جهاد المحيسن

نقد الخطاب الديمقراطي الغربي

تم نشره في الأربعاء 4 حزيران / يونيو 2008. 02:00 صباحاً

أخذت موضوعة الديمقراطية مع بداية عقد التسعينات تشكل محورا أساسيا، يقدم نفسه بديلا موضوعيا لفكرة الوحدة. التي عمت العالم العربي في الخمسينيات من القرن المنصرم، كنتيجة موضوعية لتحرره من الاستعمار الأوروبي، وتصاعد المد القومي في العالم العربي.

وأيضا قدمت الديمقراطية نفسها كبديل طبيعي للاشتراكية التي راجت في الستينيات إلى أواسط الثمانينيات في القرن العشرين، عند بعض التيارات السياسية الساعية للتغيير، وعندما فشلت كل من الاشتراكية، والوحدة في تقديم أنموذج لحل مشاكل التنمية السياسية، والاقتصادية في العالم العربي بدأت الديمقراطية الليبرالية تحاول أن تجد لها موطئ قدم في الواقع السياسي والثقافي العربي.

وأمام الهجمة الغربية الشرسة التي تقودها الإمبريالية الغربية بزعامة الولايات المتحدة أراد العالم العربي من خلال بعض مثقفيه أن ينقل المشروع الحالم أي الديمقراطية إلى الواقع العربي كبديل لكل النماذج السابقة،  ووقع في فخ  يوصّفه "جورج طرابيشي" بان ما يميز فكرة الديمقراطية فيه أنها أسطورة خلاصية، مثلها مثل فكرة الوحدة، وفكرة الاشتراكية من قبل، وهي تراهن على النقلة الموعودة من الجحيم إلى النعيم بالشرط الذي تمثله هي نفسها. فقبلها لاشيء ومن بعدها كل شيء، وهي بذلك تقدم نموذجا مكتملا لخطاب أيدلوجي حامل، لا  لبرهان كما في الخطاب العلمي، بل لوعد، وهذا الوعد يتعقل نفسه من دون أن يتعقل شروط تحقيقه، ويمثل بدوره نموذجا لما تسميه الابيمستولجيا الحديثة "باللامفكر فيه".

إلا أن هذا المشروع الحالم في العالم العربي أصبح واقعا في العالم الغربي، بل انه جزء من تكوينه التاريخي،  الأمر الذي يفسح المجال لنا في بحث هذا المشروع الحالم الغربي الجذور. يشير ميشيل فوكو إلى أن "الدولة هي ولادة العنف المنظم"، وعلى الرغم من صدقية هذه المقولة لا أن فوكو لم يؤصل في" حفرياته المعرفية" أن الديمقراطية هي الولادة الشرعية للسلطة، وتأسيسا على المقولة السابقة "أن الديمقراطية هي ولادة السلطة" سنحاول البحث في  جذورها الغربية وكيف يتم التعامل معها، والتحرك من خلاله في سياق توسعي إمبريالي يعود في جذوره إلى حركة الاستعمار في القرنين الثامن والتاسع عشر.

ويبدو أن الغرب موغل في عشق تاريخه حتى انه أوهم  العالم انه أسس للديمقراطية خطابا يعود إلى ممارسة مواطني "أثينا" لهذه الديمقراطية أي إن الديمقراطية فعل غربي بامتياز، ويرتبط بصيغة مدنية وحضارية فهي أجدر أن تكون فعلا أثينيا، وليس فعلا شرقيا باهتا يأتي من سومري أو بابلي أو فرعوني أو صيني أو هندي. أي انه مارس فعل الإقصاء عن الامتياز الحضاري عن باقي الحضارات، التي تشير الدراسات الغربية ذاتها إلى أن الحضارة اليونانية نفسها كانت ناقلا جيدا للموروث الحضاري المصري والعراقي والسوري أي تلك الدراسات التي لم تدرس باقي المجتمعات ببعد استشراقي يخفي بشكل فج معالم الثقافات الأخرى ويمهد لاحتلالها ثقافيا وعسكريا بدعوى نشر الديمقراطية والحداثة.

ولكن ماذا عن وجهة النظر التي حملها كل من" كارل ماركس" و"فردرك انجلز" في تشخيص وبحث مصطلح "الديمقراطية العشائرية" في دراستهما للجماعات العشائرية المبكرة ، ومحاولتهما من خلال هذه الدراسة إبراز العلاقات الطبقية، والأشكال المشابهة للتنظيم الاجتماعي في المجتمعات القديمة للسلطة العلنية القائمة على إظهار إرادة  الأغلبية وعلى المساواة في الحقوق والواجبات، وعلى اختيار الأفضل أو الأكبر سنا حسب مفاهيم الديمقراطية العشائرية، وبذلك التحليل تكون الديمقراطية العشائرية أول شكل تاريخي للديمقراطية العلنية، وشملت بشكل عملي تقريبا كل أفراد الجماعة، أي إن الديمقراطية في صورتها الأولية ليست امتيازا غربيا محضا، وإنما هي شكل من أشكال التنظيم الاجتماعي الذي حكم مجمل التكوينات الأولية للمجتمعات البشرية في لحظة تكوين نواة المجتمع، ما لبث ان تحول إلى شكل آخر مع تطور المجتمعات ذاتها.

وشملت تلك الديمقراطية بشكل عملي تقريبا كل أفراد الجماعة، فإذا عاقبت السلطة الاجتماعية في البداية كل الخارجين عن السنن والأعراف السائدة، وحلت مسائل النشاط العلمي والإنتاج المشترك، ووزعت نتائجه توزيعا عادلا، فانه في مرحلة متأخرة من تطور العشيرة الأمومية، وفي مرحلة الانتقال إلى العشيرة الأبوية، ظهرت وظائف أخرى مثل إعادة توزيع الأسر والجماعات، والحصص من الأرض، وتأسيس احتياطات ودفاعات من الغزوات التي تقوم بها القبائل المجاورة ، وبناء حواجز للري وأعمال التحصين، كل هذا يشكل في مجمله سيرة تطور طبيعي مرت بها اغلب الجماعات البشرية أي انه ليس حكرا لحضارة بعينها في طريق نشوئها، وبدا ان السلطة بدأت تتبلور مع تبلور المجتمعات ذاتها والانسلاخ من مرحلة الجمع والصيد إلى مرحلة العيش في تنظيمات اجتماعية أولية، وقد تشكلت في تلك السياقات تنظيمات أجهزة المحاكم البدائية وهي أول أجهزة سلطوية إدارية، تحدد حجم العقوبة للمنحرفين من الأنساب.

ويشير "لينين" إلى خاصية أساسية للنظام العشائري وهي اختفاء طائفة خاصة من الناس تقود الآخرين لها مصالح وأهداف تحققها من خلال العمل الإداري المنظم عن طريق أجهزة الإرغام المعروفة، وهل تحليل لينين ذلك بعيد عن الواقع الحالي على الأقل في النموذج الديمقراطي  الغربي عموما والأميركي خصوصا الذي يسوق ديمقراطيته بقوة السلاح؟ أليس تحقيق الأهداف يتم بنفس وسائل الإرغام القديمة ولكن مع آلة الإعلام الحديثة شديدة التعقيد، والتي  تقودها مجموعات رأسمالية تشتغل في الخفاء لتحقيق مصالحها؟

[email protected]

التعليق