جميل النمري

الأردن خاسرا ومظلوما!

تم نشره في الأحد 25 أيار / مايو 2008. 02:00 صباحاً

واحدة من أكثر المفارقات ادهاشا تتبدّى في تطورات هذه الأيام، فقد رمى معسكر الاعتدال العربي بكل ثقله من أجل حلّ القضية الفلسطينية فانفتح الحلّ على كل الجبهات باستثناء الجبهة الفلسطينية!

ثمّة تفسير بسيط فكل القضايا الأخرى قابلة إسرائيليا للمساومة، وقد حان الوقت لتحريكها بديلا للتنازل في القضيّة الرئيسية. وكان معسكر الاعتدال وفي مقدمته الأردن قد رمى بكل ثقله من أجل أن تتبنّى الولايات المتحدّة والعالم الحلّ باعتبار أن القضيّة الفلسطينية هي أسّ المشاكل في المنطقة وحلّها يفتح الطريق لتسوية كل الأزمات وقطع الطريق على التطرف وتقوية نهج الاعتدال وتحسين المناخ العام وعلاقة المنطقة مع الغرب والولايات المتحدة.

اتفاق في لبنان مع حزب الله، مفاوضات على الجولان مع سورية، مشروع هدنة مع حماس في غزّة. الطرق تتفتح على جبهات الممانعة وتنغلق بالذات على الجبهة التي وقفت خلفها دول الاعتدال، ومنها الأردن، جبهة الحلّ الفلسطيني مع عبّاس والسلطة الفلسطينية!

يحقّ لمن وقف في صفّ "الممانعة" أن يشمت بمعسكر الاعتدال، ويشمت بِرِهانِه على واشنطن على ما في الأمر من مفارقة غريبة فإذا كانت التسوية مع واشنطن وتل أبيب هي الهدف والمكسب المرتجى لقوى الممانعة على جبهات لبنان وغزّة والجولان وأيضا على جبهة العراق مع إيران فأي ذنب في السعي للتسوية على جبهة القضيّة الأولى والأصل، لكن مفتاح فهم ما يحصل ليس في واشنطن التي فقدت زمام ادارة الموقف، وهي ربما تلاحق الأحداث أكثر مما تديرها حتّى أن موقفها من التسوية اللبنانية والمفاوضات السورية الإسرائيلية يتسمّ علنا بالتحفظ.

مفتاح فهم الموقف هو في تلّ أبيب حيث أن أطماع اسرائيل المحددة في الضفّة الغربية تتناقض جوهريا مع الحقوق الفلسطينية المشمولة بمفاوضات الحلّ النهائي، القدس واللاجئين، والدولة الفلسطينية بحدود عام 67 للضفّة الغربية. وعليه فكل الترتيبات والتسويات يمكن تمريرها على حساب الضفّة الغربية حيث يستمرّ التوسع والاستيطان.

وبافتراض أن خطّ الممانعة قدّ نجح، فالنجاح في الجوهر هو على حساب القضيّة الفلسطينية، حيث لا تمانع اسرائيل في تسويات على الأطراف تترك المركز فريسة أطماعها التاريخية، تسوية في لبنان تعطي مزيدا من السلطة لحزب الله، وتسوية مع سورية تعيد الجولان، وهدنة مع حماس تترك لها السلطة "داخل قطاع غزّة" هو الثمن مقابل الاحتفاظ بمعظم الضفّة وبحدود فلسطين التاريخية، وفي هذا تتقدم المصلحة الاسرائيلية الخاصّة على الأميركية كالعادة، فالأهداف الاسرائيلية تعلو وتفرض نفسها على واشنطن تماما، كما كانت الحال في العراق.

ذنب معسكر الاعتدال والأردن على وجه الخصوص أنه تمسك بحلّ القضية المركزية أي القضيّة الفلسطينية وافترض أن يكون حلّ كل الأزمات مرهونا بحلّ الأزمة الرئيسية، كما عبّر عن ذلك الشعار الذي حاول اقناع العالم به بأن السلام في فلسطين مفتاح السلام في المنطقة، بل والعالم. الآن تل أبيب تقول إن الحلّ والسلام يتحقق هنا وهناك دون حاجة لحلّ القضية الفلسطينية!

هذا هو جوهر انتكاسة معسكر الاعتدال. والانتكاسة السياسية للسعودية ودول الخليج ليست جوهرية وعلى كل حال يخفف الاقتصاد أسى السياسة فأسعار البترول تواصل الارتفاع والمزيد من المليارات تهلّ وتفتح آفاقا لا حدود لها. أمّا الأسى الأعمق فهو من نصيب الأردن وفلسطين، ومن وجهة نظري أن الأردن كان في الموقف والموقع الصحيح الذي لا يستطيع أن يكون خارجه.

