الضحية في ستينية جرحها النازف

تم نشره في الخميس 15 أيار / مايو 2008. 02:00 صباحاً

أن يكون الخامس عشر من أيار نكبة،

أو أن يكون نكسة،

أو أن يكون هزيمة، فإن ذلك لا يغيّر في الوقائع شيئاً. ثمة وطن اغتصب وأرض سلبت وسكان أصليون بحكم التاريخ صاروا رعايا ولاجئين يطلبون إذنا من المحتل إن همو حنّوا إلى أرضهم وبيتهم وزيتونتهم العتيقة إن ظل زيتون أو ظل وارف، أو بقيت أطلال يذرف الغريب عندها الدمع ويجهش.

كما أنه لا يغيّر في الأمر شيئاً "احتفال" إسرائيل باستقلالها في مثل هذا اليوم المسيج بالدم. إنه "انتصار" بطعم البارود ورائحة الموت.

ولأن فصول الموت ماتزال مستمرة حتى بعد مرور ستين عاماً على أكثر الكوارث فظاعة في التاريخ المعاصر، فإن البكائيات لا تسترد وطناً ولا تؤسس للضحية ما ترنو إليه من صورة تليق بالألم والخسارات.

يليق بالضحية الفلسطينية أن ترتفع معاناتها إلى حدود التراجيديا، بل إلى حدود المطلق الذي يقض مضجع الروح الإنسانية ويؤلب سكينتها ويهز العدالة الدولية من أكتافها كل حين كي تشعر بإثم إغماض العينين عن أكثر الجرائم وحشية في أكثر ساعات نهارات التاريخ سطوعا.

الضحية في ستينية جرحها النازف يتعين أن ترتقي إلى اختراق أعماق الضمير، وتظل تذكّر القاتل ما عاش وتجبّر بصورته البشعة حينما ارتضى أن يجعل الهولوكست اليهودي ليس محطة لكي يتأمل كـ"ضحية" تمزقاته، وإنما فرصة سافرة لإنتاج هولوكست آخر على أرض فلسطين، وكأنما الضحية ترنو إلى هيئة الجلاد الذي سامها سوء الأذى، ولا يطفئ عذاباتها إلا إنتاج عذابات جديدة وموت مفتوح حتى يقظة آخر الشهداء.

فالعذاب الفلسطيني الوالغ في عقده السابع وأزيَد عذاب مؤرق وفادح، ولا يكتمل إلا إذا أضحى جرحا أخلاقيا يعيد كتابة التاريخ بحبر مفتوح العينين على وقائع الجريمة وتسلسل فصولها.

وكما أسقط هذا الجرح الأخلاقي الباهظ مقولات "الشرعية الدولية" و"العدالة الأممية" و"حق الشعوب في تقرير المصير"، فإن عليه، حتى تكتمل دائرة التراجيديا، أن يسقط الرهان على ما تفرزه هذه المقولات التي تلهج بها ألسنة خرساء، وترددها ببغاوات السياسة التي أعشت الكاميرات عيونها.

ما لم يصحُ الإنسان في قارات الدنيا الخمس على كابوس هذا الجرح، وما لم يصبح درس فلسطين نشيدا صباحيا يردده الأحرار في كل مكان، فإنه سيظل نازفا فوّارا. وفي هذا المربع بالذات ينبغي أن تنهض جهود إعادة ترميم الضمير الإنساني في سياق ثقافي يأمل في إزالة الصمغ المدفون في آذان الناس والدول والمجتمعات، وبخاصة الأوروبية التي تلاحقها "عقدة الذنب" على الضحية اليهودية أيام معاناتها مع النازية، لكن روحها لا ترفّ بنأمة على شعب بأكمله مطرود من التاريخ والجغرافيا بحسب التقويم الغربي ذي الضمير الممزق.

ويصحبني في هذا التأمل الشاعر محمود درويش وهو يذكر الفلسطيني "في حضرة الغياب" بأنه لن يقوى أحد على إخفاء الوجع عنك، "فهو مرئي، ملموس، مسموع، كانكسار المكان المدوّي". لذا "لا تنظر إلى نفسك في ما يكتب عنك، ولا تبحث عن الكنعانيّ فيك لتثبت أنك موجود. بل اقبض على واقعك هذا، واسمك هذا، وتعلّم كيف تكتب برهانك. فأنت أنت، لا شبحك، هو المطرود في هذا الليل".

