د.باسم الطويسي

قانون الجمعيات وقضية الكحل والعمى

تم نشره في الثلاثاء 10 حزيران / يونيو 2008. 02:00 صباحاً

يمثل قانون الجمعيات الجديد الذي أحالته الحكومة إلى مجلس النواب والذي أحاله بدوره على لجانه المتخصصة صورة واضحة للإدارة اليومية لمقاصد استراتيجية في إدارة الدولة، فالقانون الذي طال انتظاره، وطالت المطالبات بتعديل نسخته القديمة يُقدم اليوم بصورة مستعجلة همها الإجابة عن أسئلة آنية ذات محمول سياسي لا أكثر، وبينما يعتقد البعض انه يحل مشكلة مع جهة ما فإن هذا القانون يشرع الأبواب لمشاكل عديدة منتظرة.

يعد القانون القديم لعام 1966، الذي مر عليه 42 عاماً، متقدما على القانون المطروح حاليا، والذي من خلاله تم ترخيص مئات الجمعيات والهيئات الإجتماعية والثقافية التي حملت مضامين متعددة ومتباينة من جمعيات ومراكز الإخوان المسلمين إلى جمعيات ذات مضامين سياسية غطيت بغطاء العمل الإجتماعي والثقافي، وصولا الى جمعية تعتمد العمل الخيري البسيط في أحدى قرى الشمال وتعيل عشرات الأرامل والأيتام ولا صلة لها بعمان، الى منتدى ثقافي من دون مقر أو مكاتب تنتشر نماذجه وسط البلاد وشمالها وجنوبها ويعد المتنفس الوحيد الذي من خلاله يتبادل الناس الكلام.

المهم أنه على مدى العقود الماضية ترسخت قناعة بضرورة وجود قوانين عصرية لتنظيم وإدارة المجتمع المدني الأردني بهدف تعظيم دوره في الحياة العامة وتحويله إلى أداة حقيقية ورافعة قوية للتنمية، هذه القناعة ترسخت مع ازدحام هذه المؤسسات وتنوع أغراضها وازدياد حجم الفوضى وتدني المردود المجتمعي والتنموي للكثير منها. والعاملون في العمل التطوعي والمدني الحقيقي وليس السياسي يعلمون جيدا ان السياسة لها منابر أخرى ولها أطرها التنظيمية المختلفة، لذا هم من طالب بتطوير التشريعات الخاصة بالعمل الخيري والتطوعي وتحديد مكانته الحقيقية في الفضاء المدني. ولم يكن يدر في بالهم أن الكحل المنتظر سيتحول إلى عمى يهدد بفقدان الرؤية في هذا المجال.

هناك جمعية واحدة في الأردن مرخصة، وفق قانون الجمعيات الخيرية القديم، ويشار عادة إلى مضامين سياسية في ممارسات القائمين عليها وفي بعض أنشطتهم، وهذا الأمر ربما يحسمه القانون والقضاء، ولا يعقل أن تعاقب مئات الجمعيات الخيرية والهيئات الثقافية التي تسد فراغا كبيرا تقصير مؤسسات الدولة لمجرد إسكات هذا الصوت أو ذاك أو لمجرد العجز عن مواجهة جهة ما بأدوات السياسة اليومية.

أوجه التحفظات العقلانية التي تبديها أصوات في المجتمع المدني على القانون الجديد تتجاوز مسألة التمويل الأجنبي إلى موضوعات أهم من ذلك، تثبت ان القانون المنظور أمام البرلمان  يتناقض مع فكرة العمل المدني أو فكرة العمل الاجتماعي والثقافي التطوعي، فمواد القانون تحول هذه الجمعيات إلى مجرد مرافق تابعة للوزارات وتفقدها أبسط معاني الاستقلالية وتمنح الوزارات صفة الضابطة العدلية.

وكما وصفت أحكام القانون فإنها تلوح مسبقاً بالتشكيك بذمة القائمين على هذه المنظمات، ومن الأمثلة على هذه البنود التي تفقد العمل المدني والتطوعي استقلاله وأبجدياته الأولى نجد عدم إقرار نتائج أي اجتماع للهيئة العامة أو الإدارية المنتخبة في الأصل ما لم يوافق على تلك النتائج الوزير، بمعني ان هذه المؤسسات لن تستطع عمل شيء من دون ان يمر من بوابة الوزراء، كذلك التضييق على حق الاجتماع ضمن أطر هيئات الجمعية، ومنع فتح فروع للجمعية أو المنظمة في المحافظات أو المدن الأخرى. والمفارقة الأخرى أن القانون الجديد يجرد الهيئة العامة للجمعية من حقوقها في المساءلة والرقابة والتقييم أي تفريغ هذه المؤسسات من جوهر العمل الديمقراطي الأهلي.

