المسؤولية الحكومية أَم الحسابات الحكومية؟

تم نشره في الجمعة 6 حزيران / يونيو 2008. 03:00 صباحاً

ربما لم يتوقع المتحدث الرسمي باسم حكومة نيكولا ساركوزي هذا الكم من ردود الأفعال العنيفة الغاضبة حين أعلن أن أداء كل وزير سوف يقيَّم طبقاً لمعايير تتولى وضعها شركة مراجعة خاصة. فقد سارعت قوى المعارضة إلى الهجوم على هذه الخطة باعتبارها "حيلة دعائية خطيرة" و"ستاراً للتغطية". حتى أن أحد المحللين تساءل: "هل يأتي الوقت قريباً حين نرى تعيين الوزراء يتم عن طريق شركات التوظيف؟"، واستنكر عضو شاب في البرلمان الفكرة قائلاً: "لا يمكننا أن ندير فرنسا وكأنها مصنع للبراغي".

ولكن ما وجه الغرابة في تأسيس معايير يتم على ضوئها تقييم مدى إنجاز الوعود الانتخابية التي بذلها ساركوزي؟ منذ تعيين وزراء حكومة ساركوزي في يونيو/حزيران 2007، حُـدِّدَت لهم مجموعة من الأهداف الواضحة في هيئة خطاب نوايا. أليس من الطبيعي ابتكار بعض السُـبل لمحاسبة الوزراء عن تصرفاتهم؟

لقد أصبحت ثقافة "النتائج" تشكل أهمية محورية بالنسبة للتحديث الاقتصادي في فرنسا، فلِم لا يصدق هذا على الحكومات الفرنسية، التي اتسمت دوماً بميلها الراسخ نحو السلبية والتحفظ؟ الحقيقة أن قضية وضع معايير يمكن قياسها للأداء الحكومي ليست مسألة مقتصرة على فرنسا وحدها. فقد حدد رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون مثل هذه الأهداف التي يمكن قياسها باعتبارها مَعلَما لزعامته منذ كان وزيراً للمالية والاقتصاد.

لا شك أن المؤسسات المكلفة بالإشراف على القطاع العام في فرنسا، مثل محكمة المراجعة المالية أو الهيئة العامة للتفتيش المالي، لديها من المهارات والقدرات ما يسمح لها بإنجاز مهامها. فضلاً عن ذلك، فإن السياسات العامة الفرنسية عُـرضة لإجراءات المراجعة العامة. بيد أن ثقافة شركات المراجعة الخاصة قد تقدم شيئاً جديداً من خلال الانتقال إلى ما هو أبعد من المراجعة الأساسية للالتزامات القانونية إلى التقييم العام للأداء.

إن الأسباب الرئيسية التي أثارت سخط معارضي هذه الخطة تكمن في معايير التقييم ذاتها. هل يُـحكَم على وزير الهجرة، على سبيل المثال، استناداً إلى عدد المهاجرين غير القانونيين الذين تم طردهم؟ وهل يتم تقييم أداء وزير التعليم في ضوء عدد ساعات العمل الإضافي التي يسجلها المدرسون؟ وهل ينبغي تقييم أداء وزير الثقافة على ضوء عدد زوار المتاحف المجانية وحصة الأفلام الفرنسية في السوق المحلية؟

الحقيقة أن هذه الأسئلة تخفي أسئلة أخرى أكثر جوهرية: هل يمكن حقاً قياس إنجاز الأهداف السياسية؟ وهل من الممكن أن نقيم أداء دولة بنفس الطريقة التي نقيم بها أداء الشركات، وبالتالي اختصار أدائها في مجموعة من التصرفات المحددة؟

أجل، هذا ممكن إلى حد ما. إذ أن المؤسسات البيروقراطية هي في النهاية عبارة عن ضرب من المنظمات الضخمة المعقدة، الخاضعة في القطاع الخاص لمؤشرات أداء معيارية. وفي العديد من الأنظمة الديمقراطية الغربية ـ نيوزيلندا، والسويد، والمملكة المتحدة، وحتى إيطاليا ـ كانت جهود التحديث الإداري تركز على صياغة رابطة أقوى بين الإدارة والأداء.

ولكن على مستوى آخر، تختلف بيروقراطية الدولة تمام الاختلاف عن منظمات القطاع الخاص، وذلك لأنها تتسم بصفات مميزة وأهداف خاصة بها، وهذه الصفات والأهداف سوف تتعرض للخطر إذا ما تم اختصارها في معايير كمية للأداء والكفاءة. فمن بين الأسباب التي دعت إلى تكليف الحكومات ببعض المهام المعينة، بدلاً من تركها للقطاع الخاص، أن آليات السوق العادية لا تعمل في حالة "السلع العامة"، وذلك لأن السوق غير قادرة على تحديد المستوى الأمثل من المدد المطلوب (المعروض) من هذه السلع.

هذا يعني أن الأهداف الكمية تعمل على حجب القرار السياسي الحاسم بشأن "المجموعة" الصحيحة من الخدمات التي يتعين على الحكومة أن تقدمها. وإذا ما استند تقييم تصرفات الدولة إلى مجموعة محددة سلفاً من الأهداف الكمية، فإن هذا من شأنه أن يمنح العذر للوزراء ـ ولكن بما لا ينفي الخطأ ـ في إهمال الجودة الكيفية وغير ذلك من الأهداف المهمة.

هل يتعين على الفرنسيين أن ينـزعجوا إذاً؟ أقتبس هنا عبارة رئيس الوزراء الفرنسي فرانسواز فيلون: "نحن لسنا في مدرسة". فبصرف النظر عن المعايير الفنية، سوف يظل تقييم أداء الوزراء معتمداً على قدر النفوذ الذي تمارسه الأحزاب أو الطوائف السياسية التي ينتمون إليها، وعلى نتائج الانتخابات، والشعبية التي يتمتع بها هؤلاء الوزراء لدى أجهزة الإعلام والرأي العام. وعلى هذا فلا تناقض بين هدف تحويل الوزراء إلى مديرين أكفاء وبين سلطة البرلمان في تحميل أعضاء الحكومة المسؤولية عن تصرفاتهم. فالكلمة الأخيرة سوف تكون في النهاية للناخبين.

وعلى هذا فإن تحديد أهداف كمية قد يشكل ابتكاراً مفيداً، ولكن شريطة أن يظل الغرض من ذلك تقديم أداة جديدة قادرة على إدارة جوانب معينة من أداء الدولة. وإذا ما تجاوزنا هذه النقطة فإن أهداف أي تصرف من جانب الدولة ـ جوهر مسؤوليات الوزراء ـ سوف يظل تقييمها مستنداً إلى قيم لا يجوز لنا اختصار ثرائها وتعقيدها في جدول بياني ذي بُـعدٍ واحد.

رافييل هاداس ليبيل مؤلف كتاب "101 كلمة عن الديمقراطية الفرنسية"، وعضو مجلس الدولة، وأستاذ بمعهد الدراسات السياسية في باريس.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع مؤسسة بروجيكت سنديكيت.

التعليق