بين "الديني" و"السياسي" في الاسلام تجاذب لابد أن يُحسم

تم نشره في الخميس 24 نيسان / أبريل 2008. 02:00 صباحاً

حان الوقت لمراجعة جذرية من داخل الاسلام وضمن مصدره القرآني والنبوي للمفاهيم السياسية المنسوبة للاسلام، خاصة ما تطرحه قوى تسييس الدين في عصرنا. وهي مفاهيم من وْضعِها، ولصالحها، ولا تمت للاسلام بصلة. فنظراً لان الاسلام لم يلتزم بمعتقد سياسي محدد منذ البدء، خضع التطور السياسي لتجربة المسلمين في الدول والسلطة لظروف التاريخ التي يتم انكارها اليوم على الرغم من ان الخلافة مثلاً نظام تاريخي تجريبي واجتهادي خضع للتغيير والتعديل حسب نتاج التجارب التاريخية - فينسب نظامها للوحي الالهي وهو منها براء براءته من غيرها من التنظيرات السياسية التي سادت الفكر السياسي للمسلمين سلطة ومعارضة، وتم الباسها بلباس الدين والوحي.

وكما اشرنا في مواضع عدة من مؤلفات سابقة، فان الحضارة الاسلامية كانت حضارة راقية ورائعة في العلم والفكر والعمران، لكنها كانت مصابة بفقر دم سياسي بدد الكثير من طاقاتها الحضارية. ولعلها اشارة تاريخية ذات مغزى وتستحق التأمل ان انتشار الاسلام قد ازداد زيادة لافتة في مناطقه بعد تراجع قوة الدولة الاسلامية واتضاح ضعفها، فلم يجد الناس الا في الاسلام نفسه حامياً لهم ولهويتهم. ونعتقد ان هذا ما يحدث اليوم، وهو ابعد ما يكون عن انبعاث الدولة الدينية. فقد عجزت مختلف الصيغ التحديثية عن مواجهة التحدي الاسرائيلي والغربي كما اتضح ضعف مؤسسة الدولة الرسمية في مختلف انحاء العالم الاسلامي. لذا لجأ الناس الى التدين المفرط وهو "الغلو" الذي حذر منه القرآن الكريم (يا اهل الكتاب لا تغلوا في دينكم) حماية لانفسهم وهويتهم، وذلك ليس من جوهر الاسلام لكنه لرد التحدي.

اما اقامة الدولة الدينية، فليس ثمة مقومات او برنامج سياسي مكتمل لدى دعاتها، وهم يستغلون الموجة الدينية السائدة لكنهم لا يملكون الكفاءة اللازمة لاقامة الدولة، فإن هذا الغلو الذي يشجعونه لن يؤدي الى قيامها. فالدول لا تقام بالاماني.

ومن اجل ان يتعظ المسلمون من تجاربهم السياسية المخفقة في الماضي، لابد من اعادة النظر لاكتشاف حقيقة السياسة في دينهم وتجنب المغامرات العقيمة الماثلة، والتي ليس لها من نتيجة غير الاساءة للاسلام وتشويه تاريخه. فالافت ان ايدولوجيات تسييس الدين عملت في العقود الاخيرة على اعادة الاعتبار للخلافة العثمانية (ما استدعى انبعاث العصبويات المناوئة لها تاريخياً).

بينما الحركات الاسلامية التي واجهت المظالم العثمانية في حينه، وناضلت، بل وثارت ضدها، كالدولة السعودية في الجزيرة العربية، والحركة السنوسية في ليبيا، والثورة العربية بقيادة الشريف حسين كان لها في هذه الخلافة رأي آخر. وكذلك المفكرون الاسلاميون الذين عاصروها كمحمد عبده وعبدالرحمن الكواكبي.. وسواهما فكيف نسقط تجارب من عاشوا تلك الحقبة من المسلمين وننكر واقعهم التاريخي لصالح ميول ايدلوجية بعيدة زمناً عنها ولا تدعمها شهادة التاريخ، بل متورطة في عملية تزويره؟!

