نحو عقد اجتماعي جديد: أفكار سياسية للمراجعة

تم نشره في الثلاثاء 10 حزيران / يونيو 2008. 03:00 صباحاً

تحليل سياسي

 

تكاثرت الأحاديث والكتابات في الآونة الاخيرة, التي تتحدث عن ضرورة مراجعة سياساتنا الخارجية والداخلية, وعن سبل تحصين الجبهة الداخلية في وجه العاتيات من الايام القادمة, بسبب الازمة الاقتصادية والاجتماعية الطاحنة والضاغطة بقوة على مستوى معيشة الغالبية العظمى من المواطنين. وتزامن الضغط العالي على الجبهة الاقتصادية الاجتماعية, مع انسداد أفق الحل السياسي على مسار المفاوضات الفلسطينية - الاسرائيلية. والخشية من البحث عن حلول جديدة على حساب الاردن ومصالحه العليا. وذهب بعضهم في تفسير "الضغوطات الاقتصادية " على الاردن وعدم تعاون اطراف عربية عديدة "منا وفينا" في المساهمة في التخفيف من الضغوطات التي يتعرض لها الاقتصاد الاردني وموازنة الدولة, باعتباره مقدمة لضغوط سياسية قادمة, لدفع الاردن للقبول بالخيار الاردني والتقاسم الوظيفي او الكونفدرالية المنقوصة السيادة مع الضفة الغربية او جزء فيها.

وقد حفز لقاء الملك مع عدد من الشخصيات السياسية والبرلمانية والاعلامية الاردنية أواخر الشهر الماضي الحوار والنقاش, لما رشح من اجواء اللقاء, من تشاؤم رسمي في امكانية التوصل الى تسوية سياسية فلسطينية - اسرائيلية على اساس الدولتين في المدى المنظور, وشعور معسكر الاعتدال العربي بالخذلان من تحالفه ورهاناته على الولايات المتحدة والغرب عموما.

وجاءت الاحداث اللاحقة لتضغط اكثر باتجاه المراجعة السياسية الشاملة, وبخاصة بعد المكاسب السياسية التي حققها حزب الله والمعارضة اللبنانية في اتفاق "الدوحة" وما فسر على انه انتصار لمعسكر "الممانعة" الاقليمي. والكشف عن المفاوضات غير المباشرة بين سورية واسرائيل بوساطة تركية بعيدا عن علم العرب - ناهيك عن وساطتهم- وبموازاة المفاوضات الفلسطينية - الاسرائيلية.

وقد عكس هذا التفرد السوري في ادارة المفاوضات مع اسرائيل, من حيث الشكل والتوقيت, عميق ازمة الثقة والخلافات العربية, التي تعدت مرحلة التباين في الموقف والتحالفات, ودخلت مرحلة المناورات الاستراتيجية المنفردة والموازية, وما يلحقه ذلك من اضرار تتوزع على الاطراف العربية وتحقق للاسرائيلي المناخ المناسب للتملص والمقايضة والمفاضلة مع المتهافتين علي مائدة المفاوضات في دمشق ورام الله وغزة.

وقد ظهرت افكار عديدة في اطار الدعوة لمراجعة سياستنا الداخلية والخارجية من لدن كل الجهات والجبهات والكتاب واجمعت كل دعوات المراجعة على اختلافها واحيانا تناقضها على اهمية الاعتماد على الذات والاهتمام بشؤون الجبهة الداخلية والعمل على تمتينها وتصليبها لمواجهة المتغيرات وضغوط المرحلة القادمة.

واهم ما استوقفني في دعوات المراجعة, الدعوة الى مراجعة العلاقة الاردنية مع المجتمع الفلسطيني في الضفة والقطاع والدعوة الى اشراك الاردنيين من اصول فلسطينية في صناعة القرار الوطني الاردني.

حقا انها دعوة تستحق المراجعة والبحث والدراسة بعيدا عن التهويش والاثارة والتعصب, وبعقول وقلوب مفتوحة.

انها دعوة الى التفكير الاستراتيجي بالمصالح الوطنية الاردنية والفلسطينية على حد سواء. دعوة تستهدف المساهمة في الدفاع عن مصالح الشعب الفلسطيني وحقه المشروع في اقامة دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس. لان المصلحة الوطنية الاردنية العليا, كما قال الملك في اللقاء المشار اليه, هو ان تكون حدودنا مع الدولة الفلسطينية وليس مع اسرائيل.

الدعوة الى مراجعة العلاقة مع المجتمع الفلسطيني في الداخل يجب ان تستهدف الى جانب العلاقة الرسمية مع السلطة الانفتاح على القوى السياسية والاجتماعية والنقابية الفلسطينية ومحاورتها وتصليب عودها لرفض ومقاومة الحلول التصفوية للقضية الفلسطينية الى جانب ان توثيق العلاقة الاجتماعية والسياسية مع الداخل الفلسطيني يستجيب لحالة التداخل والترابط. والتلاحم بين الشعبين الشقيقين الاردني والفلسطيني, تلك الروابط التي لا يمكن ان يلغيها اي اتفاق او مشروع سياسي لا يعرب عنها آجلا أم عاجلا. لقد كرس الراحل الكبير ياسر عرفات بإصرار وعناد مشروعية القرار الوطني الفلسطيني المستقل. ومن فرط حساسيته ازاء عودة التأثير على القرار الفلسطيني كان رحمه الله يتحسس من اي اتصال اردني او عربي مع اي قيادي او فرد فلسطيني, من خارج قنواته السياسية التي كانت مفرطة في حساسيتها تجاه الاردن. مما جعل القيادة الاردنية لا تفكر او تشجع مثل هذه العلاقات او الروابط. وكان ثمة من يدعي في ذلك الحين ان الادارة الاردنية تتعامل مع سكان الضفة والقطاع من زاوية الملف الامني بتفرعاته المختلفة, ولم تكن تعير اهتماما للعلاقة البينية بين الاردن بمكوناته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمجتمع الفلسطيني بمكوناته الموازية.