ويظل درويش يمسك سكين الرؤيا ويخط نشيد إنشاده. "وتسأل: ما معنى كلمة(لاجئ).

سيقولون: هو من اقتلع من أرض الوطن.

وتسأل ما معنى(وطن)؟

سيقولون: هو البيت وشجرة التوت، وقنّ الدجاج، وقفير النحل، ورائحة الخبز، والسماء الأولى.

وتسأل: هل تتسع كلمة واحدة من ثلاثة أحرف لكل هذه المحتويات... وتضيق بنا؟"

هذا هو السؤال الأخلاقي الذي تتعين الإجابة عنه كي تكتمل دائرة الإحراج للضمير العالمي، وكي يبقى سؤال فلسطين منغرسا في الوجدان الإنساني، ومؤشرا على مأزق العدالة في عالم مأزوم يكافئ الجلاد ويشاركه احتفالاته بـ "استقلال" غاشم، ويدير ظهره لصرخات الضحية وهي تتلوى في رمضاء التاريخ الحارقة.

mussaben@hotmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »آن أن تنصرفوا (منى محمد)

    الخميس 15 أيار / مايو 2008.
    ثلاثية متناغمة تلك التي تصدرت غلاف ملحق(60 عاما على اغتصاب فلسطين) الصادر عن جريدة الغد بمناسبة الذكرى60 للنكبة.

    غلاف يشمل كاريكاتيرا لرسام الكاريكاتير الخالد فينا ناجي العلي رمز التحرر والثورة والتمرد وعبارة موجعة تلك التي ضمنها رسمه
    "يا وطني كل العصافير لها منازل..إلا العصافير التي تحترف الحرية فهي تموت خارج الأوطان..."
    ومقالة تحليلية مؤثرة للكاتب موسى برهومة الذي اعتدنا على كتاباته المتميزة ..
    لنرى أيضا شاعر القضية محمود درويش حاضرا في مقتطفات "من حضرة الغياب"، درويش الذي يسكن قلب كلّ وطني وإن كان في أبعد نقطة في المنفى.

    استطاع الكاتب أن يضع يده على الوجع دونما تكرار لسرد تاريخي أو رصد إحصائي كما اعتدنا وإنما بأسلوب تحليلي سياسي موجز ومؤثر ومقنع؛ فهناك ثالوث يجب التسليم فيه بغض النظر عن تسمية المناسبة؛ وطن مغتصب(ضحية) وشعب لاجئ(شتات) ومحتل متجبر(جلاد) ولكل طرف في هذا الثالوث أبعاد يجب الوقوف عندها مليّاً.

    لكن الكاتب يدعونا للنظر في القضية نظرة أخلاقية توقظ ضمائر العالم أجمع يتمثل ذلك في أن يعيش جرح فلسطين فينا كنشيد يوميّ يردّده الأحرار في كل قارّات العالم ليقف ذاك الجرح عن النزيف ويكون لفلسطين حق في تقرير مصيره.

    لا نريد الوقوف على الأطلال وبكائها كما اعتدنا فأعلم يقيناً أننا "مواطنون دونما وطن... مطاردون كالعصافير على خرائط الزمن مسافرون دون أوراق... وموتى دونما كفن"، لكن ما عاد البكاء يجدي نفعا ولا يسترد وطناً بات يتجرع الآلام يوميّاً، وإنما نأمل بغدٍ أكثر وعياً وبجيل أكثر نضجاً ليحمل الغد تفاؤلاً يحقّق لنا النصر ويعيد لنا الكرامة ويلملم الشتات ليسعنا وطن واحد حينها سيكون انتصارا مدويّاّ فلتسمع كل الدنيا صوته وليعلم الجلاد أن الجرح آن له أن يلتئم.

    ومن باب التفاؤل بالمستقبل المشرق يستحضرني قول الشاعر محمود درويش في رائعته "عابرون في كلام عابر":
    "آن أن تنصرفوا
    ولتموتوا أينما شئتم ولكن لا تموتوا بيننا
    فلنا في أرضنا ما نعمل
    ولنا الماضي هنا
    ولنا الحاضر، والحاضر، والمستقبل
    ولنا الدنيا هنا... والآخرة
    فاخرجوا من أرضنا
    من برّنا.. من بحرنا
    من قمحنا من ملحنا من جرحنا
    من كل شيء واخرجوا من ذكريات الذاكرة
    أيُّها المارون بين الكلمات العابرة!"