الثورة التي لم تكن!

تم نشره في الجمعة 16 أيار / مايو 2008. 02:00 صباحاً

إنه شهر أيار (مايو) من العام 1968، حين يكتشف العالم المذهول أن فرنسا قد جُـنّ جنونها. إنه إضراب عام يؤثر على كل شيء باستثناء الطاقة الكهربية والصحافة، ويؤدي بالبلاد إلى توقف تام.

لم تعرف أي من البلدان المتقدمة مثل هذا الموقف من قبل قط. إلا أنها مع ذلك ليست ثورة. فأعمال العنف قليلة ومتفرقة، ولم تحدث هجمات على المباني الحكومية. صحيح أن عدة آلاف من السيارات قد أحرِقَت، ولكن بعد ثلاثة أعوام سوف يتضح أن قوات الشرطة ـ التي كانت راغبة في تقويض الدعم الذي منحه الشعب بالإجماع تقريباً للحركة ـ كانت هي المسؤولة عن إحراق العدد الأعظم من تلك السيارات. ثم بعد مرور شهر من الإضراب يعود كل شيء إلى طبيعته. ماذا حدث؟

آنذاك كانت الحرب العالمية الثانية قد انتهت منذ ثلاثة وعشرين عاماً، وما زال الناس يتذكرون أن الأزمة الاقتصادية العظمى في العام 1929، والتي أسفرت عن عشرين مليون عاطل في غضون ستة أشهر فقط، كانت السبب في وصول هتلر إلى السلطة، وأن الرأسمالية كانت مسؤولة عن الحرب.

ونظراً لأهمية منع هذا الموقف من أن يتكرر، فقد برز اتفاق غير مكتوب يهدف إلى تنظيم الرأسمالية أو إيجاد الاستقرار الاجتماعي من خلال تعميم دولة الرفاهية الاجتماعية، وتحقيق الاستقرار المالي بتبني المبادئ التي أرساها كينيز، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي بتبني سياسات الأجور العالية في بلدان العالم الغربي بالكامل.

ولقد نجح ذلك الاتفاق. ففي ربيع العام 1968 كانت فرنسا، مثلها في ذلك كمثل كل البلدان المتقدمة، قد شهدت 23 عاماً من النمو السريع المنتظم بمعدل 4.5 إلى 5% سنوياً. وبفضل الوقاية التي كانت تتمتع بها فرنسا ضد الأزمات الاقتصادية ـ بسبب نجاح الرأسمالية الأكثر حكمة في القضاء على الأزمات المالية ـ فقد بلغت معدلات البطالة هناك الصفر. إنها فترة مذهلة، حيث نجح الردع النووي في تأمين السلام العالمي، ولم يسبق للاقتصاد العالمي قط أن شهد مثل هذا النمو السريع لهذه الفترة الطويلة. ومن قبل لم يكن تشغيل العمالة بالكامل أمراً وارداً بالمرة ولمدة طويلة.

كان شارل ديغول يحكم فرنسا منذ عشرة أعوام، وكان الحزب الشيوعي، أضخم أحزاب فرنسا، يهيمن على المعارضة. وكان الحزب الاشتراكي مشلولاً ومتحجراً وعاجزاً. ولم يكن بوسع المعارضة أن تفوز، ولم يتغير شيء، حتى بدا أن شيئاً لن يتغير أبداً في ذلك البلد الهادئ حيث الحكم للمال.

كان النصر للرأسمالية المنظمة في كل مكان. وكان الاقتصاد يبدو مستقراً في مساره الصاعد. وكان النجاح يقاس براتب الفرد. وكان الفلاسفة، وأبرزهم هيربرت ماركوس، يدينون فساد هذا النمط من الحياة. وأصاب الناس الملل؛ حتى أنهم تصوروا أنه من غير الأخلاقي أن يتحول المال إلى المرجع الرئيسي في العالم. واحتج الطلاب، إلى جانب النقابات التجارية في بعض الأحيان، ضد هذا المجتمع الاستهلاكي.

انتشرت مثل هذه المناقشات في العديد من الجامعات الأميركية والفرنسية. وفي بداية شهر أيار(مايو) وقعت بعض الأحداث في جامعة نانتري. وبادر طلاب جامعة السوربون، تضامناً مع زملائهم في جامعة نانتري، إلى احتلال جامعتهم العتيقة.

وبدأت الاحتجاجات في الجامعات الأميركية. وفي شهر يونيو/حزيران (يونيو) احتل الطلاب جامعة ستوكهولم. وفي الخريف وقعت أحداث في الجامعات الألمانية والإيطالية أيضاً. وأصبح العام 1968 عاماً عالمياً، واستمد وقوده من الشكوك التي اعتملت في نفوس شباب الجامعات بشأن العالم وما يجري فيه.

