جميل النمري

مبروك يا لبنان

تم نشره في الاثنين 26 أيار / مايو 2008. 02:00 صباحاً

نتنفس الصعداء ونحتفل ونفرح مع لبنان واللبنانيين بانتخاب الرئيس ميشيل سليمان. لم يعد هناك فراغ رئاسي ونزاع على الشرعية وقد تعدّى لبنان عنق الزجاجة ومنذ اليوم فإن الخلافات، وهي سوف تستمر، لن تهدد السلم الأهلي. فاتفاق الدوحة أخذ التزاما واضحا من حزب الله يحرّم استخدام السلاح في النزاع الداخلي.

الاتفاق هو انتصار للبنان وليس لطرف على طرف، إنه بصورة لا لبس فيها انتصار للشرعية والنظام العام والمؤسسات الدستورية وبالنتيجة للناس العاديين جميعا، للمواطنين الذين عاشوا أسوأ الظروف وصوّتوا في استطلاع عربي قبل أسابيع أنهم الأكثر بؤسا وتشاؤما بين بقية مواطني الدول العربية مع أن اللبنانيين عادة هم الأكثر حيوية وإقبالا على الحياة واستمتاعا بها.

هناك تنازلات قدّمت في الاتفاق. الأغلبية قدّمت تنازلا بالفعل في نقطة واحدة فقد حصلت المعارضة على مطلب الثلث المعطّل (11 من ثلاثين وزيرا) لكن بوجود بقية عناصر الاتفاق لم يعد الثلث "الضامن" مشكلة، بوجود رئيس جديد للجمهورية والتفاهم على النظام الانتخابي والانتخابات لم يعد هناك أهميّة لنسبة الثلث وقد حصلت الأغلبية بالمقابل على نسبة النصف زائد واحد وهو ما يضمن تسيير الشؤون العادية وعدم شلّ الحكومة في حالة الاختلاف.

أمّا اعتماد "القضاء" أي الدائرة الأصغر في النظام الانتخابي فلا نعرف من أين جاء الوهم بأنه يرجّح المعارضة وسيتيح لها اكتساح البرلمان. فهذا المطلب الذي رفعه عون طالب به ايضا البطريرك صفير باعتبار أن الدائرة الصغيرة تمنع التحكم بالمقعد المسيحي من أطراف أخرى، وفي بيروت اعتبر تصغير الدائرة في غير مصلحة آل الحريري الذين كانوا يتحكمون بالقائمة في بيروت الكبرى، لكن ليس مؤكدا أن يكون التقسيم في مصلحة جهة بعينها.

في الحقيقة ان النظام الانتخابي للقضاء يكرّس فقط الهيمنة المحلية الضيقة وفق المرجعية العائلية والطائفية، وهي تشمل كل الأطراف، وكان الأفضل لو تمّ تأجيل هذا البند لدراسة مشروع حديث ومعقد بعض الشيء أعدته لجنة من الخبراء يراعي كل الاعتبارات ويساعد على تحديث النظام السياسي، لكن إصرار المعارضة على الرزمة الكاملة للاتفاق جعل الأغلبية تنزل عند الرأي بالأخذ بقانون عام 1960.

هل قدّمت المعارضة تنازلات؟ التنازل الأضخم هو القبول بالحلّ وانهاء الشلل والتمرد والاعتصام والعودة الى المشاركة وتفعيل المؤسسات الدستورية، فقد كانت المعارضة تتنقل في مطالبها تصعيدا أو تخفيضا وفق اللحظة السياسية. فقد كانت تريد رئيسا توافقيا وليس بالأغلبية وعندما وافقت المعارضة أرادت توافقا على كل شيء آخر بما في ذلك قائد الجيش البديل ونائبه وكل المناصب الرئيسة والحسّاسة، بالإضافة الى حكومة وحدة بالثلث الضامن وقانون انتخابات بديل.

