الفلسطيني يتمسّك بإنسانيته في أحلك الظروف

تم نشره في الثلاثاء 15 نيسان / أبريل 2008. 03:00 صباحاً

القاهرة – كانت حياتي في الضفة الغربية أثناء صيف عام 2006 أقل درامية بكثير مما قد يعتقد البعض. لم أُخطَف ولم أشاهد معارك نارية في الشوارع. كنت أذهب إلى الجامعة في كل يوم وأتناول الطعام الشهي وأسافر عبر مدن مختلفة في المنطقة. وهذا لا يعني أن الحياة طبيعية في هذا الجزء من المناطق الفلسطينية. بناء على الحرّيات التي كنت أعتبرها أمراً عادياً في الولايات المتحدة، لم أكن مستعدة لغياب حريات مدنية معينة هناك.

كانت إحدى الحريات التي أعتبرتها أمراً اعتيادياً التنقل بحرية إلى الجامعة والعمل. تنتشر نقاط التفتيش العسكرية الإسرائيلية في كافة طرق الضفة الغربية، وإذا كنت تقيم على بعد 15 كيلومتراً من المدرسة أو العمل، فسوف تضطر على الأرجح لأن تعبر حاجزين أو ثلاثة منها. بعد خروجك من السيارة تساق مع القطيع البشري إلى منطقة انتظار تحيط بها الأسلاك الشائكة، وكل ذلك تحت الأنظار الجليدية لجندي إسرائيلي أو جندية ورشاشهما الحربي. وهذا أمر مرعب من دون شك لشخص لا يرتاح لوجود السلاح. وإذا كنت محظوظاً فإن جواز سفرك الأميركي سوف يبعدك عن الشبهات والتأخير، أو قد يعتقد جندي إسرائيلي شاب أنك فتاة جميلة لطيفة فيتركك تذهبين في سبيلك دون مضايقة وتحقيق. ولكن بالنسبة لمعظم الفلسطينيين، تشكّل نقاط التفتيش إذلالاً يومياً يذكّرهم بالاحتلال العسكري الذي يعيشون تحته.

وتشكل نقاط التفتيش هذه واحدة من مجالات التبادل القليلة التي يتشارك فيها الفلسطينيون والإسرائيليون، وظاهرة تذهب إلى أعماق المشكلة في النزاع. يترك هذا التفاعل القصير الفلسطينيين وهم ينظرون إلى الإسرائيليين على أنهم مجرد وحوش عسكرية، ويترك الإسرائيليين من الجنود وهم يشكّون في كون كل فلسطيني مفجرا انتحاريا محتملا. هناك جدار، رمزي وفعلي، بين الإسرائيليين وجيرانهم الفلسطينيين، وهذا يمنع كل طرف من فهم الطرف الآخر الذي يعتبره العدو.

ولكنني كنت محظوظة أثناء إقامتي لأنني قابلت امرأة فلسطينية رأت الإنسانية على الجانب الآخر من الأسلاك الشائكة. كانت عبير واحدة من أفراد أسرتي المضيفة، وهي أم لأربعة أطفال ذات ابتسامة دافئة. في أحد الأيام وبينما كنا نشرب القهوة، سألت صديقي رون إذا كان يريد الذهاب إلى تل أبيب. رون ينتقد السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين بشدة كما ينتقد الإسرائيليين العاديين، الذين يرى أن معظمهم يستحقون الشجب إما لدعمهم تلك السياسات أو لعدم الاحتجاج عليها. لذا عندما سُئل إذا كان يرغب بالذهاب إلى إسرائيل، أجاب بقوة، " لا. أنا لا أحب الإسرائيليين". نظرت عبير إلى رون وكأنه مجنون، وسألته "لماذا؟"، دون أن تنتظر إجابته، بدأت فوراً بالدفاع عن الإسرائيليين قائلة: "إنهم مثلنا تماماً. لديهم مشاكلهم أيضاً. لديهم من المشاكل أكثر مما لدينا. هل تدري؟ أنا أشعر بالأسف نحوهم. هل تعتقد أنهم يتمتعون بإخراج الناس من بيوتهم؟ إنهم مجرد أناس كذلك. ولكنهم في موقع يضطرهم لفعل أمور سيئة". صعقت من هذا الدفاع المثير للمشاعر عن الجنود الإسرائيليين من قبل أم فلسطينية. استمرت عبير تشرح كيف بدأت للمرة الأولى تنظر إلى الإسرائيليين كبشر أيضاً، وليس كعدو غير بشري.

"كان والدنا مريضا جداً بالسرطان عندما كنت في الرابعة عشرة من عمري. كان أخي البالغ من العمر تسع سنوات في الشارع يلقي الحجارة على الجنود الإسرائيليين. عندما ركض إلى البيت طارده الجنود لكي يعتقلوه وعندما وجدوا البيت دخلوا لإمساكه. ولكنهم شاهدوا والدي، وكان من الواضح أنه مريض يعاني سكرات الموت. نظروا إلى والدي ثم إلى أخي، وأخبرونا أنهم لن يعتقلوا أخي لأن والدي مريض، ثم غادروا البيت. أيقنت في تلك اللحظة أن هؤلاء الجنود هم بشر أيضاً، وأنهم وغيرهم من الإسرائيليين لديهم نفس مشاعرنا".

لم أصدق وأنا أسمعها تعبر عن هذا الشعور العميق تجاه الإسرائيليين. نحن جميعاً بشر في نهاية المطاف. ورغم أنه من السهل أن ننتقد ونشجب، من المفيد والمنتج أيضاً أن نفهم وأن نحاول أن نرى أنفسنا في موقع الآخر. وصف جميع الإسرائيليين بمجرمي الحرب خطأ تماماً مثل وصف جميع الفلسطينيين بالإرهابيين. ليست محاربة النار بالنار بالطريقة الفضلى لإنهاء التعميمات ونزع الإنسانية عن العنف الناتج عن ذلك. لذا، شكراً لك يا عبير لأنك وضعت نفسك في موقع الجندي الإسرائيلي. قد أتمكن في زيارتي القادمة من مقابلة جندي إسرائيلي مستعد لأن يضع نفسه في مكانك.

تخرجت بولين لويس مؤخراً من جامعة ميشيغان في الدراسات العربية الإسلامية، وهي حالياً زميلة في برنامج فولبرايت الأميركي ومركزه القاهرة.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع خدمة Common Ground الإخبارية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لا يلام الذئب في عدوانه إن يك الراعي عدو الغنم (Bara)

    الثلاثاء 15 نيسان / أبريل 2008.
    عجبا هذا أملر مثير للأشمئزاز،، اتشكلرهم لأنهم لم يعتقلو طفلا، عيب ...