من المطلبية الموقعية إلى التفاوض الجماعي الراشد

تم نشره في الثلاثاء 15 نيسان / أبريل 2008. 03:00 صباحاً

أحد الأسباب الجوهرية التي باتت تتطلب إصلاح بيئة العمل التشريعية والأطر الاجرائية الناظمة لعلاقات العمل هو هذا الانفجار الواسع للتحركات المطلبية الموقعية في كل مكان تقريباً، من مؤسسات القطاع الخاص، كبيرها ومتوسطها، إلى المؤسسات الحكومية والبلدية، إلى المناطق الصناعية المؤهلة.

ولو كانت تشريعات العمل والأطر الناظمة للعلاقات العمالية بخير لما واجهنا هذا النمو الانفجاري للمطلبية العمالية، والتي تتسم بالتفتت الموقعي وتنوع خلفيات وأوضاع القائمين بها وأشكال الاحتجاج والضغط التي يمارسونها. وما من ضمانة تمنع إنفجار شرارة صغيرة هنا أو هناك، وتفتح الباب امام اضطراب اجتماعي كبير في ظروف الضائقة التي يمر بها الأردن، سوى بإصلاح بيئة العمل برمتها، بدءاً من قانون العمل وانتهاء بالاتحاد العام لنقابات العمال.

والذين يؤمنون بالتسويف ويبشرون به، أو الذين يعتقدون بأن الأمر "تحت السيطرة" لا يقدمون حلولاً استراتيجية أو توافقية، وإنما يراهنون على عوامل غير قابلة للسيطرة عليها، مثل الانضباط الطوعي للمواطنين والصبر والعقلانية، والتي باتت من سمات مواطننا الأردني. أو أن هؤلاء يضمرون حلولاً كالتي تمارس في بلدان شقيقة، نعلم جميعاً انها ليست حلاً لنا أو لهم.

دعونا نعود إلى الأرقام، ولنقتصرهنا على التحركات المطلبية العمالية. ففي الأعوام القليلة الماضية، ارتفع عدد نزاعات العمل من معدل 32-33 نزاعاً في عامي 2004 و 2005 إلى 82-84 نزاعا خلال عامي 2006 و 2007. وإذا أخذنا بالاعتبار أن الأرقام السابقة مجمعة من الصحف الأردنية خلال السنوات الأربع الأخيرة، وهي تحتمل قدراً من السهو، والأهم من ذلك أن بعض نزاعات العمل قد لا تكون وصلت إلى الصحف، فإن الصورة العامة تفيد بأن عددها في تصاعد، بل في تضاعف إلى ثلاث مرات بين عامي 2004 و 2007.

وكان بودنا أن نستعين ببيانات وزارة العمل، لكن الأخيرة لا تنشر شيئاً عن نزاعات العمل، هذا إذا كانت تحصيها أصلاً. لكنها تنشر عدد الاتفاقيات الجماعية المبرمة بين ممثلي العمال (النقابات أو من ينوب منابها) وأصحاب العمل. وهذه الاتفاقيات أيضاً تؤكد ما أوردناه سابقاً عن نزاعات العمل. فالاتفاقيات الجماعية هي أيضاً في تزايد، عاما بعد عام، وإن لم يكن بذات وتيرة عدد النزاعات، مما يعني أن عدداً منها لا يُسَّوى في العام نفسه أو لا يُسَّوى أبداً.

الاستخلاص الذي تقول به الأرقام الآنفة اننا إزاء بيئة عمل تعاني من اضطراب. وهذا الاضطراب في تزايد. وهذا بحد ذاته يشكل عاملاً منفراً للاستثمارات الخارجية، ولا مصلحة لنا في استمراره، ويتطلب الإسراع في إصلاح تشريعات العمل والأنظمة والاجراءات الخاصة به.

برهان آخر على الحاجة إلى الاسراع في اصلاح تشريعات العمل وبيئة العمل ككل هو الآتي: فالإضراب بموجب قانون العمل الأردني يتطلب سلسلة من الاجراءات للشروع به، إلى حد يكاد يجعله محظوراً. فلكي ينفذ العمال أو النقابة اضراباً مشروعاً، فإن ذلك قد يتطلب منهم ما يزيد على مائة يوم من الإجراءات التي تبدأ بتوجيه إنذار مسبق بالإضراب. وعادة ما تتدخل وزارة العمل لتسوية النزاع، وإذا ما مر النزاع في مختلف مراحل التوفيق والتحكيم ولم تفلح في الوصول إلى اتفاق، فإنه يحق للعمال بعدها تنفيذ اضرابهم. فأين تجد مثل "هذا النفس الطويل" لدى العمال؟!

