درس استراتيجي وتاريخي

تم نشره في الخميس 17 نيسان / أبريل 2008. 03:00 صباحاً

استخلصت إسرائيل في آخر عشرين عاما درسا استراتيجيا مهما أدى الى جدل داخلي حامي الوطيس حول العلاقة بين الأرض والسلام والأمن.

البداية كانت بسقوط الصواريخ التسعة والثلاثين الصدّامية أثناء حرب الخليج عام 1991. فقبل دك إسرائيل بهذه الصواريخ كانت الفكرة السائدة في إسرائيل أن هناك أهمية قصوى للبعد الطبوغرافي في الأمن الإسرائيلي. وقد أسس لهذه المدرسة ديفيد بن غوريون وموشيه دايان. وكانت هذه الفكرة هي البداية لظهور تعبير "حدود آمنة يمكن الدفاع عنها"، والتي كتب عنها إيغال ألون في مقالة له في منتصف السبعينيات في مجلة الفورين أفيرز الأميركية.

لم يتم تحدي هذه الفكرة إلا بعد حرب الخليج في عام 1991، إذ ظهرت مدرسة أخرى ترى أن البعد الطبوغرافي في عصر تكنولوجيا الصواريخ وفي ظل امتلاك العرب (أو أعداء إسرائيل) لهذه التكنولوجيا لم يعد له ذات القيمة في ضمان الأمن الإسرائيلي. وبالفعل، التقط شيمون بيرس هذا الفهم الاستراتيجي البديل ليعزز توجه حزب العمل آنذاك في التوصل الى تسوية سلمية تتنازل بموجبها إسرائيل عن أراض محتلة لأسباب ديموغرافية.

هنا بدأ النقاش "الاستراتيجي الثاني" في إسرائيل (النقاش الأول كان في الخمسينات وانتهى بطرد رئيس الوزراء الإسرائيلي موشيه شاريت وانتصار تيار بن غوريون وموشيه دايان). ففي النقاش الثاني، لم يعد هناك إجماع صهيوني على أهمية الأرض في الأمن. هنا تجب الإشارة الى العلاقة بين ثلاثة مفاهيم مهمة في العقيدة الأمنية الإسرائيلية ومواقف اللاعبين الرئيسيين منها. فالعمل، على سبيل المثال، يولي أهمية للأمن، وفي سبيل تحقيق ذلك فإن العمل مستعد للتنازل عن الأرض مقابل الأمن وتحقيق السلام. بمعنى أن أولوية العمل هي الأمن ثم السلام ثم الأرض. وفي المقابل، يؤمن اليمين الإسرائيلي بأن الأهمية يجب أن تذهب للأرض ثم الأمن ثم السلام.

أكدت الحرب الأخيرة في لبنان أن عامل الأرض لم يعد عائقا أمام القوى المعادية لإسرائيل من الوصول الى الجبهة الداخلية. ومن ثم، كان من المتوقع أن يشتد النقاش مرة أخرى (الجدل الثالث) حول العلاقة بين أطراف المعادلة (الأمن، الأرض، السلام)، لكن هذا لم يجر حتى الآن. السبب في ذلك هو أن مركز السياسة الإسرائيلي أعيد تشكيله بعد اغتيال رابين وأصبحت الآراء اليمينية التقليدية أقرب الى المركز منها الى اليمين التقليدي.

التعبير الأهم لهذا الزحف في المركز الإسرائيلي يمينيا هو باراك. فهو يؤمن أن حربا قادمة هو أمر حتمي لذلك على إسرائيل أن تكون مستعدة تماما للتعامل مع متطلبات صيانة الجبهة الداخلية. وهذا توجه يكاد يكون جديدا في السنوات العشرين الأخيرة. لم يستنتج باراك ما استنتجه رابين وبيرس في أوائل التسعينات وإنما أخذ بالعمل على حمل الشارع الإسرائيلي على استبطان فكرة أن الجبهة الداخلية لم تعد محصنة وأن على إسرائيل في هذه الحالة أن لا تقدم على حرب جديدة إلا وهي مسلحة بالتكنولوجيا التي تمنع الصواريخ المعادية من السقوط على المدن الإسرائيلية. وسعى باراك لتعزيز هذا الهاجس عندما كان رئيسا لهيئة الأركان في أوائل التسعينيات. ودفع بقوة لأن تقوم رافائيل (شركة الصناعات العسكرية الإسرائيلية) بتطوير أنظمة لاعتراض الصواريخ التي قد تهطل على المدن الإسرائيلية.

