حول بيع الكرملين!

تم نشره في السبت 17 أيار / مايو 2008. 02:00 صباحاً

سأل النائب عبد الرؤوف الروابدة زميله بسام حدادين، مستنكراً قبول الأخير بيع الأراضي التي تملكها الدولة في منطقة دابوق والمدينة الطبية: هل ترضى أن يُباع الكرملين يا بسام؟! وذلك خلال لقاء رئيس الوزراء بالنواب، الذي قدم فيه حدادين مداخلة أيّد فيها خطوة البيع، إذا كانت ستساهم في إطفاء الدين العام، وتخليص المملكة منه.

السؤال، لا يُفهم منه الغمز من انتماء حدادين السياسي والأيديولوجي (الماركسي) السابق فقط، بل أيضاً الإشارة إلى فكرة ظلت دائماً محل تداول، مفادها اتهام المنتمين لأحزاب وحركات المعارضة، بالولاء للبلدان التي يتخذونها نموذجاً لبرامجهم السياسية، بدل ولائهم لوطنهم الأردن.

لا نقصد هنا توجيه النقد للروابدة، رغم حقنا في ذلك كمواطنين، إذ أنه في كل الأحوال يحمل وجهة نظر قائمة على معرفة وخبرة، ومن حقه أن يدافع عنها كيف يشاء، ولو بالنكتة التي اشتُهر بها. لكننا نتحدث عن تلك الفكرة المغلوطة الشائعة عن مدى انتماء "المعارضين"، فقد كانت سبباً في انحراف الحوار حول مسألة بيع الأراضي، من بحث جدوى عملية البيع، ومدى صحة ما هو متوقع منها بالنسبة للاقتصاد الوطني، استراتيجياً، ليصير قائماً على استقصاء النوايا.

إن هذا الأمر يطرح أسئلة حول الأسس التي يتم فيها تقسيم الناس إلى وطنيين ولا وطنيين؛ منتمين وغير منتمين، فحين يُبنى الأمر على قاعدة تحليل النوايا، وافتراض سلامة نية البعض وسوء نية البعض الآخر، من دون سبب "علمي" مقنع، ينقلب الحديث عن الوطن والوطنية، إلى مجرد صوت عالٍ يُستعمل لإسكات الخصوم.

قبل أيام، وعلى سبيل المثال، كانت إذاعة أردنية خاصة تستضيف في برنامج مسائي "رشيق"، شاباً أسس مقهى (كوفي شوب) في أحد المولات الكبرى، باعتباره مواطناً مبدعاً وصاحب أفكار خلاقة، كونه ابتكر أنواعاً جديدة من المشروبات، قائمة على خلط أعشاب ونكهات مختلفة مع بعضها، لتُنتج طعماً جديداً. سألت المذيعة ذلك الشاب عن هدفه من تأسيس مقهاه، فأجابها من دون تردد: إنها خدمة الوطن! بمعنى أن الشاب أقحم كلمة الوطن من دون مناسبة، لاعتقاده بضرورتها كونه يتحدث عبر الإذاعة، حيث على المتحدثين أن "يُمثّلوا" على المستمعين، تاركاً الإفصاح عن أهدافه الشخصية من مشروعه الشخصي، إلى جلساته "الصريحة" مع أصدقائه! لقد كان الأجدى أن يقول إنه أراد النجاح المهني، والربح المالي، وهي أهداف لا غبار عليها، وتتفق مع منطق الأمور، من دون حاجة لإيهامنا بأنه يفكر بالوطن وهو يقدم الأرجيلة للزبون!

بالطبع فإن ذلك الشاب، في مطلع حياته المهنية، لا ذنب له، بل الذنب على من جعلوا الوطن والوطنية مضغة في الأفواه، ومقولة للدعاية، وأداة لقمع الخصوم المنافسين واتهامهم في نواياهم وانتمائهم وإخلاصهم.

إنه أمر عجيب، يضر الوطن ولا يفيده، لأنه يحرمنا من تنوع الاجتهادات تجاه مختلف القضايا، بما فيها تلك التي تقوم عليها خطط التنمية والتطوير، ويحصرها في رؤية واحدة لا مجال لنقدها، ولا بديل لها. لا بد، إذاً، من تخليص كلمة "الوطن" ومشتقاتها، من الغايات الشخصية، سواء كانت سياسية أو تجارية ربحية، وهو أمر لا يتحقق قبل أن نفهم أن الوطن للجميع، وأن عمّان بالنسبة لنا جميعاً أغلى -من دون شك- من كل ما على الأرض من معالم ومبان، حتى لو كانت ببهاء وروعة الكرملين!

[email protected]

التعليق