أمّا حكاية أخذ مسافة متساوية عن جميع الأطراف وعدم الانحياز لأي معسكر، كما يقول منتقدو الموقف الأردني، فهي انتهازية فاضحة وساذجة أولا، ولا معنى لها بالنسبة لطرف يرتبط مصيريا بالقضية الفلسطينية ثانيا، وهناك ملاحظات مختلفة على الاداء الاردني ومن وجهات نظر متعاكسة في الواقع، لكن الخط الأساسي كان صحيحا ونحن لا ندفع ثمن الخطأ، بل ثمن ميزان قوى بين قطبين رئيسيين التقت مصلحتهما في هذه اللحظة على حساب فلسطين، وبالتبعية على حساب الأردن.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شوف (كايد)

    الأحد 25 أيار / مايو 2008.
    عندنا يفقد "المصلح" مقدرة تقييم الذات ويصاب بمرض الذاكرة المنتقاة ساعتها تضرب كف على كف ونقول لاحول ولاقوة الا بالله. عالعموم ستبقوا الى الأبد محصورين في أقواس العقلانيين يا (محور الإعتدال) وستدخلوا التاريخ الذي ستسطره الأغلبية كما سطرته في كل دول العالم بعد جلاء العاصفة.
  • »سياسة الاعتدال مش غلط (نهاد اسماعيل)

    الأحد 25 أيار / مايو 2008.
    استاذ جميل اولا تهانينا بعيد الاستقلال وعقبال عند فلسطين. الاعتدال والعقلانية والبراغماتية ليس خطأ او خطيئة ولكن الخلل يكمن في تواجد ادارة اميركية تعاني من غباء سياسي وتخبط استراتيجي وسياسة اسرائيلية انتهازية وهذا المزيج الخبيث أعطى مكافأة لقوى التطرف والممانعة وعاقب دول العقل والاعتدال. ربما حان الوقت للسعودية ومصر والأردن ان تكون أكثر حزما وأقل تعاطفا في تعاملهامع الادارة الأميركية.
  • »sady (salim)

    الأحد 25 أيار / مايو 2008.
    جميل النمري يحاول كثيرا أخذ مسافة متساوية عن جميع الأطراف.
    غالبا ما كانت السياسة الاردنية في السابق متوازنة وتتجنب معاداة الاخرين منذ ايام الحرب الباردة وتأخذ مسافة متساوية عن جميع الأطراف وعدم الانحياز لأي معسكر ان كان معسكر فتح او حماس كمثال.
  • »الأردن ربح الأردن الرسمي خسر وبجدارة (عيد مطالقة)

    الأحد 25 أيار / مايو 2008.
    استاذ نمري. الحياد أفضل من الإرتماء في أحضان أمريكا. الحياد جيد كتغيير في النمط المعهود. ثم لو سمحت لاتتكلم بإسم الأردن.مين إنتخبك تتكلم بلنيابة عنا؟ هل إنتخبناك؟ الأردن لم يظلم لأن الأغلبية الساحقة من الأردنيين ليست من محور "الإعتدال" بل مع المقاومة. الأردن الرسمي خسر ولكن الأردن والأردنيين هم الرابحون.
  • »هذه قواعد اللعبة السياسية (ليلى)

    الأحد 25 أيار / مايو 2008.
    استاذنا جميل ما تسميه من انتقاد سياسي على انه سذاجة وانتهازية كلام مغلوط لأنه عكلامك كل السياسين في العالم انتهازيين لأنه طول عمرها المعارضة بتستغل اخطاء من في السلطة ففي برطانيا العمال والمحافظين في اسبانيا انظر ماذا فعل الاشتراكيون وفي امريكا الديمقراطيون والجمهوريون هذه تسمى قواعد اللعبة السياسية وهي من ابسط اساسيات السياسة الواجب معرفتها وهي ظاهرة صحية وعكسها هو الخطر استاذ جميل بس حابة انا احكيلك نصيحة مع كل الاحترام والتقدير الك سيدي خطاب السبعينات الذي كان يعتمد على الاستعارات المكنية والسجع والصور البلاغية بصورة انشائية بغض النظر عن المضمون هذا عصر قد ولى وانتهى نحن في عصر اصبح القراء على درجة عالية من النقد والقدرة على التحليل قبل الاخذ بالامور فأي كتابة يجب ان تكون متسلسلة ومنطقية وفي سياق سياسي وتاريخي متصل ومبنية على واقع حقيقي وشكرا لصحيفتنا الرائعة الغد التي تسمح لنا بمشاركة الافكار
  • »شماتة شو يا حبيبي؟؟؟ (محمد)

