعات مسلحة داخل كل طائفة، سواء بين الجيش العراقي وجيش المهدي أو بين الفصائل المسلحة ثم الصحوات السنية وبين القاعدة.

النتيجة الرئيسة لحالة "التشظي السياسي" الحالية تتمثل في محاولة أطراف وقوى داخل كل من السنة والشيعة بعقد تحالفات أو تفاهمات مع قوى على الطرف السياسي الآخر، للمشاركة في استحقاق الانتخابات المحلية المفترض أن تتم في تشرين الثاني (نوفمير) العام الحالي أو الانتخابات النيابية العام القادم.

في هذا السياق من التحولات السياسية؛ فإنّ المالكي اليوم يبدو مستعداً ومهيأً لمدِّ يده لقوى رئيسة داخل المجتمع السني والتحالف معها تمهيداً للمرحلة القادمة، وكذلك في إعادة بناء الجسور مع الدول العربية التي تتوافق مع أجندته، بخاصة استقرار العراق واتساع العملية السياسية لتشمل الجميع.

إذن؛ هنالك مجال خصب لدبلوماسية أردنية متميزة تجاه العراق، وهنالك مساحات مشتركة واسعة بين الطرفين؛ في مقدمتها أنّ المصلحة الحيوية الأردنية تتمثل باستقرار العراق ووحدة أراضيه، وهي الأرضية السياسية التي يمكن الالتقاء عليها مع المالكي، بالإضافة إلى المصالح الاقتصادية المتبادلة والاعتبارات الأمنية الاستراتيجية.

ثمة صورة مغلوطة سادت داخل العراق، وتحديداً في المجتمع العربي الشيعي، عن الدور الأردني الرسمي، ما أدى إلى تنامي التيار المعادي للأردن داخل هذه القوى والإضرار بمصالحه وسمعته. واليوم يمكن تصحيح ذلك ومدّ الأيدي لحكومة المالكي أو أية حكومة عراقية قادمة، والعمل على تعميق الصلة بالقوى العراقية المختلفة.

كما أنّ هنالك فرصةً مناسبة لدور أردني إيجابي في ترتيب البيت السني، ودعم القوى السنية التي اتجهت إلى العمل السياسي وتوفير مظلاّت خارجية لها، لتشارك في الانتخابات القادمة وتُحسّن من شروط إدماج السنة في اللعبة السياسية وفي إصلاح المؤسسات العسكرية والأمنية، وليس من المصلحة بمكان اكتفاء الأردن بدعم أطراف معينة من دون أخرى.

عودة السفير الأردني قريباً للعراق بمثابة رسالة إيجابية ذات دلالة، تتوازى مع بناء جسور من الثقة والمصداقية والعلاقات الإيجابية بين الدولتين، بدلاً من الاستماع إلى اصوات المتطرفين هنا وهناك، والتي لا تساهم إلا بعزل العرب عن العراق، وتعزيز الهواجس الشيعية.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق