إلى أين تتجه "أسواق الحدود" في أفريقيا؟

تم نشره في الجمعة 4 نيسان / أبريل 2008. 03:00 صباحاً

نيويورك ـ يبدو أن الانتخابات في زامبيا تؤكد من جديد حقيقة بديهية مفادها أن أنباء أفريقيا لا تحتل العناوين الرئيسية في وسائل الإعلام إلا حين تضربها الكوارث ـ إما قحط أو انقلاب أو حرب أو حملة تطهير عرقي، أو نظام حكم بالغ العجز كما في حالة روبرت موغابي. ولكن على مدار السنوات العديدة الماضية نجحت عدد من البلدان الواقعة إلى الجنوب من الصحراء الكبرى في أفريقيا في جذب تدفقات غير مسبوقة من رؤوس الأموال الأجنبية. بل إن الاضطرابات المالية العالمية الأخيرة كانت سبباً في الإضافة إلى جاذبية أفريقيا، وذلك لأن أسواقها الحدودية أقل عُـرضة للتقلبات الدولية مقارنة بأغلب البلدان الناشئة اقتصادياً المعتادة في مختلف أنحاء العالم.

ثمة أسباب رئيسية ثلاثة وراء الأداء الطيب للعديد من بلدان جنوب الصحراء الكبرى. السبب الأول يكمن في ارتفاع عائدات السلع الخام بالنسبة للدول الرائدة في إنتاج المواد الخام في المنطقة. إذ أن الطلب المتزايد على الطاقة، والمعادن، وخاصة من جانب الصين، كان سبباً في ارتفاع الاستثمارات في المنطقة إلى مستويات غير مسبوقة. حتى أن أرصدة التقاعد الضخمة بدأت في إدراك هذه الحقيقة. فضلاً عن ذلك فقد استفاد عدد كبير من البلدان الأفريقية الأكثر فقراً من النمو الهائل الذي شهدته المؤسسات الخيرية في العالم (والتي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها في الأساس).

ولكن رغم أن هذين التوجهين الإيجابيين من المرجح أن يستمرا، إلا أن العامل الإيجابي الثالث قد لا يكون على هذا القدر من الثبات. ففي كل عام يرسل الأفارقة الذين يقيمون خارج القارة حوالي 30 مليار دولار أميركي إلى عائلاتهم وأصدقائهم في بلدانهم الأصلية. وهذه التحويلات النقدية تشكل قدراً عظيماً من الأهمية بالنسبة للاستقرار الاقتصادي في العديد من بلدان أفريقيا. وأي تباطؤ اقتصادي في الولايات المتحدة وأوروبا من شأنه أن يؤدي إلى تباطؤ هذه التدفقات النقدية، وذلك لأن المهاجرين هم أول من يخسرون وظائفهم عادة حين تبدأ المخاوف المتصلة بالركود الاقتصادي.

في نفس الوقت، ورغم أن الاقتصاد "الحدودي" أقل عُرضة من الأسواق الناشئة الأخرى للاضطرابات المالية العالمية، إلا أنه عُرضة لخطر أشد يتمثل في الاضطرابات السياسية الأقرب إلى الديار. إذ أن البلدان الثلاثة التي خدمت كأعمدة للاستقرار الإقليمي طيلة السنوات العديدة الماضية ـ نيجيريا، وكينينا، وجنوب أفريقيا ـ أصبحت الآن مهمومة بمعالجة متاعبها السياسية وجلب قوات حفظ السلام، وصناديق إعادة البناء، واستمالة الضغوط السياسية التي كثيراً ما تنجح في الحد من توسع الضرر الناجم عن الصراعات إلى أماكن أخرى في المنطقة.

إن أغلب المشاكل التي تعاني منها نيجيريا معروفة. ففي المناطق الغنية بالنفط في دلتا النيجر يتسبب المتقاتلون أحياناً في منع ما يقرب من 30% من صادرات البلاد من النفط، الذي يشكل مصدراً حيوياً لعائدات الدولة. كان الرئيس عمر يارادوا قد اتخذ خطوات صارمة للتعامل مع الفساد بين أهل النخبة في نيجيريا، ويبدو أنه نجح في إحراز بعض التقدم نحو عقد اتفاق سلام شامل مع المتمردين في دلتا النيجر.