    الأحد 25 أيار / مايو 2008.
    استاذ جميل خلني اكتبلك تعليقي بنقاط عشان ابسطها :
    1- اليس من يتولى الدبلوماسية الخارجية الأردنية مسؤول عن نهجه السياسي فاذا اصاب فله تحية واذا اخطا يحاسب ولا نقول قضاء وقدر لان هذه ليست مباراة كرة قدم هذه مصائر شعوب!!
    2- اليس الليبراليون الجدد ومن خلفهم منظريهم هم من قالو عن معارضيهم قوى شد عكسي وضيقي الفكر ورجعيين وانتم من طالبتم بركوب الموجة وعدم مواجهتها ..BLAH BLAH BLAH من هالكلام اذا فلتتحملو مسؤولية اخطاءكم لا يوجد شئ في السياسة اسمه شماتة نحن لا نجلس في مضافة المختار حتى نستخدم مثل هذه المصطلحات يوجد شئ اسمه محاسبة سياسية عن الأخطاء والا كيف سنتقدم يا استاذ
    3- ان تقول :"أمّا حكاية أخذ مسافة متساوية عن جميع الأطراف وعدم الانحياز لأي معسكر، كما يقول منتقدو الموقف الأردني، فهي انتهازية فاضحة وساذجة أولا" ... يا استاذ السياسة دائمة التبدل والتقلب فلا يوجد شئ اسمه ثبات موقف وانتا على ماذا استندت حتى قلت ساذج!! سياسة الحيادية صارلنا بنطبقها 60 سنة وحافظت على المملكة من العواصف الاقليمية وحتى عندما كنا ننحاز فلم يكن انحيازنا كاملا ولم نقطع خطوط الاتصال مع خصومنا فلا يحق لك او لغيرك نسف انجازات ومكتسبات سياسية عمرها 60 سنة فكما تطالب غيرك باستخدام الفاظ دبلوماسية فالأولى بك ككاتب ان تستخدمها عجبي
  • »هنئيا للاردن بك... (بشير ابوالذهب)

    الأحد 25 أيار / مايو 2008.
    اسمح لي اخي جميل ان اهنئ نفسي واهنئ الاردن بك وبانتمائك ايها الاردني الحر .
    واني لارجو من البعض ان يقدروا معنى كلامك ويتمعنوا به لما فيه من اهميه .
  • »الواقع المر (احمد نجيب)

    الأحد 25 أيار / مايو 2008.
    اخي جميل التوقعات كانت وارده وموقف امريكا المرن مؤخرا كان مؤشر واضح لوجود تسويات اخرى لها الافضليه على قضيه فلسطين وها انت تتحدث عنه الان ..اي حل لآي خلاف اسرائيل فيه طرف ويضعف وضع القضيه المركزيه فلسطين فهو محبب لهم لذلك نجد امريكا لا تهتم لآي حرج يمس دول الاعتدال .
    المطلوب الان من دول الاعتدال ان توازن علاقاتها مع كل الاطراف وحتى مع ايران عندها ستندم امريكا على ما فعلت بهم وخصوصا اوضاعهم الاقتصاديه . قد تجد كلامي متشعب وغير مترابط ولكن تمعن به جيدا !!! وقد تكون فرصه لا تعوض بالنسبه لسياسة التوازن في الاردن بالذات .
  • »مدافع قلمه مش نافع (lpl] ugd lpl])

    الأحد 25 أيار / مايو 2008.
    على ما يبدو أستاذ جميل أن مداد قلمك بدأ يجف وأن عدد الورقات التي تكتب عليها صار محدوداً ، فقاريء بسيط مثلي يدرك أن كتاباتك تقرأ لقضاء الوقت ولتحسين ملكة القراءة لا غير .
    فيا عزيزي أنت تكتب عكس اتجاه سير المركب ، وتتجاهل المعطيات : فإسرائيل تريد كسب الوقت وتجيد لعبة المسارات ، وكل من شارك في المفاوضات يريد منها شيئاً :
    تركيا تخفيف ضغط الداخل
    سوريا : تحسين صورتها أمريكيا
    أولمرت : تخفيف الضغط الداخلي
    إسرائيل : التهرب من استحقاقات مسار السلام الفلسطيني وهي بالنتيجة لن تعطي شيئاً سواء لمعسكر الاعتدال أو لمعسكر الممانعة .
    وما أخذ بالقوة لا يسترد من اليهود ناكثي العهود ومحتلي أرض الجدود وآكلي الكبود إلا بالحديد ، وحين نملك أسباب القوة المادية والشهود الحضاري حينها سنفرض شروطنا لا أن تفرض علينا مقابل الرضا بالضفة دون غزة أو بالقليل منها مقابل ثمن باهض وهو إقامة علاقات طبيعية مع هذا الكيان الغاصب
  • »الاعتراف بالخطأ اول خطوات الحل (راشد)