واذا كان ضعف العرب وانحطاطهم التاريخي قد جعلهم فريسة سهلة للسلطنة العثمانية، فان ضعفهم اليوم يعيد التاريخ نفسه ويعرضهم لمؤثرات من خارج وطنهم العربي. فمنطق الضعف والعجز له نتيجة واحدة في مختلف الاحوال.

وعوداً على بدء في استجلاء العلاقة بين الدين والسياسة في الاسلام، وكما اجمع باحثون مسلمون من مختلف الاتجاهات والاجتهادات، فإن من اهم ما يلاحظ في الظاهرة الاسلامية، ان الاسلام - قرآنا وسنة - قد اولى العقائد والعبادات والاخلاق اهتماماً مفصلاً ومحدداً الى حد كبير، بينما في الجانب السياسي كان ايجازه شديداً الى درجة تحديد مبادئ في نتهي العمومية، كالشورى والعدل، بما يحتمل اختلاف التأويلات ومختلف النظم السياسية التي افرزتها التجارب الانسانية. وقد اخذ المسلمون الحديث النبوي الكريم الموثق "انتم اعلم بشؤون دنياكم" على محمل اتصاله بتأبير النخل فحسب، وهو فهم ضيق الواسع من مقولته عليه السلام، وحصره في ظرف المناسبة اللحظية، فشؤون الدنيا تأتي في مقدمتها شؤون السياسة. ولا بد من اخذ الحديث النبوي على هذا المحمل، فمن الطبيعي ان يكون الناس في كل زمان ومكان اعلم بشؤون سياستهم التي هي من شؤون دنياهم، وهي الاهم لمصائرهم من تأبير النخل.

وعندما كان النبي الكريم يكاتب زعماء الدول يدعوهم للاسلام، كان همه الاكبر والوحيد قبولهم بأساس العقيدة الاسلامية، مع بقاء الامير في سلطته، بحسب نظام بلده دون البحث في كيفيته، الامر الذي يعني ان عقيدة الايمان هي الاصل في الاسلام، وان طبيعة النظام السياسي من اختيار اهل كل بلد. ففي رسالة النبي عليه اسلام الى المنذر بن ساوى ملك البحرين نقرأ العبارة المبدئية التالية: "فأني ادعوك الى الاسلام. فاسلم تسلم يجعل الله لك ما تحت يديك..".

واذا عدنا للقرآن الكريم نجد ان مصطلح »حكم« المتداول اليوم في لغتنا المعاصرة بمعنى سلطة القرار السياسي لا يرد اطلاقاً بهذا المعنى، وما اشتق منه مثل »حكومة« كان يعني عملية التحكيم - كما بين علي ومعاوية - ولا يعني السلطة التنفيذية ناهيك بما صاغه المودودي في عصرنا بالحاكمية وهو لا يجيد العربية!... وكان يعني مصطلح Sovereignty بمعنى السيادة المطلقة للدولة الحديثة - د. محمد عمارة - ابو الاعلى المودودي (دار الوحدة ، ص 193 وما بعدها).

فالحكم في المصطلح القرآني، والعربي الاصلي، هو الحكمة وهو البصيرة العادلة، واذا اقتربنا بمعانيه من سلطات الحكم فهو سلطة القضاء، وكان القاضي يسمى حاكماً، كما ورد في احاديث نبوية متواترة وكما فسر المفسرون المصطلح القرآني في قوله تعالى: "وتدلوا بها الى الحكام" (سورة البقرة 188) بأن المقصود (القضاة) تفسير ابن كثير: 1/224 - 225، اما اصحاب السلطة السياسية فقد اطلب اطلق عليهم القرآن الكريم من منطلق المعنى العربي الاصلي: "الامراء" فقال "اولو الامر"، وتضمنت السنة النبوية مصطلح "الامير" في مواضع عدة بهذا المعنى وتعارف المسلمون على تسمية القائد السياسي بـ "امير المؤمنين"، وهو الفهم السائد عند العرب في حينه.

وللامام علي بن ابي طالب في "نهج البلاغة" في رده على "الخوارج" الرافضين لمفهوم "الدولة" و"السلطة" تمييز حاسم بين معنى "حكم" ومعنى "امر" حيث قال: "كلمة حق يراد بها باطل نعم انه لا حكم إلا لله، ولكن هؤلاء يقولون: لا إمرة إلا لله. وانه لابد للناس من امير بر او فاجر يعمل في امرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيه الاجل، ويجمع به الفيء، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل...". (نهج البلاغة 1/87 - القاهرة المكتبة التجارية الكبرى).

