د.أحمد جميل عزم

السياسة الأردنية الخارجية والتنظير

تم نشره في الاثنين 9 حزيران / يونيو 2008. 03:00 صباحاً

إذا ما حاول الباحث اللجوء إلى موقع وزارة الخارجية الأردنية على الإنترنت، مثلا، للحصول على موقف أو مؤشر رسمي حول الجدل الدائر حاليا في الصحافة المحلية بشأن سياسة الأردن الخارجية ومراجعتها، ومراجعة سياسات دول "الاعتدال" العربي عموما، لن يجد كثيرا ليساعده!

فإذا ما استثنينا الخطابات والتصريحات الرسمية، فإنّ المواد الموجودة على الموقع والتي تقوم بوظيفة شرح السياسات العامة الخارجية للدولة من ملفات محددة، نجد أنّها قديمة تعود إلى 3- 4 أعوام خلت. وعلى مستوى وزارة الخارجية ذاتها، فإن آخر المقالات والتصريحات المسجلة على الموقع والمبوبة ضمن اللقاءات والمقابلات لوزير الخارجية تعود للوزيرين السابقين عبدالإله الخطيب ومروان المعشر، وآخر المقابلات للوزيرين فاروق القصراوي والدكتور هاني الملقي.

ولعل ما يسد بعد النقص هو بعض الأخبار الحديثة التي تحتوي بعد الإشارات لمرتكزات السياسة الخارجية، من مثل الخبر المؤرخ، في 4 حزيران الحالي، حول لقاء وزير الخارجية صلاح البشير، مع لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الأعيان. ولكن واقع موقع الوزارة، يدل على وجود مشكلة اتصالية إعلامية وأن بعض النشاطات والفعاليات والمواقف ربما لا تحظى بالإعلام الناجع.

هناك مواقف أردنية واضحة إلى حد كبير وسياسات خارجية مبلورة ذات استمرارية واضحة إزاء قضايا بعينها، وفي مقدمتها الموضوع الفلسطيني، بغض النظر عن تغير الفرق والطواقم الوزارية وهذا أمر معروف للغاية، ولا يوجد أي سبب للاعتقاد بأنّ شيئا ما تغير بشأنه. أمّا بالنسبة للخسائر والفشل "التكتيكي" الذي منيت به دول "الاعتدال" العربي مؤخرا، فهو أمر يعني هذه الدول مجتمعة ولا يعني الأردن حصرا.

ولعل هامش الحرية في الصحافة الأردنية في هذا الجانب هو ما سمح بطرح هذه القضية بقوة من زاوية الشق الأردني فيها. وهنا لا بد من تسجيل أنّ مسيرة مجموعة دول الاعتدال تتعرض على نحو واضح لحالات من التفعيل والنشاط تعقبها فترات من الهدوء المقترب حد السكون، وهناك تساؤلات جادة حول أدوات هذه الدول في مخاطبة إدارة أميركية غير قادرة على بلورة سياسة واضحة ذات استمرارية في أكثر من ملف حيوي في المنطقة ومنها ملفات إيران وفلسطين والإصلاح السياسي. والتساؤل عن نجاعة أدوات هذه الدول في تحقيق أهدافها يبدو سؤالا شرعيا جديا. ويبدو معه بالتالي النقاش الذي تشهده الصحافة الأردنية نقاشا صحيّا، إذ من دون الفاعلية في تحقيق أهداف مجموعة الدول هذه فإن من غير المستغرب أن تبدو سياستها ذاتها وأهدافها غير واضحة وبحاجة لمراجعة.

لقد كان النقاش الدائر في مجمله مؤخرا من قبل كتّاب وصحافيين غالبيتهم إن لم يكن جميعهم لم يكن لهم يوما موقع رسمي في السياسة الخارجية الأردنية، وهذا لا يقلل من أهمية النقاش وحيويته ولكن يبقى هناك تطلع لدرجة من "التنظير" الرسمي، بالمعنى الإيجابي لكلمة التنظير بتوضيح مجمل السياسات الأردنية في ضوء تطورات المرحلة.

وقد تم في مراحل عدة من تاريخ الأردن وضع أنواع من "الرسائل" و"الكتب البيضاء" لتوضيح منطلقات السياسة الأردنية، وأذكر أننا في الجامعة الأردنية في قبل نحو عقدين من الزمن كنا ندرس محاضرات لوصفي التل حول الموقف من الوحدة العربية ومن قضية فلسطين، ولعدنان أبو عودة توضح سياسات محددة، وكانت محاضرة قديمة لعدنان أبو عودة، حول "الدولة الأمة" والدولة القطرية، والفرق بين سياسة الأردن بصفته دولة أمة أو بصفته جزءا من أمة عربية صالحة لتكون أساسا نظريا لتفسير جزء كبير من سياسات الأردن الخارجية.

كما نتذكر صدور الكتاب الأبيض حول السياسة الخارجية الأردنية في أعقاب حرب الخليج عام 1991 وكانت للكتاب أهمية واضحة في جلاء محددات السياسة الأردنية من تلك الحرب وكانت أهميته الداخلية للمواطن جليّة بقدر ما كانت مهمة لمخاطبة العالم الخارجي، كذلك فإنّ "رسالة عمّان" عام 2004 يمكن فهمها في السياق ذاته.

علاوة على ما قد يكون مشكلة إعلامية اتصالية، فإنّ هناك حاجة لتوضيح نهج وسياسة السياسة الخارجية الأردنية ضمن نقاط أساسية أشبه بالقواعد التوضيحية، وهذه مسؤولية تقع على عاتق وزارة الخارجية وعلى أكثر من سياسي ووزير حالي وسابق. ففي الولايات المتحدة مثلا، رغم معاناة السياسة الأميركية الخارجية في عهد إدارة الرئيس جورج بوش الحالية ارتباك وتشوش غير مسبوقين، لأسباب ليس هذا مجال ذكرها، هناك دائما جدل نظري يتعلق بأسس السياسة الخارجية، إذ يكاد لا يخلو شهر دون أن ينشر الوزراء الحاليين؛ وزير الخارجية كوندليزا رايس، ووزير الدفاع روبرت غيتس مقالات حول أسس هذه السياسة، تماما كما يرد على ذلك وزراء سابقون مثل هنري كيسنجر ومادلين أولبرايت وغيرهما بكتابات في رؤى عمومية (Macro)، تتعلق بقواعد السياسة الخارجية الأميركية الأساسية، وليس بالضرورة الموقف من قضية بعينها.

ربما تكون خصوصية الواقع الأردني تمنع قيام بعض الوزراء السابقين بكتابات من هذا النوع ولكن هذا لا يمنع أن نشر وثائق ومقالات توضيحية وتنظيرية من أطراف مختلفة معنية بالأمر من الحكومة والبرلمان وبعض السياسيين، والاستماع لمحاضرات متخصصة بهذا الشأن سيكون له دور كبير في وضع أسس أكثر صحية للنقاش حول السياسة الخارجية.

ajazem.maktoobblog.com

التعليق