في العالم المعاصر يعد القطاع الثالث أي المجتمع المدني من منظمات وهيئات أهلية ومدنية تطوعية قوة تحرس الدولة، وهو المؤهل لقيادة العالم قريبا، هو الذي يمارس اليوم أدواراً هي الأكثر تأثيراً في مستقبل المجتمعات، وليس المجال لطرح الأمثلة الدالة على حجم المصالح التي حققتها مجتمعات عديدة حينما وظفت الحكمة والعقلانية في تنمية هذا القطاع فأكثر الجامعات عراقة في العالم  أسستها  جمعيات خيرية، وهناك بنوك عملاقة بدأت بجمعيات خيرية صغيرة ومشاريع ثقافية غيرت مسارات مجتمعات بأكملها، بدأها متطوعون حالمون وعقلانيون من دون قيود.

وفي مجال الحديث عن الإصلاحات التشريعية كان الأجدر الانتباه الى مفاصل أخرى في مجال تنظيم المجتمع المدني تحتاج إصلاحات تشريعية عاجلة، فهناك محاولة هيمنة تقليدية من القطاع العام على القطاع الأهلي والقانون الجديد وهو أحدى موجاتها، لكن الأمر الذي لا يرغب الكثيرون في الحديث حوله هو محاولة هيمنة القطاع الخاص هو الآخر على القطاع الأهلي، فلقد لاحظنا خلال السنوات القليلة الماضية نمو أنشطة واسعة لشركات تسجل على أساس أنها غير ربحية وتمارس التجارة والإثراء من خلال اشتغالها  في حيز العمل الأهلي أو العمل الثقافي وتغرف من التمويل الأجنبي تحت عباءة العمل المدني والأهلي وتعزف اللحن المطلوب ويصفق لها الكثيرون.

البلد بحاجة ماسة لتعظيم دور المجتمع المدني والقطاع التطوعي، وهذا القطاع بحاجة إلى تنظيم حقيقي وجدي، والحاجة الأهم للطرفين الإيمان بأن المجتمع المدني القوي هو رمز للدولة القوية.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حجة الاعمى عصاتو (صالح)

    الثلاثاء 10 حزيران / يونيو 2008.
    بهذ القانون المطروح , تعاقب كثير من الجمعيات , يعني راح الصالح بعروى الطالح , وبنطبق المثل ( حجة الاعمى عصاتو ) على المشرع الي طرح القانون الجديد . الاصل في حالة تعديل قانون جديد او سن تشريع جديد ان يستئانس على الاقل براي اصحاب الاختصاص , وان ياخذ براي اصحاب الخبره واصحاب القرار من القاعده الاجتماعيه , وان لا تسن القوانين اعتباطا وبمزاجيه , وادعم رائي هذ بقانون السير الجديد الذي لم يلاقي اتياحا شعبيا على الاطلاق الي ان اوقفه جلالة الملك لائن هذ القانون كان مجحفا ومغلظا , واضن ان قانون الجمعيات الجديد لن يكون بمحل ترحيب .........

    شكرا دكتور على طرحك الهادف والبناء والمبنى على الفكر المستنير والعلم الرفيع
  • »لا يوجد رؤية (علي الزوايده)

    الثلاثاء 10 حزيران / يونيو 2008.
    نتفاجا في الاردن دائما بتعديلات كثيرة تطال التشريعات والقوانين واعتقد ان من يضع النص لا يقدر كيف ستكون عليها الامور بعد اجراء هذا التعديل لا يسأل نفسه اذا كان هذا التعديل سيجر العديد من التغييرات الايجابية ولا يتم مراعاة ان القانون الجديد قادر على استيعاب متغيرات العصر
  • »خص نص (البوريني)

    الثلاثاء 10 حزيران / يونيو 2008.
    عزيزي هذا القانون وتبعاته هو *خص نص* لجمعية المركز الاسلامي وهي الذراع المالي والتربوي لجماعة الاخوان وفي الحقيقة الحكومة الأردنية وبعض الحكومات الخارجية متخوفة من مصاريف هذه الجماعة وميزانيتها...
    لنكن واقعيين وصريحين بأن الحكومة تشدد الخناق على الجماعة ونحن لحد الان لا نفهم سبب هذا التوتر والتخبط اللامنهجي من قبل الحكومة....
    هنالك أطراف تقوم بزرع الفتنة وهذا كله لا يخدم مصلحة الوطن فحذاري من التصادم..