وهذا يعني كما يشير الامام علي الى ان اقامة السلطة الراعية لامن الناس - وان تكن غير مثالية ... (او "فاجر") مقدمة على انتظار سلطة اليوتوبيا المنشودة.. هذا ان جاءت.

وما افقر الفكر السياسي الاسلامي، محاولة البعض تجاهل مصادره الاصلية الهامة واغفالها كصحيفة المدينة التي وضعها النبي الكريم وتمثل فكرة السياسي عندما واجه مسألة السياسة في المدينة المنورة. فهي اول دستور في الاسلام واول تعاقد سياسي بين المسلمين وغيرهم في نطاق الدولة الجامعة حيث نرى في الفكر السياسي النبوي تمييزاً واضحاً ومبدئياً بين "المجتمع الديني" الذي يضم المسلمين في دولة الرسول و"المجتمع السياسي" الذي يشمل، بالاضافة الى المسلمين "اليهود" وقبائلهم في المحيط المدني. وقد ذكرت "الصحيفة" بالاسم تلك القبائل واعتبرها "امة واحدة" مع الجماعة الاسلامية لهم ما لها وعليهم ما عليها في شؤون الامن والسياسة. ولم يزايد احد في حينه على النبي عندما اصدر الصحيفة او الدستور الاول في الاسلام، بالقول الذي نسمعه في مزايدات الحاضر (القرآن دستورنا) في وقت كان فيه القرآن يتنزل على الرسول ككتاب هداية للانسانية جمعاء، وليس كدستور لهذه الدولة او تلك!

وعلينا ان نضيف انه عندما خرقت تلك القبائل الدستور كان للنبي منها موقف آخر، كأي خرق دستوري في اي زمان ومكان.

ان دراسة (صحيفة المدينة) وابرازها في الوعي الاسلامي المعاصر كوثيقة تاريخية مسألة حيوية لتجديد شباب الفكر السياسي عند المسلمين.. كما ان اغفال هذا التعاقد السياسي من شأنه ان يضع الامور في غير نصابها ويؤدي الى تصورات خاطئة بشأن الصلة بين الديني والسياسي في الاسلام. ف

الدولة في الاسلام دولة مدنية - كما اكد المفكر الاسلامي د. ابو المجد من منطلق فكر امام النهضة الشيخ محمد عبده - تهتدي بقيم الدين ومبادئه وهي ليست حكومة رجل الدين، حيث لا رجال دين في الاسلام، فالمسلمون كلهم يحملون هذه الصفة..

والفرق يكمن بين عالم في الدين ومن هو اقل علماً.. فلا دولة كهنوتية او ثيوقراطية في الاسلام، وقد اسهمت اطروحة المفكر الاماراتي د. حسين غباش عن التجربة العُمانية الاباضية وتطورها الساسي في تقديم نموذج تاريخ اسلامي وعربي يؤكد ذلك، ويعتبر ان "منصب الخليفة ليس الهياً" (عُمان: الديمقراطية الاسلامية، ترجمة د. انطون حمصي، ط ،3 دار الفارابي، ص 16-29).

وكان النبي الكريم يوجه قائد الجند الذي يرسله في اية مهمة "اذا سألك اهل حصن ان تنزل الى حكم الله فلا تنزل بهم الا الى حكمك، فانت لا تدري اتخطئ ام تصيب". وهذا يعني ان السياسة مسألة تجريب فيها الخطأ وفيها الصواب، اي انها مسألة اجتهادية ظنية لا مسألة قطعية من مسائل الدين، ويرى د. محمد عمارة ان هذا التوجيه النبوي في حد ذاته يكفي لحسم الجدل بهذا الشأن.

وختاماً: فإن هذه النظرة نظرة اسلامية تتقيد بالكتاب والسنة، وليست "علمانية" تغريبية، كما يعشعش في بعض الاذهان.. والله المستعان.