    الأحد 25 أيار / مايو 2008.
    نحن نعيش في بؤرة صراعات وعندما كان فقيدنا الغالي جلالة الملك الحسين بن طلال في برطانيا في بداية عهده اخبره اعظم سياسي في تاريخ برطانيا الحديث تشرتشل ان الحل الوحيد لتجنب انعكاسات الصراعات في منطقتنا واستخدم لفظة float اي ان تطفو بمعنى ان سياسة دبلوماسية الحياد هي المنقذ لبلدنا وقد قادنا جلالة الملك الراحل وسط العواصف الى بر الامان حتى ايام حرب الخليج الثانية ورغم وقوفنا مع العراق لم نغلق قنوات الاتصال مع الغرب وجلالة الملك عبدالله الثاني استلم الراية وقادنا على نفس النهج لكن المشكلة في نهج الليبراليون الجدد الذين تبنو سياسة الانحياز الكامل لمحور معين واغلاق قنوات الاتصال مع باقي الاطراف وهذا يعتبر تهور سياسي وانظر الى النتائج ايها الكاتب مهما زركشنا الالفاظ وسمها ما شئت وليدفن من يشاء رأسه بالرمل الواقع على الأرض يقول ان سياسة المحاور فشلت والاعتراف بالخطا اول خطوات اصلاح وخروج من المأزق وليس تبرير الخطا وتجاهله نحن بحاجة الى اعادة صياغة خطابنا الاعلامي قبل السياسي والتفكير بهدؤ وفتح قنوات الاتصال مع جميع الاطراف واتخاذ المواقف حسب مصلحتنا دون اخذ مخاطرات سياسية غير معروفة العواقب
  • »تحليل منطقي جدا (محمود محمد المحمداوي)

    الأحد 25 أيار / مايو 2008.
    مقال عميق وتحليل منطقي لمجريات الاحداث في المنطقة، تحية للكاتب الفذ جميل النمري
  • »الحياد أفضل (جمال الفهد)

    الأحد 25 أيار / مايو 2008.
    "أمّا حكاية أخذ مسافة متساوية عن جميع الأطراف وعدم الانحياز لأي معسكر فهي انتهازية فاضحة وساذجة" ولكن أفضل بكثير من المواقف المعهودة والداعمة للإمبريالية.
  • »تناقضات (عباس)

    الأحد 25 أيار / مايو 2008.
    1-تستغرب ايها الكاتب ان تنحل قضية لبنان وان تنجح محاولة التهدئة في غزة والمسار السوري هذا سيدي يسمونه تغير ميزان القوى لمصلحتهم امام انهزام معسكر المعتدلين
    2- اذا كنت لا تعتبر حماس مقاومة وحزب الله مقاومة وسوريا ممانعة وتنتقد المقاومة العراقية فمن بنظرك يا جميل المقاومة اذا؟
    3 اقتبس منك""-وبافتراض أن خطّ الممانعة قدّ نجح، فالنجاح في الجوهر هو على حساب القضيّة الفلسطينية،"" بتحكي جد انتا؟ وهل ما فعلته سلطة عباس وتفاهمات خارطة الطريق والتنازل تلو التنازل كان ماذا في مصلحة القضية الفلسطينية؟؟!!
    4- ما زلت تصر على تبرير الخطأ وتقول ان سياسة المعتدلين كانت ناجحة ولكن اتفاق الاقطاب على حساب الأردن.. طيب فهمني اذا انتا ضد سياسة الحيادية وبنفس الوقت بتقول انه انحيازنا لمحور الاعتدال كان على حسابنا وبنفس الوقت بتأكد انه هاي السياسة صحيحة ممكن تفهمني كيف بدي استوعب هالتناقضات هاي يعني يا جميل ارجعنا نخض الميه اقول لك وللكتاب الذين يتبنون نهجك الصحفي لقد سقطت الليبرالية الجديدة وسياساتها ونهجها الدبلوماسي والسياسي سقطت شعبيا وفشلت على الساحة الاقليمية والعالمية.