الخليج بين "الدولة الرعوية" و"دولة المشارَكة"

تم نشره في الأحد 6 نيسان / أبريل 2008. 02:00 صباحاً

اعتمدت دول مجلس التعاون الخليجي أسلوب الدولة الرعوية أو دولة الرعاية الكافلة للمواطن من المهد إلى اللحد اجتماعيا وصحيا وتعليميا، بحيث يتم تأمين الرفاه والرخاء للمجتمع بالمجان إلى درجة كبيرة. وخلال الفترة الواقعة بين الطفرتين النفطيتين الأولى والثانية في الخليج منذ السبعينات ذهب جزء مهم من ميزانيات هذه الدول على البنية التحتية وعلى توفير رواتب ممتازة لمواطنيها. وفي تسعينات القرن الماضي بدأ انحسار الرفاهية التي يوفرها الأسلوب الرعوي أو الأبوي إثر النزف المالي والسياسي والإنفاق العسكري الذي أعقب احتلال صدام حسين للكويت ثم تحريرها وصولا إلى حصار العراق. وفي  أواخر عام 1998 فاجأ الملك عبدالله بن عبدالعزيز (ولي العهد السعودي آنذاك) قمة مجلس التعاون الخليجي التاسعة عشرة في أبو ظبي بقوله: إن "زمن الرفاه قد ولّى"، داعيا إلى تغيير في وظائف الدولة، مطالبا بضرورة تعوّد الناس على نمط مختلف من الحياة لا يقوم على الاعتماد الكامل على الدولة، بل بتحمل كل فرد، بجانب الدولة، دوره الإيجابي والفاعل، وكذلك الأمر بالنسبة للقطاع الخاص. وهناك اليوم في دول الخليج نسب بطالة متفاوتة وتنافس كبير على الوظائف، ولم يعد بمقدور الدولة تأمين الوظيفة لكل مواطنيها بمجرد تخرجهم من الجامعات.

 

ولم يتم ترجمة التقدم الاقتصادي الناجز حاليا في دول الخليج، بفعل الطفرة النفطية الثالثة في السنوات الأخيرة، إلى فرص عمل، كما لم توظف الطفرة الاقتصادية باتجاه تفعيل عملية التصنيع، التي تعد مدخلا أساسيا لإنتاجية المجتمع ولإيجاد فرص عمل متنامية.

 

ولأن النفط ثروة ناضبة، لا بد من استثمار فوائضه الكبيرة حاليا في التعليم والتصنيع وتطوير البحث العلمي وخفض الدين العام وتوسيع القدرة الاستيعابية للبنية الاقتصادية في دول الخليج.. ولا يجوز اقتصار هذا الاستثمار على صناديق الاستثمار السيادية. هذا يعني أن الارتفاع الكبير الذي شهده الناتج الإجمالي لدول الخليج يعود أساسا إلى النفط وأسعاره المرتفعة وليس إلى زيادة إنتاجية اقتصادات دول الخليج. وقبل أيام قال الدكتور سفيان العيسى، مستشار المدير التنفيذي للبنك الدولي، في كلمة له في مؤتمر عقد في أبو ظبي، إن تطوير دول مجلس التعاون لقطاعات غير نفطية وإجراء إصلاحات بنيوية ومؤسسية تستهدف ترسيخ أسس عملية النمو التي يقودها القطاع الخاص وتنشيط خطط توظيف المواطنين .. كل هذه التحولات لم تغيّر طبيعة العلاقة ما بين الدولة والمجتمع والقائمة على الالتزام بعقد اجتماعي سخي جدا، وهو عقد الدولة الرعوية، عبر تقديم التعليم والرعاية المجانية والوظائف المجزية من دون وجود للضرائب والرسوم.  ودعا العيسى إلى إعادة صياغة هذا العقد من أجل تقليص اعتماد دول الخليج الكبير على صادراتها النفطية المتقلبة ولتوفير  المداخيل الحكومية ـ وبخاصة في ظل محدودية احتياطاتها النفطية ـ وكذلك  لضمان تطبيق مبدأ المحاسبة والشفافية في مؤسسات القطاع العام. ولفت العيسى إلى أهمية الإصلاحات الضريبية، مع أن فكرة فرض نظام ضريبي كأداة لتأمين عائدات مالية لا يحظى بالشعبية في دول المجلس.