مع ذلك، بل الأصح بسبب ذلك، فإن عدد الاضرابات العمالية لا يتراجع بل يزيد سنة بعد أخرى. فإذا وجدت النقابة أو عمال قطاع ما أن الأوضاع التفاوضية تسمح بمباشرة الإضراب ، فإنها لن تتردد في ذلك. ولذلك فقد ارتفع عدد الاضرابات المنفذة خلال السنتين الأخيرتين إلى 11 اضراباً عام 2006 و17 اضراباً عام 2007. هذا ناهيك عن الأسلوب الجديد الذي بدأ العمال للجوء اليه: وهو "الاعتصام". فقد ارتفع عدد هذه الاعتصامات خلال العامين الأخيرين إلى 15 في عام 2006 وإلى 17 في عام 2007. وإذا أضفنا إلى هذه الاضرابات والاعتصامات التهديدات بالإضراب، فإن مجموعها يرتفع إلى 34 (2006) و 46 (2007)، وهي أرقام تستثني الاضرابات والاعتصامات التي لم تصل أخبارها إلى الصحف.

الاستخلاص من الأرقام المارة أن لدينا خسائر اقتصادية متزايدة نتيجة التوقف عن العمل، فالإضراب الرسمي وما يسمى "بالاعتصام" هو في نهاية الأمر توقف عن العمل، وتعطيل لطاقات انتاجية. ومرة أخرى فإن تشريعات العمل الحالية وأشكال التدخل والوصاية على الحركة النقابية لم تَحُل دون هذه الخسائر، كما لم تحقق استقرار بيئة عمل منتجة وجاذبة للاستثمار. فإلى متى المكابرة، وأين الحكمة في استمرار السياسات القديمة.

هل نحن بحاجة إلى مزيد من البراهين على ضرورة الاسراع في إصلاح تشريعات العمل ومنظومة وآليات تنظيم علاقات العمل؟

 اليكم البرهان الثالث: وهذه المرة من المناطق الصناعية المؤهلة. من المعروف أن هذه المناطق نشأت بموجب اتفاقيات خاصة مع الولايات المتحدة، وتطورت إلى اتفاقية للتجارة الحرة معها. وكان يفترض بهذه المناطق أن تفتح الباب أمام استقطاب الاستثمارات المحلية والأجنبية من أجل الاستفادة من مزايا وجود سوق أمريكي كبير ومفتوح للصادرات الأردنية. وخلال السنوات السابقة سجلت الصادرات إلى السوق الأمريكي ارتفاعات مشهود بها توحي بنجاح هذه الاتفاقية.

لكن التدقيق في مردود هذه الاتفاقية يسمح لنا بالتساؤل عن جدواها الاقتصادية، وعن اضرارها الجانبية المتعاظمة على جاذبية الأردن الاستثمارية. فقد استقطبت المناطق الصناعية المؤهلة اسثمارات مضاربة وعابرة، تعتمد على سياسة "العمل الأسود"، التي تقوم على استغلال الأيدي العاملة الأجنبية (الآسيوية أساساً)، من خلال منحها أجوراً متدنية للغاية وحرمانها من أبسط ظروف العمل والسكن اللائقة بالبشر.

وبدلاً من أن تشكل هذه المناطق فرصا جديدة لاستقطاب العمالة الأردنية والحد من بطالتها، فقد تراجع حجم العمالة الأردنية فيها سنة بعد أخرى وبتسارع، إلى الحد الذي يعزز مشروعية التساؤل عن جدوى هذه المناطق الصناعية وعن المعنى المقصود بأنها "مؤهلة"؟!

ويزداد الأمر خطورة إذا علمنا انها تنطوي على مدخلات أردنية محدودة من المواد الخام والوسيطة، بل وتستهلك من مواردنا المائية الشحيحة، في الوقت الذي لا تستدرج العمالة الأردنية للعمل في مصانعها. وفوق ذلك، تلحق هذه المناطق بالأردن أسوأ أشكال الضرر المعنوي، حيث تلاحقنا المنظمات والصحافة الدولية بسيل من التقارير التي تتحدث عن الظروف شبه العبودية للعمل في هذه المناطق.