ومن الواضح أن الظروف المستجدّة (تناولها المحللون بالتخمين، لكن يصعب الجزم بأهمية ومرتبة كل منها في حمل المعارضة على الوصول الى الحلّ). ولا شكّ أن اجتياح بيروت شكّل صدمه أخافت الأغلبية وزاد استعدادها للتنازل مقابل ضمان لجم سلاح حزب الله ووضعه قيد المساءلة والحوار.

النزاع اللبناني ساهم بقوّة في تظهير المحورين وصدامهما العلني محور ايران- دمشق ومحور دول الاعتدال العربي، لكن الاتفاق يكاد يشكل منعطفا لتخفيف حالة الاستقطاب الحاد والدخول في مرحلة جديدة تتداخل فيها الألوان. فالاعتدال المخذول من اميركا قد يصبح أكثر قابلية للتواصل مع طهران فيما انطلاق المفاوضات السورية الاسرائيلية يقلل من أهمية "معسكر الممانعة". وفي الأثناء تدخل الرئاسة الأميركية في غيبوبة وداعية لرئاسة موتورة وموتّرة لم تعد صاحبة قرار ما يخلق بعض الاسترخاء في المنطقة بانتظار الإدارة الجديدة.

مرّة أخرى نهنئ اللبنانيين بعبور المضيق الوعر، نهنئهم برئيس الجمهورية الجديد وقد أثبت حقا جدارته بهذا الدور فوق الأطراف، ونفرح معهم إذ نرى لبنان العزيز يسترد أمنه وعافيته وألقه الذي يستحقه بين أشقائه العرب.

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حزب الله اللبناني العربي (عاصم مروان حياصات)

    الاثنين 26 أيار / مايو 2008.
    أتفق مع الكاتب في شيء واحد و هو أن اتفاق الدوحة أعاد الأمور إلى نصابها في لبنان بحيث أصبح الصراع السياسي يدار في مؤسسات الدولة بدلاً من اللجوء إلى الشارع في كل مشكلة تواجه البلاد.

    إن الكاتب لا زال يصور ما حدث هو احتلال لبيروت و مصادرة للبنان من قبل المعارضة الوطنية بقيادة حزب الله بصفته الطرف القابض على السلاح على الرغم من أن الأيام كانت كفيلة بأثبات أن سلاح حزب الله لم يوجه للداخل, كما و أثبتت الأيام أن قوى الموالاة بكافة أطيافها تملك السلاح دون أي ذريعة حيث أننا لم نر أحدا منهم يوجه هذا السلاح للعدو الصهيوني.

    أما ما يصوره الكاتب من أن قوى الموالاة لم تخسر في اتفاق الدوحة حيث أنها كانت أصلا توافق على إعطاء الثلث الضامن للمعارضة في مقابل انتخاب رئيس فهذا غير صحيح, فالمتابع للشأن اللبناني يعرف بوضوح أن المعارضة هي من وافقت على انتخاب الرئيس التوافقي ضمن سلة متكاملة تشمل الاتفاق على توزيع الحقائب الوزارية سياديةً كانت أم خدماتية, و الاتفاق على توزيع المناصب الحساسة, فإذا كانت هذه المطالب مكسباً للموالاة فلماذا لم توافق عليه منذ البداية و تريح لبنان و اللبنانيين من تعب صراعات لا غالب فيها إلا العدو و لا مغلوب فيها إلا لبنان.

    أما في جانب تصوير الموالاة و كأنها قوى وطنية مدعومة من دول الإعتدال العربي مقابل قوى المعارضة المدعومة من محور الشر السوري الإيراني, في هذا مجانبة أخرى للحقيقة, فلا يستطيع أحد أن ينكر الدعم الأمريكي السافر لجانب الموالاة و الدور الذي لعبه السفير الأمريكي السابق في لبنان جيفري فيلتمان من مبعدة بين فرقاء الأزمة في محاولة بائسة لتفكيك لبنان إلى ملل و طوائف متناحرة خدمة للمشروع الصهيوني في المنطقة.

