هل ينجح التدخل العسكري الخارجي في النزاعات الداخلية؟

تم نشره في السبت 3 أيار / مايو 2008. 02:00 صباحاً

نظراً للتكاليف الباهظة والتعقيدات المترتبة على مبادرات حفظ السلام في مناطق ما بعد الصراع، ولأن الحرب في العراق كانت سبباً في تقويض اقتناع الدول الغنية بالنجاح الذي قد تحققه مثل هذه المبادرات، فقد آن الأوان لإعادة النظر في اللجوء إلى التدخل العسكري بكل روية ونزاهة. وطبقاً لدراسة جديدة أجراها مشروع إجماع كوبنهاغن، والذي تضمن أول تحليل على الإطلاق للتكاليف والفوائد المترتبة على مبادرات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، فقد تبين أن القوة العسكرية تشكل أداة على قدر عظيم من الأهمية في منع إراقة الدماء في مختلف أنحاء العالم.

والحقيقة أن العراق تشكل قياساً مضللاً لمدى فعالية مثل هذه المبادرات. فعلى العكس من الأغلبية العظمى من النـزاعات، اندلعت الحرب الأهلية في العراق نتيجة لحرب دولية. والحقيقة أن السيناريو الأكثر نموذجية للاستفادة من مبادرات حفظ السلام يتلخص في اندلاع أعمال عنف سياسي داخل دولة صغيرة مبتلاة بانقسامات عرقية قوية، في ظل دخل بسيط ومعدلات نمو متدنية.

من الواضح أن التعامل مع مثل هذه البلدان الخطيرة يشكل واحداً من أعظم التحديات الأمنية التي تواجه جيلنا إلحاحاً. وهناك سبب وجيه يدفعنا إلى الاعتقاد بأن المتاعب سوف تتصاعد. إذ أن نصف الحروب الأهلية تنشأ نتيجة لانتكاسات تالية لصراعات، فضلاً عن ذلك فقد تسببت التسويات السلمية الأخيرة التي تم التوصل إليها عن طريق المفاوضات في زعزعة الاستقرار في العديد من البلدان. كما أدى ارتفاع أسعار السلع الخام واكتشاف الموارد المعدنية في الدول الهشة إلى نثر بذور الخلاف والشقاق، بينما أدى انتشار الديمقراطية في البلدان ذات الدخول المتدنية إلى ارتفاع الاحتمالات الإحصائية لنشوب أعمال العنف السياسي  وهو أمر يثير التعجب.

يعتقد بعض المراقين أن الدول التي تعاني من الصراعات لابد وأن تُـترَكَ لحل صراعاتها بنفسها. إلا أن المشاعر الإنسانية والمصالح الشخصية تتعارض مع هذا التوجه. إن الحروب الأهلية الحديثة مروعة. فهي تؤثر بشدة على المدنيين في أكثر البيئات فقراً وبؤساً على وجه الأرض. وقد لا تسقط الدول الغنية ضحية للعنف السياسي، إلا أنها تتحمل بعض تكاليفه. إذ أن المجتمعات المحطمة تشكل ملاذاً آمناً لكل ما هو غير شرعي أو قانوني، من الاتجار في المخدرات إلى إيواء وتدريب الإرهابيين.

إن التدخل العسكري لا يصلح كحل في كل بقعة ساخنة؛ ولا ينبغي للتدخل العسكري أن يكون الرد الوحيد من جانب العالم المتقدم. وهنا تبرز مساعدات ما بعد الصراع، المصممة لمنع أعمال العنف من الاندلاع من جديد، كبديل سياسي أكثر إقناعاً من استخدام القوة، على الرغم من تكاليفه الباهظة.

تُـعَد الفترة التالية مباشرة لانتهاء الصراع الوقت الأمثل لتقديم المساعدات، وذلك لأنها تمكن الحكومات من الاستغناء عن السياسات التضخمية المدمرة، ونظراً لتدني معدلات التصدير إلى حد كبير في مثل هذه الحالات فإن المجازفة بارتفاع قيمة العملات المحلية على نحو غير مرغوب تكون ضئيلة للغاية. وما دامت الفوائد تصل إلى ثلاثة أضعاف التكاليف ـ وهي نسبة جيدة وإن لم تكن رائعة ـ فإن هذا يشكل استغلالاً طيباً للموارد العامة.

 توصي الدراسة التي أجراها مشروع إجماع كوبنهاغن بربط المساعدات المقدمة إلى دول ما بعد الصراع بقيود تُـفرض على الإنفاق العسكري. والحقيقة أن فرض الشروط في مقابل تقديم المساعدات أمر محل خلاف، إلا أن 11% من إجمالي المساعدات في الوقت الحالي يتحول إلى الإنفاق العسكري، وهذا يؤدي إلى زيادة واضحة في احتمالات اندلاع أعمال العنف. ومع تدني خطر العودة إلى الصراعات وتحسن استخدام أموال المساعدات، تقفز الفوائد المترتبة على المساعدات إلى 4.5 أضعاف التكاليف. إلا أن الفوائد المترتبة على استخدام قوات حفظ السلام، تفوق الفوائد المترتبة على المساعدات وحدها.