في باريس سارع أحد رؤساء الجامعات على نحو أخرق إلى مطالبة قوات الشرطة بتفريق المحتجين وإخراجهم من السوربون. حين أنشأ ملك فرنسا جامعة السوربون في القرن الثالث عشر، حصلت على مميزات خاصة، من بينها تولي المسؤولية عن حفظ النظام داخل أسوارها من دون تدخل من الخارج؛ وعلى هذا فلم يُـسمَح لقوات الشرطة بالدخول إلى حرم الجامعة. ولم يكسر هذه القاعدة سوى الغستابو أثناء الاحتلال النازي لفرنسا.

كانت العواقب المترتبة على قرار رئيس الجامعة في غاية الضخامة. فقد شعر كل الطلاب، في باريس والأقاليم ـ كان عددهم آنذاك يفوق المليون ـ بالإهانة. ثم ألقت السلطات ببعض القيادات الطلابية في جامعة نانتري إلى السجن، فسارعت كل الجامعات الفرنسية إلى الإضراب تضامناً معهم. ولا أحد يدري حتى الآن كيف ارتكبت الحكومة مثل ذلك الخطأ الفادح.

شهد "الحي اللاتيني"، المنطقة الطلابية في باريس، العديد من الاحتجاجات، ووقعت اشتباكات مع الشرطة. ولكن شيئاً لم يكن ليمنع الحركة من الانتشار. ونظمت النقابات التجارية مسيرة ضخمة تضامناً مع الحركة الطلابية.

في الخامس عشر من أيار (مايو)، وبدون أي تعليمات من النقابات التجارية، قرر بعض العمال على نحو عفوي أن يضربوا وأن يحتلوا المنشآت داخل أحد مصانع الطائرات في بوغونييه، وفي مصنع رينو في كليون. ولقد طالبت لجان الإضراب، المؤلفة من عمال شباب ـ وغير نقابيين في كثير من الأحوال ـ بمراجعة الهرم الوظيفي، والحصول على الاحترام اللائق، والحق في "حرية التعبير"، إلا أن تلك اللجان لم تتحدث عن الأجور قط  ولم تطالب حتى بالمفاوضات.

لم تكن النقابات التجارية تدري ماذا ينبغي عليها أن تفعل. فقد بادر اتحاد النقابات العمالية، المقرب من الحزب الشيوعي، إلى مكافحة الحركة بكل وسعه. أما الاتحاد الديمقراطي الفرنسي للعمال، الذي كان مسيحياً فيما قبل ثم علمانياً منذ العام 1964، فقد تفهَّم الحركة على نحو أفضل وتبنى أفكارها. ثم انتشرت الإضرابات.

حتى ذلك الوقت لم تقع أعمال عنف. ففي البداية فاجأت الحركة الشعب الفرنسي، الذي تعاطف معها. وكان الناس يساعدون بعضهم البعض، وتحول الأمر إلى احتفال خطابي. واستقال بعض الوزراء، ولكن لم يحدث أي هجوم ضد المؤسسات. وكانت فرنسا وكأنها تحلم وتستمتع بحلمها.

في السابع والعشرين من أيار (مايو) نظمت الحكومة اجتماعاً مع زعماء النقابات التجارية، الذين لم يكن لهم يد تقريباً في الإضرابات، وقادة المنظمات الخاصة بأصحاب العمل الذين لم يكن لهم أي يد في الإضرابات بطبيعة الحال. وتقرر في ذلك الاجتماع رفع الرواتب، رغم أن أحداً لم يطالب بذلك قط. وبالتدريج عاد الناس إلى أعمالهم.

وفي الحادي والثلاثين منأيار ( مايو) نجح جورج بومبيدو رئيس وزراء فرنسا آنذاك في إقناع ديغول الذي لم يخلف خطابه في الرابع والعشرين من أيار (مايو) أي أثر ـ بحل البرلمان. فقد ارتأى أن الحملة الانتخابية من شأنها أن تبقي الشعب الفرنسي مشغولاً. وأسفرت الانتخابات في نهاية شهر حزيران (يونيو) عن فوز كبير لأحزاب اليمين.

وبرغم ذلك كانت العواقب الاجتماعية التي خلفتها أحداث أيار (مايو) 1968 بالغة الضخامة. فقد كانت تلك الأحداث مؤشراً لبداية الحركة النسائية. وفي كل مكان خارج باريس تعالت الأصوات المطالبة بتفكيك مركزية الأقاليم. وأخيراً  اعترفت الاتحادات التجارية رسمياً بحق العمال في التحدث عن ظروف العمل التي يعيشون في ظلها داخل مقار عملهم.

لقد أهدى الفرنسيون إلى أنفسهم هذه الأزمة التي استمرت شهراً كاملاً ـ والتي كانت أكثر مرحاً وشاعرية من الأزمات الاجتماعية أو السياسية ـ من أجل التعبير عن رفضهم للعالم الذي أصبح للمال فيه أشد النفوذ والتأثير. والحقيقة أن جيلاً بكامله في الغرب يخالجه نفس الشعور.

* رئيس وزراء فرنسا السابق وزعيم الحزب الاشتراكي، وعضو البرلمان الأوروبي.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق