المطالبة بشفافية أكبر في الأسواق المالية

تم نشره في الجمعة 11 نيسان / أبريل 2008. 03:00 صباحاً

حتى الآن ما زالت العواقب الكاملة المترتبة على الأزمة المالية التي أحدثتها قروض الرهن العقاري السيئة في الولايات المتحدة غير واضحة، بيد أن التأثيرات التي لم تكن متوقعة تتضمن بالفعل المطالبة بقدر أعظم من الشفافية في الأسواق المالية، والتنظيم الأفضل.

من بين أقسام الأسواق المالية التي لا تخضع لقواعد الشفافية والمصارحة التي تنطبق على البنوك والصناديق المشتركة على سبيل المثال، صناديق المجازفة العالية وصناديق السندات المالية الخاصة. فبعد أن كانت هذه الصناديق تشكل قسماً ضئيلاً نسبياً من التعاملات، سنجد الآن أن أضخم خمس صفقات خاصة بالسندات المالية الخاصة تشتمل على كميات من المال تتجاوز الميزانية السنوية لروسيا والهند. تبلغ قيمة الأصول في السندات المالية الخاصة وصناديق المجازفة العالية اليوم حوالي ثلاثة تريليونات دولار أميركي، ومن المتوقع أن تصل إلى عشرة تريليونات بنهاية العام 2010. تعتمد هذه الصناديق الآن بشكل كبير على الاستثمار في صناديق التقاعد، والأموال المقترضة من البنوك وغير ذلك من المصادر غير الخاصة.

الحقيقة أن هذه الصناديق الخاصة تشكل حوالي ثلثي الدين الجديد. على هذا، فإذا كنا نتعامل مع مشكلة خاصة بالدين، كما هي الحال في أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة، فلابد وأن ننظر أيضاً إلى الدور الذي تلعبه الصناديق الخاصة في خلق هذه المشكلة. إنها باختصار تشكل تحدياً أساسياً للاستقرار المالي، وما لم يتم تنظيمها فمن المرجح أن تساهم في تفاقم أزمات المستقبل.

لقد ثبت أن صناديق السندات المالية الخاصة تشكل تهديداً بالنسبة للشركات القوية، وحقوق العمال، وأجندة لشبونة التي أقرها الاتحاد الأوروبي (والتي تهدف إلى جعل أوروبا الاقتصاد الأعظم قدرة على المنافسة على مستوى العالم). إذ أن هذه الصناديق تستحوذ على الشركات بأموال مقترضة ـ أكثر من 80% من السعر في كثير من الأحوال. ومثل عمليات الاستحواذ هذه تجعل الشركات مثقلة بالديون وفوائدها، الأمر الذي يضطرها إلى الاستغناء عن العاملين لديها وبيع أصولها. وهذا يعني أن الشركة التي كانت ذات يوم قادرة على الربح أصبحت تُحْلَب من أجل الأرباح السريعة قصيرة الأمد، الأمر الذي لا يعود بالنفع على العاملين أو الاقتصاد الحقيقي.

في العام 2004 اشترى أحد صناديق السندات المالية الخاصة شركة Automobile Association في بريطانيا. كانت الشركة قد حققت أرباحاً تبلغ 75 مليون جنيه إسترليني سنوياً، وكانت تعمل على توسيع خدماتها بالاستعانة بعشرة آلاف من العاملين لديها. ومنذ ذلك الوقت ارتفعت أرباح الشركة إلى190 مليون جنيه إسترليني سنوياً، إلا أنها استغنت عن ستة آلاف عامل، وبالتالي ارتفعت تكاليف خدمات الصيانة والإصلاح لمركبات الأعضاء، وتضاعفت مدة انتظارهم لدورهم في الصيانة والإصلاح.

في العام 2005 استحوذت مجموعة من شركات السندات المالية الخاصة على شركة الاتصالات TDC في الدنيمرك، حيث مولت المجموعة 80% من تكاليف الشراء بالاقتراض. ثم قفزت نسبة الدين إلى الأصول لدى الشركة من 18% إلى 90%، بعد أن استخدمت المجموعة احتياطيات الشركة المخصصة للتنمية على الأمد البعيد في تسديد أقساط القرض ـ وهي احتياطيات بالغة الضرورة بالنسبة لصناعة الاتصالات.

هذه الصناديق معفاة إلى حد كبير من الضرائب، ويرجع ذلك غالباً إلى أنها مسجلة في الخارج، رغم أنها تدار بواسطة المراكز المالية العالمية الكبرى في الداخل. ولقد اعترف مدير أحد هذه الصناديق بأن ما يدفعه من ضرائب أقل مما تدفعه عاملة التنظيف لديه. وفي الولايات المتحدة تكلف هذه الصناديق الدولة من 2 إلى 3 مليارات دولار سنوياً في هيئة عائدات ضريبية مفقودة ـ أي ثلاثة أمثال ميزانية الاتحاد الأوروبي للمساعدات الإنسانية.