يكشف أي تحليل للتكاليف والفوائد المترتبة على مبادرات حفظ السلام أن خطر العودة إلى الصراع يتوقف على حجم انتشار القوات العسكرية. إذ أن إنفاق مائة مليون دولار على إحدى مبادرات حفظ السلام قد يؤدي إلى تقليص خطر العودة إلى الصراع في غضون عشر سنوات من حوالي 38% إلى 16.5%، وذلك مقارنة بعدم نشر قوات على الإطلاق. وإذا ما بلغ الإنفاق مائتي مليون دولار، فإن الخطر يتراجع حتى يصل إلى 12.8%. أما إذا بلغ الإنفاق خمسمائة مليون دولار، فإن الخطر يهبط إلى 9%. وبإنفاق 850 مليون دولار يهبط خطر العودة إلى الصراع إلى 7.3%.

وبسبب التكاليف الباهظة المترتبة على الحرب، فإن تدني احتمالات العودة إلى الصراع بما يعادل نقطة مئوية واحدة يساوي حوالي 2.5 بليون دولار من المكسب بالنسبة للعالم. وقد تؤدي أكثر عمليات نشر قوات حفظ السلام تكلفة إلى تقليل خطر العودة إلى الصراع بما يعادل ثلاثين نقطة مئوية كاملة، وهذا يعني أن المكاسب على مدار عشر سنوات قد تصل إلى 75 بليون دولار، مقارنة بتكاليف إجمالية تبلع 8.5 بليون دولار. وهذا في الحقيقة يشكل استثماراً واعداً للغاية.

ترتفع الفوائد المترتبة على عمليات حفظ السلام حين تنفذ طبقاً لالتزام يقضي بإعادة نشر القوات إذا ما لزم الأمر. وتستطيع الأمم المتحدة أو أي قوة إقليمية، مثل الاتحاد الأفريقي، أن تقدم مثل هذه الضمانة، لحماية الحكومات التي تولت السلطة في ظل انتخابات ديمقراطية نزيهة.

وقد تساعد هذه الضمانة العالم في تجنب ثلاثة من كل أربعة حروب أهلية متوقعة في البلدان ذات الدخول المتدنية في كل عقد من الزمان. وهذه الإستراتيجية قادرة أيضاً على حماية مجتمعات ما بعد الصراع بعد فترة أولية (حوالي خمسة أعوام) إذا ما أصبح تواجد القوات ضرورياً. إن توفير قوات الأمن اللازمة للتعامل مع كل هذه المخاطر قد يكلف حوالي 2 بليون دولار سنوياً، إلا أن الفوائد ـ المترتبة على انخفاض احتمالات العودة إلى الصراع وتسارع معدلات النمو الاقتصادي ـ قد تتراوح ما بين 11.5 إلى 39 ضعف التكاليف.

إن التدخل العسكري ليس الخيار الوحيد الذي يتعين على العالم أن يلجأ إليه لتقليص معدلات اندلاع أعمال العنف السياسي. وتتلخص الاستراتيجية الأمثل في هذا السياق في الجمع بين المساعدات، وفرض القيود على الإنفاق العسكري، ونشر قوات حفظ السلام، وتقديم الضمانات الأمنية الممتدة على النحو الذي يضمن تعامل العالم المتقدم مع البقاع الساخنة في مختلف أنحاء العالم بشكل متساوق. إن لجنة بناء السلام قادرة على تنسيق مثل هذه الجهود. إذ أن التكاليف السنوية المترتبة على هذه الحزمة الكاملة قد تبلغ 10.8 بليون دولار، إلا أن الفوائد التي سيجنيها العالم سوف تبلغ خمسة أضعاف التكاليف على أقل تقدير.

لا ينبغي لنا أن نسمح للجدال الدائر الآن باستبعاد احتمالات اللجوء إلى القوة العسكرية في المواقف التي قد يحدث فيها التدخل العسكري فارقاً واضحاً. وباستخدامها كجزء واحد من الحزمة فإن مبادرات حفظ السلام تظل تشكل وسيلة فعّالة وجديرة بالثقة لتوفير الاستقرار في الدول الهشة وتقليص معاناة أكثر شعوب العالم فقراً وأشدها بؤساً.

*بول كوللير أستاذ علوم الاقتصاد بجامعة أوكسفورد. وبيورن لومبورغ منسق إجماع كوبنهاجن، وأستاذ فخري بكلية كوبنهاجن لإدارة الأعمال، ومؤلف كتاب "اهدؤوا" وكتاب "أنصار البيئة المتشككون".

خاص بـالغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق