محاربة الفتنة

تم نشره في الثلاثاء 8 نيسان / أبريل 2008. 02:00 صباحاً

القاهرة – أصدر عضو البرلمان الهولندي غيرت وايلدرز الأسبوع الماضي فيلمه "فتنة" الذي يهاجم فيه المسلمين والقرآن الكريم في خضم قلق عالمي واسع من أن عرض الفيلم لن يؤدي إلا إلى توترات جديدة عبر الثقافات، بل وحتى إلى العنف. وكانت شخصيات مسلمة بارزة، بمن فيهم بعض العلماء السلفيين، قد هددوا بمقاطعة هولندا، بينما هددت شخصيات رسمية في إيران بإعادة النظر بالعلاقات الدبلوماسية مع هولندا إذا تم عرض الفيلم. مرة أخرى يبدو المنظر العام عبر الحضارات أقل من واعد.

لحسن الحظ أن ردة فعل المسلمين الهولنديين كانت رزينة. إلا أنه من الواضح أن أناساً مثل وايلدرز يعيشون على نوع الجو المشاكس المسيطر حتى عرض الفيلم. وقد أظهرت استطلاعات الرأي أن شعبية حزب وايلدرز تتمتع بأعلى معدلات شعبيتها بعد الاغتيال الوحشي لثيو فان غوغ، وكذلك مرة أخرى بعد رسوم جايلاندس بوستن الخلافية.

يهدف وايلدرز إلى تحقيق مكاسب سياسية أتت على حساب المصالح الإستراتيجية بعيدة الأمد، مثل التفاهم المتبادل والتعايش السلمي. قبل بضعة أيام فقط، أهين مسلم دنمركي مراهق وجرى إزعاجه بشكل مرهق، ومن ثم ضربه حتى الموت من قبل عنصريين مراهقين في جو مشاكس من الرهاب الإسلامي، بينما يظهر فيلم وايلدرز مثيراً للمزيد من ردود الفعل العنفية من المجموعات السياسية الإسلامية، التي تتغذى كذلك على التوتر القائم حول الفيلم لدفع آرائها المتطرفة.

يتوجب على المعتدلين على الجانبين أن يتحركوا بسرعة لمنع المتطرفين من أن يقرروا مجرى الأحداث المحيطة بهذا الحوار. لا يسمح الدستور الهولندي للحكومة أن تمنع عرض الفيلم، وأشك شخصياً بأية محاولة لإسكات فكرة أو رأي. قرارات غير موضوعية كهذه تفتح الباب لأنظمة استبدادية لتقييد حرية التعبير لدى معارضيها.

ولكن رعاية استفزازات كهذه أمر يجب أن يتم رفضه بصورة مماثلة. صحيح أن مقاطعة الاقتصاد الدنمركي أو إعادة النظر بالعلاقات الدبلوماسية هي أمور غير عقلانية وخاطئة سياسياً وأخلاقياً، لأنها تقوم بتعميمات كاسحة وتتجاهل الواقع القانوني والدستوري وتشعل التوترات.

إلا أن مقاطعة وسائل الإعلام التي تختار رعاية الحقد والشركات التي تختار عرض إعلانات هذه الوسائل ورعايتها، هي أحد الردود المحتملة. يمكن لهؤلاء الذين يشجعون التسامح على الجانبين القيام بأعمال مقاطعة مختارة لتهميش العنصرية والحقد.

إلا أن أعمال المقاطعة لن تشكل بمفردها حلولاً لنزاعات كهذه. واقع الأمر هو أن المقاطعات هي الأعلام الحمراء التي ترسل إشارات خطر عندما تبدو الأمور وكأنها خرجت عن السيطرة. كما أنها تؤشر إلى الفشل في إدامة حوار بنّاء يرتكز على الاحترام المتبادل وتقدير التنوع.

وحتى يتسنى لحوارات كهذه أن تنجح، يجب تجاهل فيلم وايلدرز وغيره من أعمال التحريض التي لا يخدم إبرازها في وسائل الإعلام إلا في تعزيز المشاعر المتطرفة.

ولا يعني تجاهل الإهانات المحرّضة تجاهل النقد الخاص بها. يجب التعامل مع الأسئلة وسوء الفهم والانتقادات في جو صحي يجري فيه تحديد أرضية مشتركة ودراسة وجهات النظر المختلفة بتعمق.

بدلاً من سلسلة طويلة من الإدانات وتصريحات الشجب بعد كل جولة من هذه الإهانات، يتوجب على الحكومات على كلا الجانبين رعاية المبادرات التي توجد هذا النوع من الجو وتشجيعها.

ولا يمكن لحوار ناجح أن يتم خلال بضعة أيام أو أسابيع. الواقع أنه من المستحيل لطرح كهذا أن يغطي المجال الواسع لقضايا الثقافات المشاكسة في جلسات قليلة، خاصة بوجود إحباطات متنامية وعدم ثقة متبادل. لذا يجب على هذا الحوار أن يكون مستمراً وأن يتخذ أشكالاً مختلفة، بما فيها برامج تبادل الطلبة والمحاضرات والمؤتمرات والندوات والحلقات الدراسية والمعارض ، وفي الوقت نفسه بناء مؤسسات ذاتية الاستدامة تدرس القضايا عبر الثقافات بتعمق وتضمن التفاعل المستمر.

كما يجب أن تكون إحدى ثمار هذا الحوار "قائمة أخلاقيات" للعلاقات الدولية ترعاها الحكومات والمؤسسات الأكاديمية وكبريات وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية والدينية. ورغم أن هذه القائمة لا يجب أن تكون بالضرورة مؤصلة في التشريعات المحلية، إلا أنه يتوجب عليها رسم الخطوط بين النقد البناء والإهانات وأن تمهد الطريق لردود بناءة.

لقد جرى استخدام حرية التعبير ببراعة وبشكل متزايد خلال السنوات القليلة الماضية وجرى استعمالها كسابقة للإهانة، بحيث تساهم في توسيع الانشقاق بين الثقافات والحضارات المختلفة. وحتى يتسنى ضمان عدم إفشال هذه الحرية، يتوجب على المعتدلين على الجانبين التدخل لإيجاد آلية مستدامة لرأب الصدوع في عالمنا الذي يزداد عولمة، والذي تملك فيه العنصرية والتطرف أثاراً مدمرة على الجميع.

إبراهيم الهضيبي عضو في مجلس IkhwanWweb.com، وهو موقع جماعة اللإخوان المسلمين باللغة الإنجليزية.

خاص بـ"الغد"، خدمة Ground Common الإخبارية.

التعليق