قصة ندوة كادت ألا تحدث: "الأردن في حرب 1948 وما بعد"

تم نشره في السبت 24 أيار / مايو 2008. 02:00 صباحاً

في مثل هذه الأيام، قبل عشر سنوات، كانت اسرائيل منهمكة بالاحتفال بمرور اليوبيل الذهبي على "اعلان استقلالها"، وبدورهم كان الفلسطينيون يحيون ويُذَكِّرون بمرور نصف قرن على نكبتهم، وكانت المناسبة فرصة لعقد عشرات المؤتمرات والندوات والنشاطات المتنوعة على ضفتي الحدث. فماذا عن الأردن، المتأثر الأكبر بعد الشعب الفلسطيني من النكبة، وما تلا حرب 1948 من تشريد ونزوح؟ على هذه الخلفية تم التخطيط لعقد ندوة "الأردن في حرب 1948 وما بعد" يوم 24 أيار/ مايو 1998. أي في مثل هذا اليوم، قبل عشر سنوات.

كانت خطة الندوة أن تركز على ثلاثة أبعاد رئيسية: دور الأردن في حرب 1948، وبشكل خاص دور الجيش العربي الأردني فيها؛ الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المباشرة التي ترتبت على حرب 1948 في ضفتي الأردن؛ ثم تأثيرات وانعكاسات الحرب على الجيش الأردني والحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بعيد الاندماج الأردني الفلسطيني الذي تلا الحرب مباشرة.

بدأ التحضير للندوة في مطلع آذار 1998، وأعد برنامجها وموضوعات أوراقها وأسماء معديها، وفي هذه الأثناء وقع تعديل وزاري أوحى بإمكانية عقد الندوة بالتعاون مع وزارة الثقافة، بوزيرها الجديد حينذاك، وبدأت مخاطبة الوزارة في أواسط آذار، أولاً مع الوزير، وتالياً مع الأمين العام. وبعد سلسلة من الزيارات والاتصالات الهاتفية والمراسلات المجددة التي استغرقت 45 يوماً دونما رد أو استجابة، كانت التحضيرات قد قطعت شوطاً متقدماً، فتم حجز قاعة المركز الثقافي الملكي ودفع أجرتها مقدماً، واشعار محافظ العاصمة بمكانها وزمانها وبرنامجها. وبطبيعة الحال تم الاتفاق مع المتحدثين الرئيسيين ورؤساء الجلسات. وأكثر من ذلك، اجريت تحضيرات لإقامة معرضي صور، واحد لصور العمليات العسكرية للجيش الأردني مع قوائم شرف بأسماء شهداء الجيش والمتطوعين الأردنيين الآخرين، أعد بالتعاون مع صرح الشهيد والمكتبة الوطنية، ومعرض آخر لصور تبرز معاناة اللاجئين الفلسطينيين، أقيم بالتعاون مع وكالة "الأونروا".

وهكذا، وبعد أن قطعت التحضيرات شوطها الأكبر، اتصل أمين عام وزارة الثقافة يوم 13/5/1998، مرحباً بعقدها بالتعاون مع وزارته، لكن مع التحفظ على أسماء المتحدثين فيها، طالباً استبدالهم بخمسة أسماء ترغب وزارته في أن يكونوا هم المتحدثون في الندوة!

رغم غرابة الطلب وعدم توقعه، بخاصة في هذا الوقت المتأخر، فقد جرت محاولة لاقتراح حل وسط بأن ينضم هؤلاء الى المتحدثين الأصليين، الذين كلفوا بإعداد أوراق العمل ويستحيل الاعتذار لهم. لكن رد الأمين العام قطع الطريق على أي اتفاق. فالوزارة تريد استبدال الأسماء وليس مجرد اشراك الأسماء الأخرى المقترحة من الوزارة في الندوة. وبكلمات أخرى فإن شرط التعاون مع وزارته هو استبعاد الأسماء الأصلية واعتماد الأسماء المقدمة من الوزارة.

كانت النتيجة هي الاعتذار عن التعاون مع الوزارة، والمضي في عقدها في موعدها وبأسماء المشاركين الأصليين، والذين لم يتم اختيارهم اعتباطاً وإنما لأدوارهم المباشرة في الحرب أو لخبرتهم واختصاصاتهم.

كان يمكن لقصة التعاون غير الموفق أن تمر بهدوء وأن تطوى صفحتها، غير أن الأمين العام عاد في ظهيرة اليوم السابق مباشرة لانعقاد الندوة (السبت 23/5/1998) ليبلغ الجهة المنظمة هاتفياً بأن الوزارة لا توافق على عقد الندوة ببرنامجها وأسماء المتحدثين الذين تم اختيارهم، وأنه يستغرب الاستمرار في التحضير لعقدها في موعدها وفي المركز الثقافي الملكي التابع للوزارة.

منظمو الندوة الذين تفاجأوا من موقف الوزارة، ردوا عليه بأن حقه في مناقشة برنامج الندوة والمتحدثين فيها توقف منذ تعذرت امكانية التعاون على عقدها مع الوزارة، وأن تفاصيل الندوة ملك لمنظميها، ولا يحق له التدخل فيها، أمين الوزارة رد على ذلك بأنه سيأمر المركز الثقافي الملكي بإلغاء الندوة واغلاق أبوابه في وجه الحضور. منظمو الندوة حذروه بدورهم من أن هذا سيجبرهم على اللجوء الى القضاء ونقل الموضوع الى الرأي العام.

يجب القول هنا إن الجهة المنظمة كانت قد حجزت ودفعت مقدماً أجرة القاعة. كما أن محافظ العاصمة كان قد أبلغ بعدم الممانعة بعقد الندوة. وهكذا أسقط في يد الأمين الذي عاد ليبلغ عن تنازله عن قرار المنع "تجنباً لإحراج" المنظمين! وأنه أمر ادارة المركز الملكي بفتح أبوابه لعقد الندوة!

هذه قصة الندوة الدراسية الأردنية الوحيدة التي عقدت في الذكرى الخمسين لحرب1948، والتي قدمت الرواية الأردنية عن هذه الحرب وبلسان أبطالها وضباطها والمؤرخين والباحثين الذين درسوها واستطلعوا الروايات الشفوية لضحاياها من لاجئي المخيمات الفلسطينية.

يبقى أن نشير الى أن المتحدثين الرئيسيين في الندوة الذين كانوا موضع اعتراض المسؤولين في وزارة الثقافة والذين طلب استبدالهم، حتى اللحظة الأخيرة، استعان بهم التلفزيون الأردني ووكالة الأنباء الأردنية من أجل الرد على ما ورد في البرنامج الوثائقي للـ BBC عن حرب 1948، وعلى رواية محمد حسنين هيكل في تلك الأيام لدور الأردن والجيش في هذه الحرب.

ان ندوة "الأردن في حرب 1948 وما بعد" ما هي إلا "قصة حالة" عن المعاناة النفسية والاحباط اللذين يتكونا لدى الذين يتقدمون بمبادرات تحاول أن تسد الفراغ أو تعوض النقص، من موقع مهني ومسؤول، لكنها تقابل أحياناً بالصد أو التشكيك أو الإملاء.

لقد قيل مراراً، ويقال لليوم إن الآخرين ظلموا الأردن وأنكروا تضحياته، لكن الأخطر من هذا كله أن ظلمنا لأنفسنا أشد وأقسى.

[email protected]

التعليق