مفكر من البحرين واكاديمي في الدراسات الاسلامية

www.dr-mohamed-alansari.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كنتم خير امة (غادة شحادة)

    الخميس 24 نيسان / أبريل 2008.
    للحق اقول لم اقرأ القال بشكل كامل ومفصل لذلك قد يكون بعض مااقوله منفصل ولا علاقة له بالموضوع فاعذروني
    الذي اود قوله لماذا كل هذه التحليلات عن الاسلام وهذه المصطلحات الرنانة تسييس الاسلام والاسلام السياسي والذي لا ولم ولن افهمه مصطلح الاسلاموفوبيا ماهذا الكلام ؟ لو رجعنا الى عصور الدول الاسلامية المتقدمة كان القران والسنة هما مصدر التشريع للاحكام السياسية فكنا في مصاف الدول العظمى وحكمنا العالم اما الان عندما ضيعنا فراننا وتجاهلنا سنتنا لاداعي لان اقول لكم اين صرنا واذا تطرقنا الى الارهابيين المتطرفين فلم اقتنع يوما انهم اسلاميون بل هم مدسوسون على الاسلام لتشويه صورته امام الغرب وللاسف فهم ينجحون في ذلك فلو رأينا وسمعنا الرأي العام الغربي عنا وعن رأيهم بنا لسمعتهم يقولون انهم يؤمنون بأننا نركب الجمال والنساء كالجواري والسيف بأيدينا ننتظر سببا لاخراجه من غمده واعماله في رقاب الناس يجب ان يتوفر لدينا اعلام واعي ليوصل الى عامة الناس والبسطاء خاصة ان الاسلام هو سبب رفعة البشر ورقيهم وان التعليمات الاسلامية لم تصدر من انسان يحتمل رأيه الصواب ويحتمل الخطأ بل صدرت عن خالق الكون المدبر العليم الحكيم سبحانه جل شأنه واوصلها لنا عن طريق الذي لا ينطق عن الهوى سيد البرية محمد صلى الله عليه وسلم ارفعوا رأيكم عاليا فأنتم خير امة اخرجت للناس
  • »العلمانية هي الحل (معاذ التكروري)

    الخميس 24 نيسان / أبريل 2008.
    سمها ما شئت
    العلمانية المؤمنة هي الحل
    فقط للعلم العلمانية ليست نظاما واحدا فهي تتراوح بين المؤمنة و اللحدة المعادية للدين
  • »للاسلام ثوابت لا تتغير (بسام عثمان)