ظلت النقابات التجارية في المملكة المتحدة وألمانيا وكندا وغيرها تشير إلى الضرر الناجم عن عمليات الاستحواذ من جانب هذه الصناديق منذ أمد بعيد. كما انتبه إلى نفس الأمر عدد من كبار الساسة مثل نائب مستشار ألمانيا السابق فرانز مونترفيرنج، الذي وصف صناديق السندات المالية الخاصة بـ"الجراد"، وعدد من الديمقراطيين البارزين في لجنة الخدمات المالية التابعة لكونغرس الولايات المتحدة. كما حققت المجموعة الاشتراكية في البرلمان الأوروبي، ومجلس العموم البريطاني، والبرلمان الأسترالي في أمر هذه الصناديق الخاصة.

يحرص تشارلي مكريفي، مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون السوق الداخلية، بكل إصرار وصلابة على مقاومة أي تحرك نحو فرض قدر أعظم من القيود والضوابط على صناديق السندات المالية الخاصة والمجازفة العالية. إلا أن التيار ينقلب ضده الآن. ففي قمة الاتحاد الأوروبي التي انعقدت في الخريف الماضي وافق رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل، والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، في بيان مشترك على احتياج الأسواق المالية إلى المزيد من الشفافية. وفي تحرك منفصل، وعد براون بسد أي ثغرات قانونية من شأنها أن تمكن مدراء صناديق المجازفة العالية من إعفاء أنفسهم من تسديد الضرائب.

فجاء رد كل من صناديق السندات المالية الخاصة وصناديق المجازفة العالية بنشر ميثاق أخلاقي طوعي للسلوك. وفي حديث أجرته معه صحيفة فاينانشيال تايمز قال بول مارشال، رئيس أحد صناديق المجازفة العالية، إنه كان يتمنى أن تكون الممارسات الطوعية من جانب الصناعة كافية "لإزالة الضغوط". على الأقل، كان في ذلك التصريح قدر كبير من الشفافية.

لا أحد يريد أن يشوه سمعة صناديق السندات المالية وصناديق المجازفة العالية أو يقيد حركتها بلا ضرورة، والحقيقة أن استثمار رؤوس أموال المجازفة في الشركات المبدعة وشركات المجازفة العالية الجديدة يسلط الضوء على الدور المفيد الذي قد تلعبه هذه الشركات. إلا أن هذا لا يشكل سوى جزء ضئيل (5%) من صناعة السندات المالية الخاصة. وإذا ما علمنا أن القسم الأعظم من الصناعة (60%) يعتمد على عمليات الاستحواذ المدعومة بالاقتراض المفرط، فمن المعقول أن نطالب هذه الصناعة باحترام القواعد الخاصة بالشفافية والضرائب، والتي يقبلها الجميع.

في نهاية المطاف، لابد من تنظيم الصناديق الخاصة على مستوى العالم. وربما كان بوسعنا أن نتخذ الإجراءات اللازمة في كل من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على حدة، إلا أن العمل المنسق بواسطة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة سوف يشكل بداية واقعية. إن الصناديق الخاصة لا تستطيع العمل خارج هاتين السوقين العملاقين، ولسوف يكون لزاماً عليها أن تحترم المتطلبات والشروط في كل من السوقين. إن الإرادة اللازمة للتحرك متوفرة بالفعل في الاتحاد الأوروبي. الحقيقة أن الشاغل الحالي للبيت الأبيض هو الذي يشكل العقبة الأكثر شراسة، ولكن التغيير قادم لا محالة.

رغم هذا، لن يكون ضمان الشفافية والمصارحة كافياً بالكامل لمعالجة قضية عمليات الاستحواذ المثقلة بالديون، والتي سوف تظل موضع اعتراض. لقد باتت الحاجة ملحة إلى وضع حدود لمقدار الدين الذي تستطيع أي شركة أن تراكمه، فضلاً عن تغيير التشريعات الخاصة بعمليات الاندماج والاستحواذ بحيث تشتمل على البنود القادرة على معالجة هذه الظاهرة. والأمر الأخير يقع بوضوح ضمن صلاحيات الاتحاد الأوروبي. هناك أيضاً الحاجة إلى حماية مدخراتنا التقاعدية، والتي يتم الآن استثمارها بكثافة في صناديق السندات المالية الخاصة. باختصار، نحن في حاجة إلى نظام إشرافي لائق للتعامل مع قطاع الخدمات المالية في أوروبا.

ما يزال الحديث طويلاً. والأمر يحتاج إلى المناقشات الجادة سعياً إلى الوصول إلى الاتحاد الأوروبي بالكامل، فضلاً عن مخاطبة الاتفاقيات بين الحكومات، وتشجيع الولايات المتحدة على التحرك في نفس الاتجاه. ولكن لكي نحمي معاشاتنا التقاعدية ومدخراتنا ووظائفنا ورفاهيتنا الاجتماعية، فكلما كان التغيير أسرع كان ذلك أفضل.

بول نيروب راسموسين رئيس حزب الاشتراكيين الأوروبيين ورئيس وزراء الدنمرك السابق.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق بروجيكت سنديكيت

التعليق