وعل هذه الخلفية، جاء الاختبار الأخير لصاروخ السهم (Arrow) في عملية تشبيهيه (Simulation) والذي نجح في اعتراض شبيه صاروخ شهاب الإيراني. فإسرائيل بهذا المعنى تستعد لأن تكون الحرب القادمة، في حال وقوعها، حربا يتمكن فيها الإسرائيليون من منع العدو من الوصول الى عمق إسرائيل.

ديناميكية العلاقة بين الأرض والأمن والسلام اختلفت هذه المرة عن سابقتها بعد انتهاء حرب الخليج. إلا أن التطور الأكبر منذ ذلك التاريخ هو إضافة البعد المجتمعي والثقافي لمفهوم الأمن الإسرائيلي (يهودية الدولة) كأحد أهم مكونات الأمن الإسرائيلي. وبالتالي يمكن القول أن الجدل الآن حول إمكانية تحقيق الأمن (بأبعاده الثقافية المجتمعية) والاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من الأرض الفلسطينية المحتلة. وبكلمة يمكن القول أن حركة العمل التاريخية أدخلت البعد المجتمعي الثقافي الديموغرافي للأمن ما أدخل تعديلا في ايدولوجيا اليمين في حين أدخل اليمين الجابوتنسكي فكرة الجدار الحديدي الأمر الذي أفضى الى تفكير باراك الذي نشهده هذه الأيام.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تحليل في مكانه (البوريني)

    الخميس 17 نيسان / أبريل 2008.
    أهنئك أخ براري على هذا المقال فالرؤية الاستراتيجية لاسرائيل واضحة لكن ما ينتج عنها من أهداف وخطط تشغيلية هو مربط الفرس.. يعني اتجاه الليكود أو العمل أو كاديما وغيرها من الاتجاهات السياسية تعمل لرؤية واحدة وهي (دولتك يا اسرائيل من الفرات الى النيل) ماذا وضعنا نحن كرؤية يا ترى؟؟ أنحن سائرون نحوها أم أننا تائهون نتخبط يمينا ويساراً.. أتحفنا أخ حسن عن الخطط الاستراتيجية لدولة عربية فاعلة في الشرق الأوسط لصد الرؤية الاسرائيلية
  • »رائع (ابو الحكم)

    الخميس 17 نيسان / أبريل 2008.
    أخ حسن هذا مقال مفيد. شكرا على توضيح الأمور بهذه الطريقة. لم أعي حقيقة التحول في العمل الا بعد ان فهمت منك العلاقة بين المركز وموقع الأحزاب. شكرا مرة أخرى
  • »الأمن بعيد عن شواربهم (أحمد البرغوثي)

    الخميس 17 نيسان / أبريل 2008.
    هناك تيار فلسطيني قريب من أبي مازن يقول أن باراك لا يريد التسوية بل يعمل على تعطيلها. إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا يفصح الفلسطينيون عن ذلك ويعملوا حملة ضد المجرم باراك. ثم أن الجرائن الإسرائيلية في الأمس ضد أهل غزة بحاجة الى اتخاذ ما يلزم لافشال العقيدة الأمنية الصهيونية التي تحدثت عنها في مقالك. ثم كيف يبرر الرئيس الفلسطيني استمرار المفاوضات مع من لا يريدون سلاما على الاطلاق. قرأت أكثر من مرة أن إسرائيل لا تريد السلام، وبالتالي لماذا نهرول نحن ونمد أيدينا للقتلة والعصابات اليهودية التي لم تدخر جهدا لتقويض أمالنا في التحرر. العيش في فلسطين الآن هو مثل النار لكن هناك متعة في صمودنا وسنيتمر الى أن يرث الله الأرض من عليها
  • »اسرائيل والتطبيع (د. غبدالله عقروق \فلوريدا)

    الخميس 17 نيسان / أبريل 2008.
    تحليل منطقي واكاديمي .
    ولكن أضيف معلومة جديدة وهو أن معظم المذكورة اسمائهم في المقال قد عملوا ايضا لاستقطاب الكثيرمن القيادات العربية الى الحضيرة الأسرائلية حيبث اصبحوا اعضاءا فخرين للنظام الأسرائيلي حيث شاهدنا مؤخرا اللقاء الحميم بين وزيرة خارجية اسرائيل ودولة قطر.