    الخميس 24 نيسان / أبريل 2008.
    فالإسلام دين ودولة، وشريعة ومنهاج، ونظام عمل، إنها بديهية لا يؤيدها واقع التشريع الإلهي فحسب، ولكن يؤيدها واقع التاريخ في مسلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخلفائه الراشدين من بعده. وهذه الحقيقة اعترف بها منصفو المستشرقين:
    ـ يقول فتزوجرالد: "ليس الإسلام دينًا فحسب، ولكنه نظام سياسي أيضًا".
    ـ ويقول نلينو: "لقد أسس محمد في وقت واحد دينًا ودولة، وكانت حدودهما متطابقة طوال حياته".
    ـ ويقول ستروثمان: "الإسلام ظاهرة دينية سياسية، إذ أن مؤسسه كان نبيًّا، وكان سياسيًّا حكيمًا "أو رجل دولة".
    ـ ويقول توماس أرنولد: "كان النبي في نفس الوقت رئيسًا للدين، ورئيسًا للدولة".
    ************
    بدأ المجتمع السياسي ـ أو الدولة ـ حياته الفعلية، وأخذ يؤدي وظائفه، ويحول المبادئ النظرية إلى أعمال بعد أن استكمل حريته وسيادته، وضم إليه عناصر جديدة، ووجد له وطنًا على أثر بيعتي العقبة بين يدي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ووفود المدينة، وما تلاهما من الهجرة.
    وقد نصت المادة الأولى من الاتفاقية الخاصة بحقوق الدول، وواجباتها التي عقدتها الدول الأمريكية في مونتفديو في 26 من ديسمبر سنة 1933م، على ما يأتي:
    يجب لكي تعتبر الدول شخصًا من أشخاص القانون الدولي أن تتوافر فيه الشروط التالية:
    1ـ شعب دائم.
    2ـ إقليم محدود.
    3ـ حكومة.
    4ـ أهلية الدخول في علاقات مع الدول الأخرى.
    وبدون تعمُّل أو إسراف نستطيع أن نقول: إن المجتمع الذي استقر على أرض المدينة كان ـ بوجود النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى مدى عشر سنوات ـ يمثل بكل معنى الكلمة دولة متكاملة، لها كل الشرائط والأركان السابقة:
    ـ فالمدينة رقعة من الأرض، أو إقليم له حدوده المميزة المعروفة عند سكانها وغيرهم.
    ـ والشعب هو جماعة المسلمين من الأنصار والمهاجرين الذين تركوا أموالهم وديارهم من أجل عقيدتهم، وقد جمع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين هذه العناصر، وصهرها في بوتقة واحدة، فربطت بينهم قيم الحب، والإخاء، والإيثار.
    ـ أما الحكومة فهي حكومة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد اعتمدت في الحكم على ركائز إنسانية، من أهمها الشورى والعدل.
    ـ وكل أولئك جعل لهذه الدولة الجديدة أهلية كاملة في التعامل ـ كشخصية اعتبارية ـ مع الآخرين. بل إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ باشر مهماته السياسية عند وصوله إلى المدينة مباشرة، فكتب "دستور المعايشة"، وهو يعد من أطول كتبه، إن لم يكن أطولها، وهو ينظم العلاقات الاجتماعية، والقانونية، وأسلوب التعامل، ويحدد الحقوق والواجبات في حالتي الحرب والسلم في هذا المجتمع الجديد بما فيه من مهاجرين وأنصار، وجماعات، وقبائل اليهود.
    وفيه تقنين لخروج الإنسان من إطار القبيلة والقبيلة إلى رحاب الدولة والأمة.. واستن هذه الدستور بسنن التكافل بين رعية الأمة وجماعاتها في مختلف الميادين، سواء كانت الميادين مادية أو معنوية.. وهذا الدستور الجديد لهذه الدولة الجديدة لم ينسخ ـ جملة وبإطلاق ـ كل أعراف الجاهلية، بل أقر منها ما هو صالح لا يتعارض مع روح الشريعة، ولا يتصادم مع التطور الجديد.
    فالدولة الإسلامية قد قامت في الأصل لتحل محل الكسروية والقيصرية، أي أنها قضت على تأليه الفرد، وعلى سلطانه المطلق، ولم تجعل إرادة الحاكم أو الحكام أساس الدولة، بل جعلت أساسها القانون.. وهذا القانون يرمي إلى تحقيق العدل المطلق والمصلحة العامة، لا إلى تحقيق إرادة الحكام أو الطبقات.