    حزب الله حتى اللحظة ينأى بنفسه عن الصراع الإقليمي حتى يحافظ على شرعيته التي اكتسبها من مقاومة باسلة للعدو الصهيوني, و لذلك و عندما أرى أن حزب الله يدعو إلى ولاية للفقيه في لبنان تُذهب عنه تعدديته, فأنني سأكون أول الداعين إلى استئصال ورم حزب الله من جسم لبنان العربي الشقيق.
  • »السياسة المحنكة... (سالم محمد)

    الاثنين 26 أيار / مايو 2008.
    من الواضح ان هنالك تسوية قد حصلت ولا شك في ذلك، ولكن النتيجة النهائية هي:

    1)المعارضة اللبنانية قد كسبت ما كانت تصبوا اليه وهو الشراكة في الحكم وانهاء الاستئثار من قبل الموالاة.

    2) لقد تم التنازل من قبل الموالاة لانهم علموا بأن أمريكا قد أفلست ولن تدعمهم بعد الان.

    3) الاهم وهو ان الشعب اللبناني قد ربح بأتفاق الدوحة وستعود الحياة لطبيعتها والاهم هي الحياة السياحية.

    والحقيقة هنا يجب ان ننوه بأن الشعب اللبناني يرجع دائما بسرعة وبشكل أقوى من قبل وانا اجزم بان الموسم الصيفي 2008 لن يضيع عليهم كما في السابق. انه شعب قد خلق فعلا للسياحة......

    فلماذا لا نعترف حقيقة بأن معسكر الممانعة قد قرأ السياسة بشكل أفضل مما قرأه معسكر الاعتدال..!!

    ولهذا يجب على كتابنا الافاضل أيضا التحليل بموضوعية وشفافية أكبر واظهارالحقائق بشكل أفضل.

    ان السياسة دواره فيوم لك وأيام كثيرة عليك فالقراءة الصحيحة للسياسة تمد باليوم الذي لك وتطيله وهذه هي فعلا السياسة المحنكة...
  • »رد على الاستاذ باتر وردم (سامر)

    الاثنين 26 أيار / مايو 2008.
    1- انا لم اقل ان الكاتب يجب ان يخضع للنظرية السائدة للمجتمع قلت انه سيكون كمن يغرد خارج السرب وله الحق في يعبر عن رأيه حتى لو كان خلافا للأعراف والقناعات السائدة ولكن لا يمكنه تجاوزها بسهولة.

    2- اقتبس منك ((وهو له الحق في كتابة الرأي الذي يريده ولكن ليس له الحق في التضليل)) هذه هي النقطة الجوهرية فعندما يأتينا كاتب اي كان بوجهة نظر غير مدعومة بالحقائق والوقائع ويستخدم تعابير لفظية غير لائقة في مهاجمة خصومه كأن يشبه احد الاطراف بعبدة الاصنام والكل يعرف من يقصد بذلك فذلك ليس من حقه وحين يستخدم الفاظا كانتهازية وسذاجة فهذا ليس من اللباقة الصحفية خصوصا عندما يكون كلامه مبني على رأيه الشخصي ولا يستند على وقائع على الأرض.
  • »الكاتب لا يعكس بالضرورة رأي الشارع (باتر وردم)

    الاثنين 26 أيار / مايو 2008.
    أود المشاركة في التعليق على الأخ سامر. الكاتب لا يعكس بالضرورة رأي النسبة السائدة من المجتمع وهذا ليس دوره. هناك عوامل عديدة تساهم في صياغة الرأي الجمعي ومعظمها عوامل عاطفية ولكن هناك أيضا الكثير من المنطق والعقلانية في الرأي الجمعي ومع ذلك فلا يعتبر الرأي الجمعي مقدسا أو بوصلة يجب أن يتمسك الكاتب بها. إذا كان الكاتب يريد أن يعكس الرأي الجمعي والخطوط العريضة وما يسمى "توجهات المجتمع" فمن الأفضل أن يكسر قلمه ويجد لنفسه مهنة ثانية. كل ساحة حوار ديمقراطية تحتاج إلى تعدد الآراء والكاتب يجب أن تكون له حرية كتابة ما يريد سواء كان ذلك يتناقض مع 99% من المجتمع لأن هذه هي دعامة حرية التعبير. كاتب المقال تكون له قناعاته السياسية والفكرية وهو يستخدم منهج تحليل المعلومات المتاحة للوصول إلى إستنتاج ورأي ينشر في المقال وهو له الحق في كتابة الرأي الذي يريده ولكن ليس له الحق في التضليل. وفي نهاية الأمر فإن خضوع الكاتب "للتوجهات الجماعية للمجتمع" يماثل خضوعه لضغط الدولة وهذا إنتهاك تام لحرية التعبير.
  • »ما هي حدود حرية الرأي عند الكاتب؟ (سامر)