 

إذاً، فدول الخليج العربية أمام خيارين: إما الاستمرار بأداء دور الدولة الرعوية الملتزمة بعقد اجتماعي ينظم العلاقة بين الدولة والمجتمع عبر تأمين منافع اجتماعية واقتصادية من دون ضرائب، وإما أن تتجه هذه الدول نحو إعادة صياغة العقد الاجتماعي والانتقال  من دولة الرعاية إلى "دولة المشارَكة".  ودولة المشاركة تعني تحقيق التنمية المستدامة وإيجاد ثروات عامة وخاصة بفعل الأعمال المنتجة، أي أن للفرد دورا أساسيا في إنتاج الثروة. ودولة المشاركة تعني أن يسأل المواطن نفسه: ماذا يمكن أن أقدّم لبلدي، لا أن يكون التساؤل دائما: ماذا يمكن لبلدي أن يقدّم لي؟. دولة المشاركة تعني الانتقال من طور الدولة الرعوية (مشاركة المواطن في جزء من الثروة) إلى طور الاستعداد للمشاركة في السلطة والقرار. الدولة الرعوية تكاد أن تكون في غنى عن المجتمع، أما إذا اقترنت دولة المشاركة، مثلا، بقيام نظام ضريبي لتمويل أنظمة الرعاية، فإن هذا يجعل السلطة السياسية أكثر تعبيرا عن مجتمعاتها. وهذا يفتح الحديث عن الإصلاحات السياسية وإعطاء المرأة حقوقها السياسية والاجتماعية،  ونزاهة القضاء وتوسيع صلاحيات المجالس التشريعية، وجعل المجالس الاستشارية منتخبة، وايجاد توازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، واعتماد أنظمة للمحاسبة والشفافية وتعزيز سيادة القانون وتأكيد مساواة المواطنين أمام القانون...

 

  إن الفوائض النفطية تحجب الكثير من التحديات التي تواجهها دول الخليج، وهذه الفوائض ربما تسهم في تباطؤ عملية التحديث السياسي، خاصة في ظل خفوت ضغط المطالب الاجتماعية بقيامها، مع استمرار "الرعوية". لكن تجربة التنمية في الخليج خلقت طبقة وسطى واسعة وممتدة، تراودها مطالب التعبير عن نفسها وطاقاتها، عبر المشاركة الشعبية في صناعة القرار وإدارة الشأن العام. وفي ظل الاستقرار السياسي والانتعاش الاقتصادي تبدو فرص تلبية هذه المطالب متوافرة خاصة وأن مؤسسة الحكم تحظى باحترام الجميع.

 

وأمام انتقال وتمركز الثروة في العالم من الغرب إلى الشرق وإلى دول الخليج ـ  بفعل ارتفاع أسعار النفط ـ  والتغيرات الاستراتيجية التي نشأت في المنطقة بعد غزو العراق،  زادت أهمية دول الخليج لدى الدول العظمى والدول الصناعية، كما زادت المطالبات التي تقيم ترابطا وثيقا بين التحديث والديمقراطية، وبين الديمقراطية والاستقرار. ومع وجود نحو 17 مليون عامل أجنبي لدى دول الخليج، تتجه دول الخليج نحو الاستجابة للمعايير الدولية الخاصة بحقوق العمال. وأصبح للمنظمات الدولية غير الحكومية تأثير مهم في دول الخليج باتجاه إصدار تشريعات تراعي المطالب والمعايير الدولية. وليس هناك مؤشرات ـ في ظل تسارع النمو في الخليج ـ على تراجع الحاجة للعمالة الأجنبية، ما يدعو للتساؤل عما إذا كان بمقدور دول الخليج الإبقاء على سياستها الحالية في التعامل مع هذه العمالة كعمالة مؤقتة، دون أن تحظى بأي حقوق قانونية أو سياسية مستقبلا، وثمة ضغوط دولية كامنة وبطيئة تجري في هذا الاتجاه، واحتمالات تسارعها مستقبلا واردة.

[email protected]

التعليق