    وانطلاقًا من هذا المفهوم الشمولي لا يعرف الإسلام هذه التفريقات التي شاعت واشتهرت بين ما يسمى بالسلطة الزمنية، والسلطة الدينية، أو بين الدين والدولة، وكان ابن القيم على حق حين كتب أن "تقسيم بعضهم طرق الحكم إلى شريعة وسياسة كتقسيم غيرهم الدين إلى شريعة وحقيقة، وتقسيم الدين إلى عقل ونقل، وكل ذلك تقسيم باطل. بل السياسة والحقيقة والطريقة والعقل كل ذلك ينقسيم إلى قسمين: صحيح وفاسد، فالصحيح قسم من أقسام الشريعة لا قسيم لها، والباطل ضدها ومنافيها".
    ومن ثم أطلق الفقهاء على "سياسة الحكم" مصطلح "السياسة الشرعية"، وهي تعني "تدبير الشئون العامة للدولة الإسلامية، بما يكفل تحقيق المصالح ورفع المضار، مما لا يتعدى حدود الشريعة".
    وكانت المثالية هي الطابع الواضح لهذه الدولة التي أثبتت وجودها، وهزمت قوى البغي والشر والشرك، وتشربت القيم الإنسانية العليا، ولكن هذه المثالية لم تكن مثالية تجريدية محلقة في الخيال مُبعدة في التسامي، ولكنها كانت "مثالية واقعية" أو "واقعية مثالية" ـ إن صح هذا التعبير ـ لأن الأخلاق الحقيقية "هي التي تضع الضمير الإنساني في وضع متوسط بين المثالي والواقعي، وتجعله يدمج بينهما، وهذا الدمج يؤدي إلى تغيير مزدوج في كليهما: ففي عالم الواقع يحدث جديد، هو الاتجاه نحو الأفضل، كما أن القاعدة المثالية ي الأخرى باحتكاكها بالحقيقة الحسية تعدل نفسها لتلائم الواقع، فإذا حتدم النزاع بين واجبين فقد يتعين أن يُخلى أحدهما السبيل أمام الآخر، أو تحتم طبيعة العلاقات المركبة بين الأشياء إيجاد نوع من التوفيق بينهما، أو يسمح الجانب غير المحدد من القاعدة باختيار حر يؤكد إنسانية الإنسان".
    وهكذا نرى أن الإلزام الخلقي يستبعد "الخضوع المطلق" مثلما يستبعد "الحرية الفوضوية" ويضع الإنسان في موضعه الحقيقي بين "المادة الصرف" و "الروح الصرف".
    وهذا هو الجوهر الحقيقي لطبيعة "الوسطية العادلة" التي اعتمدت عليها قائمة القيم الإسلامية، وأشار إليها القرآن بقوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ............إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (البقرة : 143 ).
    وقد أخذ المسلمون من الرعيل الأول أنفسهم بهذه القيم التي تهدف إلى صلاح أمور الدين والدنيا، وكان أخذ النفس بها مرتبطًا بقدر الاستطاعة، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ومن ثم لم يعجز المسلمون عن الامتثال لها .
    وتأتي المسئولية عن قيام الأمة عامة شاملة، لا يختص بها فرد دون فرد، قد تختلف في شكلها وموضوعها ودرجاتها، ولكنها تتفق مع ضرورة اضطلاع كل فرد "حاكمًا كان أو محكومًا" بجزء من المسئولية عن جانبٍ من كيان الأمة، ثم تقع على كل فرد من أفرادها بالتضامن مسئولية بقائها وسلامتها، فالكل راع والكل مسئول عن رعيته.
    وقد كتبنا من قبل أن الإسلام يرفض الإطلاقات الحديثة مثل: الإسلام السياسي، والإسلام الاجتماعي، والإسلام الاقتصادي، والإسلام التربوي ... إلخ .لأن "الإسلام إسلام . فهو ـ كما ذكرنا ـ دين ودولة، ومنهاج ونظام وعمل، وتربية وسلوك. وما أصدق ابن القيم حين قال: "تقسيم بعضهم طرق الحكم إلى شريعة وسياسة، كتقسيم غيرهم الدين إلى شريعة، وحقيقة، وتقسيم الدين إلى عقل ونقل، وكل ذلك تقسيم باطل. بل السياسة والحقيقة والطريقة والعقل كل ذلك ينقسم إلى قسمين: صحيح وفاسد، فالصحيح قسم من أقسام الشريعة لا قسيم لها، والباطل ضدها ومنافيها". (إعلام الموقعين 4/ 375).
    ومن ثم أطلق الفقهاء على "سياسة الحكم" مصطلح "السياسة الشرعية"، وهي تعني: تدبير الشئون العامة للدولة الإسلامية بما يكفل تحقيق المصالح، ورفع المضار، مما لا يتعدى حدود الشريعة.
    ****
    والكلام يمكن أن يطول جدًّا في هذا الموضوع، ولكننا نكتفي بهذا القدر، ثم نوجه سؤالينا الآتيين للأخ الأستاذ خالد الجندي: أما زال مصرًا على مقولته التي أشرنا إليها، وهي مقولة ـ كما ذكرنا ـ ابتدعها علي عبد الرازق، وتبناها محمد سعيد عشماوي، ومدرسة غلاة العلمانيين من مفكريين وسياسيين ؟. وهل أنشأ النبي– صلى الله عليه وسلم – الدولة الإسلامية
    لتنتهي بموته , أم لتكون نموذجا يحتذى في كل بلاد المسلمين في كل زمان ومكان ؟