إلا أن يارادوا قد يواجه قريباً مشكلة ضخمة قصيرة الأمد. إذ أن المحكمة الانتخابية الوطنية، بعد أن أبطلت نتائج العديد من الانتخابات في الأقاليم، قد تقرر إلغاء نتائج الانتخابات الرئاسية التي شهدتها البلاد في العام الماضي، فترغمه بذلك على ترشيح نفسه لمنصب الرئيس من جديد. ورغم أن يارادوا يستطيع أن يستغل الشعور بالرضا الذي نجح في بثه بين الناس طيلة العام الماضي للفوز حتى بفارق أكبر، إلا أن الحملة الانتخابية التي تستغرق تسعين يوماً يكاد يكون من المؤكد أن تؤدي إلى اندلاع اضطرابات مدنية، في الوقت الذي ستكون فيه الزعامات النيجيرية مشغولة بالتعامل مع الخصومات السياسية المحلية للمساعدة في تسوية الصراعات في أماكن أخرى من أفريقيا.

أما المتاعب في كينيا فهي أشد عمقاً. والمؤسف في حالة كينيا أن التوسع الاقتصادي الراسخ، والنمو الاقتصادي الذي سجل أرقاماً جعلها من بين أسرع الأسواق نمواً في العالم، لم يساعد البلاد في تجنب الأزمة السياسية المتفاقمة والعنف العرقي المتصاعد منذ نتائج الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدال في شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي. أشار الرئيس مواي كيباكي، الذي اتهمه المراقبون الدوليون بالتلاعب بالأصوات، إلى خطته الرامية إلى تقاسم السلطة في ظل حكومة وحدة وطنية، إلا أن زعيم المعارضة رايلا أودينغا قد سمع مثل هذه الوعود من قبل. فقد عمل أودينغا جاهداً لمساعدة كيباكي في انتخابات العام 2002، وبعد ذلك تراجع كيباكي عن تعهداته المماثلة.

رغم التصعيد المنذر بالشر لأعمال العنف، إلا أن المخاوف المتعلقة باندلاع حرب أهلية في كينيا مبالغ فيها. فقد نجحت حركة المعارضة البرتقالية في البلاد مؤخراً في الفوز بمناصب رئيسية في البرلمان، وهي تستجيب في الوقت الحاضر لمطالبة الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان وممثلي الاتحاد الأفريقي لها بالتهدئة. ولكن ليس لأحد أن يتوقع من كينيا أن تعود من جديد إلى الاضطلاع بالدور الذي كانت تلعبه في ترسيخ الاستقرار في المنطقة في أي وقت قريب.

أما عمود الاستقرار الثالث في المنطقة، وهو دولة جنوب أفريقيا، فمن المرجح أن تستغرق أغلب العام 2008 في النزاع السياسي المتصاعد بين ثابو مبيكي، الرئيس الذي اقترب موعد رحيله، وبين جاكوب زوما نائب الرئيس سابقاً، الذي أصبح الزعيم المنتخب الجديد لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي الحاكم والمرشح الرئيسي لخلافة مبيكي، منافسه اللدود، في العام القادم.

تحولت محاكم جنوب أفريقيا إلى ساحات معارك سياسية، حيث يستغل مبيكي وحلفاؤه تُـهم الفساد في محاولة إبطال ترشيح زوما. وقد تؤدي العاصفة السياسية الناجمة عن ذلك إلى إرغام زوما على الاعتماد على الدعم الأساسي من جانب الحلفاء الرئيسيين داخل حركة النقابات التجارية في البلاد، فضلاً عن الحزب الشيوعي، فيتحدى بذلك إجماع النخبة السياسية على تأييد اقتصاد السوق، وبالتالي يستفز النقاشات بشأن مستقبل السياسة الاقتصادية في جنوب أفريقيا.

إن أياً من بلدان جنوب الصحراء الكبرى لا تملك الثقل الاقتصادي والثقة السياسية التي قد تسمح لها بالحلول محل نيجيريا، أو كينيا، أو جنوب أفريقيا، باعتبارها أحد أعمدة الاستقرار في المنطقة في المستقبل المنظور. ومن المفترض أن تضطلع الكتل الإقليمية في المنطقة، مثل الاتحاد الاقتصادي لبلدان غرب أفريقيا (ECOWAS) والاتحاد الجمركي لبلدان جنوب أفريقيا (SACU) واتحاد بلدان شرق أفريقيا (EAC)، بأدوار أضخم للمساعدة في حل المشاكل الدبلوماسية والاقتصادية الأشد عناداً وصعوبة في القارة. إلا أن هذا لن يحدث في عامنا هذا.

ما زال هناك العديد من الأسباب الوجيهة التي من شأنها أن تحمل المستثمرين على المجازفة بالدخول إلى السوق الأفريقية الحدودية. إلا أن الأمر لن يتطلب بالضرورة قحطاً أو انقلاباً أو حرباً أو حملة تطهير عرقي حتى يعيد هؤلاء المستثمرون النظر في الأمر برمته.

إيان بريمر رئيس مجموعة أوراسيا وكبير زملاء معهد السياسة العالمية.

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2008.

www.project-syndicate.org

ترجمة: هند علي

Translated by: Hend Ali

التعليق