    الاثنين 26 أيار / مايو 2008.
    استاذ جميل مع احترامي الشديد لشخصك لكن اجدك تغرد خارج السرب ومقالاتك على العكس تماما من توجهات الغالبية الشعبية واذكر لك في مقال سابق انك قلت انا ابدي رأي كما هي قناعاتي بغض النظر عن القواعد الشعبية لنناقش هذه الفكرة قليلا بناءا على ذلك يمكن لأي كاتب صحفي ان يمتدح الصهيونية تحت مسمى حرية الرأي والديمقراطية. نظريا من حقه ذلك لكن على الواقع هنالك خطوط عريضة وتوجهات للمجتمع لا يمكن حتى لأكبر السياسيين تجاوزها فما بالك بالصحفي !! الصحفي يعكس نبض الشارع وهمومه وتطلعاته ويطرح وجهة نظره مدعومة بالحقائق وغير ذلك يكون كمن يغرد وحيدا خارج السرب
  • »غالب وغلوب.. (بشير ابوالذهب)

    الاثنين 26 أيار / مايو 2008.
    اعجبني مقوله امير قطر( نعم هناك غالب ومغلوب.. الغالب لبنان واللبنانيين والمغلوب الفتنه).
    وتمنيت ان يقول ايضا انغلبت الفتنه ( واندثرت ودفنت).
    ولكننا نتمنى فعلا ان تكون الفتنه انغلبت واندحرت واندفنت بغير رجعه.
    هل نرى بعيون وقلوب الللبنانيين
    ان الفرح دائم وسيدوم.ام نرى خوف داخلي نتيجه الظروف الماضيه.
    ما نأمله لهم هو استمرار الفرح والسعاده والوفاق .وندعوهم جميعا شعبا وحكومه ومعارضه ورئاسه الى العض باسنانهم بقوه شديده على اتفاقهم ولا يتراخوا فيه ولو للحظه واحده ولا يتراجعوا الى الوراء ولو قيد أنمله.
  • »ارجعنا لنفس التناقضات (عباس)

    الاثنين 26 أيار / مايو 2008.
    سيدي العزيز ما زلت تكرر نفس الأسطوانة دون تقديم حجج تذكر ففي مقالك هنالك تلاعبات لفظية تهدف للتقليل من انجاز المعارضة واتفاق الدوحة وتحاول ان تظهر عدم وجود خسائر للموالاة بس حابب اعلق على جزئية واحدة :
    1- اقتبس منك (( أمّا اعتماد "القضاء" أي الدائرة الأصغر في النظام الانتخابي فلا نعرف من أين جاء الوهم بأنه يرجّح المعارضة وسيتيح لها اكتساح البرلمان)) استاذ جميل ربما تناسيت ان نص الاتفاق على العودة إلى القانون الانتخابي للعام 1960 الذي يستند إلى تقسيمات الأقضية على أن يتم الإبقاء على حاصبيا ومرجعيون كدائرة واحدة وبعلبك الهرمل كدائرة وإعادة توزيع المناطق ضمن دوائر بيروت الثلاث على أساس انتخاب 19 نائبا.
    وهذه الاستثناءات تخدم المعارضة الى حد كبير وتقلص من نفوذ الحريري في بيروت فدعنا لا نحاول تغطية الشمس بأصبع وان نذكر الحقائق كما هي على الواقع.