وكان يجري تداول لكلام عن اعتماد السياسة الاردنية على علاقات فردية مع زعامات منزوعة الشعبية, مطعون بدوافع علاقاتها الخاصة مع الدولة الاردنية.

ولن انسى ذات يوم كنت في لقاء مع الرئيس عرفات عام 1996 وكان يحضر اللقاء آخرون من بينهم من الجانب الفلسطيني السيد هاني الحسن, وتحدثت امام الرئيس الراحل عن اهمية بناء علاقات بين شعبينا تتعدى العلاقة الرسمية الفوقية وحسابات اللحظة السياسية وتقلباتها واسهبت في شرح الفكرة, وقد فاجأني صمت الرئيس الراحل وعدم التعليق على كلامي ولو بكلمة مجاملة واحدة. وجاء التعليق من السيد هاني الحسن عقب انتهاء اللقاء مشيدا بوجهة نظري!!

الان وقد تغير المشهد الفلسطيني تماما وتبددت الهواجس الرسمية الفلسطينية من اطماع العودة لضم الضفة الغربية الى الاردن.

وقد اتضح ان الاسرائيلي يقاوم حل الدولتين الذي يضمن المصالح المشتركة للاردنيين والفلسطينيين, فإن المصلحة المشتركة تقضي بإعادة النظر في العلاقات الاردنية الفلسطينية بكل ابعادها وتشعباتها وعدم الاكتفاء بالعلاقات البرتوكولية مع قيادة السلطة الوطنية والعمل من اجل علاقة تسعى لتمتين الروابط مع القوى والتيارات والفعاليات الفلسطينية المعارضة لتصفية القضية الفلسطينية وحلها على حساب الاردن وبغير مصلحة الشعب الفلسطيني. انا لا افهم لماذا لا يقيم النواب والاحزاب والنقابات والجمعيات علاقات تواصل ونشاطات مشتركة تبحث في الهموم المشتركة وبتداخل المصالح وحتى في افاق العلاقة المستقبلية بين الشعبين. انا لا افهم لم هذا الجليد المتراكم بين المؤسسات الاهلية والسياسية في اوساط كلا الشعبين.

قد يقال بأن الاحتلال يعيق التواصل ويقيد الحركة, وهذا صحيح, لكن يجب ان لا نعدم الوسائل لتخطي هذه الحواجز. ويجب عدم الاستسلام لمعوقات الاحتلال او ربما لعدم تشجيع بعض التيارات السياسية الفلسطينية هذا الذي اشير إليه لا يرتقي لدور التدخل في الشؤون الداخلية الفلسطينية. وفي المقابل فإنني أعتقد أن زمن الخوف من تأثيرات فلسطينية خارجية فإنني أعتقد أن زمن الخوف من تأثيرات فلسطينية خارجية على الاردنيين من اصل فلسطيني قد ولى, وانهم اليوم الاردنيون من اصل فلسطيني- بالرغم من كل شيء يعيشون حالة انسجام كامل مع الدولة الاردنية ومصالحها ويفتخرون بمواطنتهم الاردنية ويتطلعون الى دور اكثر فعالية في صناعة القرار باعتبارهم جزءا من نسيجها الاجتماعي الموحد.

وهذا يقودنا للحديث بنفس الصراحة والشفافية والمكاشفة عن أهمية تجسيد معنى المواطنة بكل تجلياتها, كمدخل لتحقيق العدالة والمساواة بين ابناء الشعب الاردني الواحد بغض النظر عن الاصول والمنابب.

الشعور بالعدالة والمساواة وحده ما يمكن أن يوفر أعلى درجات الحصانة والمناعة للجبهة الداخلية.

إن المراجعة بهذا الاتجاه تقضي بإعادة النظر في كثير من التشريعات والسياسات والتعليمات والأعراف.

* نائب وسياسي أردني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رأي (احمد)

    الثلاثاء 10 حزيران / يونيو 2008.
    (ويتطلعون الى دور اكثر فعالية في صناعة القرار باعتبارهم جزءا من نسيجها الاجتماعي الموحد)
    هذا هو لب الموضوع وهو الاجابه على سؤال التالي ماهو الدليل على تخلي الفلسطينين عن حق العوده فتكون الاجابه واضحه انهم تخلوا عن هذا الحق تماما وانخرطوا في المجتمع الاردني وهم يتطلعون الى دور اكثر فعاليه في صناعة القرار الاردني.

    قد يكون هذا الكلام موضوعي جدا وهو الموجود على ارض الواقع الاانه يوجد اكثر من فاعل يشد باتجاه عكسي حتى لا تظهر هذه الحقيقه امام الناس بكل تجليلتها وهذه القوى مؤثره لدرجة انها قادره على التعميه على هذه الحقائق وعندما يعلن اي فرد في المجتمع الاردني قناعته لهكذا طرح تبدا عناصر القوى الثلاثه بالتكاتف ضده من اجل احباط مسعاه حتى مجرد الحديث في مثل هذا الموضوع.

    نعم ياعزيزي بسام من المستحيل ان يكون هناك دوله حضاريه دون ان يحصل جميع الموجودين فيها على حق المواطنه وحق المواطنه بالتأكيد يتبعه واجب الانتماء للدوله اما الذين يعتقدون ان الجزء المغيب من هذا الشعب هو فقط دافع ضرائب فهذا لن يستمر طويلا وان لم نكشف عن خرجاتنا بشكل مرحلي ستخرج لنا هذه الخرجات كمرض يصعب معالجته في حينه.