 فلمصلحة من تضطر قوى الأمن لردع الاضرابات والاضطرابات التي يقوم بها العمال والعاملات الآسيويات، أو للقيام بترحيلهم؟ وهل تبقى أسواق الولايات المتحدة مفتوحة لصادرات الأردن من هذه المناطق إذا تنبهت الحركات المدنية هناك إلى ظروف "انتاج" البضائع المصدرة إليها؟ بل وهل تستمر اتفاقية التجارة الحرة قائمة في المستقبل في هكذا أوضاع؟!

إصلاح التشريعات العمالية وإصلاح مؤسسات الحركة النقابية العمالية هو الطريق لبيئة انتاجية واستثمارية صحية، وهو الطريق ايضاً لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وتفادي الخَضّات غير المحسوبة أو المتوقعة. فبدلاً من سلسلة لا تنتهي من نزاعات العمل الموقعية والخسائر الاقتصادية والمعنوية، فإن وجود قانون عمل يستجيب لمعايير العمل الدولية، ويوفر آليات فعالة وعادلة لتمثيل مختلف أطراف العمل، بدون التشويهات التي تحدثها عادة التدخلات الرسمية، هو الضمانة للانتقال من حالة تصاعد نزاعات العمل الموقعية المشتتة إلى المفاوضة الجماعية الراشدة والمسؤولة وإلى الشراكة الاجتماعية.

وبكلمات: إذا كان لا بد من الانخراط في العولمة فخيارنا عولمة اكثر عدالة، محكومة بمعايير متوازنة، لا تعمل فقط لصالح طرف على حساب طرف آخر.

hhourani@ujrc-jordan.org

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »العمال يريدون حقوقا لا خلافات ومشاكل (بسام عثمان)

    الثلاثاء 15 نيسان / أبريل 2008.
    لقد اكدت كافة المواثيق الدولية لحقوق الانسان حق الانسان فى العمل، كون هذا الحق يساهم فى تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ،كما يساهم في بناء الشخصية الانسانية ،ولاهمية هذا الحق فقد تطرقت له العديد من المواثيق والاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الانسان بشكل عام والحقوق العمالية بشكل خاص.
    فعلى اصعيد الاقليمي فقد ورد في دستور منظمة العمل العربية (...العمل ليس سلعة وان من حقوق القوي العاملة فى الوطن العربي ان تعمل فى ظروف وشروط ملائمة تتفق مع كرامة الوطن العربي... وان لكل مواطن قادر الحق فى العمل المنتج الذي يمكنه من كسب عيشه وان يحيا حياه كريمة وعلى الدولة تهيئة فرص العمل عن طريق توجيه خطط التنمية نحو تحقيق ذلك الهدف بحيث تكون زيادة الانتاج مقترنه بزيادة فرص العمل بالقدر الذي يكفل حق العمل لجميع المواطنين ...)
    وعلى الصعيد الوطني الاردني
    فقد تم اقرار العديد من القوانين العصرية والمصادقة على العديد من الاتفاقيات والمواثيق التي تكفل حقوق العامل .
    فالدستور اعطى الحقوق العمالية اهتمام كبير فمثلا " تقبل المحاكم الدعاوي والمطالبات العمالية مجانا وبدون دفع اية رسوم ويشمل ذلك كافة مراحل الدعوي العمالية بما فى ذلك تنفيذ الحكم"
    كما ان النزاعات العمالية التي تحال الى المحكمة العمالية صفة الاستعجال بحيث يتم مباشرة النظر فى النزاع خلال مدة لاتزيد على سبعة ايام على ان يصدر القرار خلال ثلاثين يوما.
    فان اي دولة ترعي الحقوق العمالية هى دولة الرفاه الاجتماعي ، سيما اذا ادركنا ان الحق فى العمل هو ركيزة اساسية للحقوق الاقتصادية والاحتماعية الواردة فى العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية و الثقافية المصادق عليه من قبل الحكومة الارنية ، هذه المصادقة التى تفرض على الدولة التزام برعاية الحقوق العمالية وحمايتها.