التقرير العاشر.. مكانك سر

تم نشره في الأربعاء 2 نيسان / أبريل 2008. 02:00 صباحاً

بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على جريمة اغتيال الشهيد رفيق الحريري, وبعد تحقيق دولي مكثف طوال تلك الفترة, وبعد إنفاق عشرات الملايين من الدولارات, وبعد تولي المهمة من قبل ثلاثة قضاة, وبعد اعداد ونشر تسعة تقارير مطولة ومفصلة عن الجريمة وملابساتها وظروفها, بعد كل ذلك يأتي التقرير العاشر بلا نتائج تتناسب مع الزمن والجهد, وبلا اجوبة على السؤال الاساس: من الذي اغتال الرئيس الحريري.

لقد اتخذت هذه القضية أبعاداً شاسعة, على المستوى اللبناني, كما المستوى الاقليمي والدولي, وكانت لها, وما تزال تداعيات خطرة. ولهذه الاسباب, وللتأكد من ان اي تحقيق لن يغطي على الجناة وقد توجهت اصابع الاتهام منذ اللحظة الاولى للبعض. فقد كانت المطالبة بتحقيق دولي، ولبي الطلب. وكان الامل، وما يزال الامل، في لبنان, وفي المنطقة بأسرها ان يتمكن التحقيق الدولي بالامكانات الفنية والمالية الهائلة التي توفرت له, ان يتوصل للجناة, وان يكشف الايدي المجربة التي دبرت ونفذت, وقصدت من وراء ذلك إثارة الفتن وزعزعة الاستقرار, وزرع بذور التشكيك والاتهام وبالتالي تفسيخ العلاقات وتدميرها.

لم تكن جريمة اغتيال الرئيس الحريري الاولى من نوعها.. وبالطبع لم تكن الاخيرة, اذا تبعتها سلسلة من جرائم الاغتيال التي لم تقل عنها امعاناً وفظاعة. ومن الواضح من خلال التشابه الكبير في اسلوب التنفيذ, وفي الكفاءة التقنية المتبعة, ومن ثم في النجاح في اخفاء الاثر والدليل, ان الجهة المدبرة هي عينها, وان غاية الجريمة المتكررة هي ذاتها.

فالأمل اذن في كشف تلك الجهة المدبرة لا يحقق العدالة لاسرة الحريري المنكوبة فقط, ولا لأسر من تبعه من شهداء الغدر والغيلة والاجرام, ولا للبنان وشعبه العريق, بل يحقق اضافة لذلك مصلحة وطنية وقومية اكبر باكتشاف تلك الثغرة الكبيرة التي تتسرب منها شرور الفتنة والوقيعة والعمل على ضرب لبنان وأمن المنطقة بأسرها من حوله.

ولكن نتائج التحقيق بعد مرور ثلاث سنوات, لا تغذي هذا الامل مع شديد الاسف, ولا تولد اي مقدارٍ من الشعور بأننا نقترب من لحظة الحقيقة التي يتكشف فيها القناع عن وجه ذلك المجرم الحقيقي, الذي لا نستغرب إن كان يعد العدة لجريمته التالية.

فتقرير القاضي دانيال بيلمار، رئيس لجنة التحقيق الدولية، الذي تولي المهمة من بعد سلفه البلجيكي سيرج براميرتز, وقد تولى المهمة من سلفه الالماني ديتلف ميليس: تقرير القاضي بيلمار، الذي نشر نهاية الاسبوع الفائت، يأتي الينا بمعلومات ابتدائية مذهلة في بداهتها، وان كانت لها اية اهمية على الاطلاق فكان يجب ان ترد في مقدمة التقرير الاول وليس العاشر.

فالتقرير يقول ان اللجنة تأكدت من ادلة حول شبكة من الافراد عملت بصورة منسقة لتنفيذ اغتيال رفيق الحريري, وان هذه الشبكة المجرمة او اجزاء منها, لها ارتباط مع بعض القضايا المجرمة, او اجزاء منها, ولها ارتباط مع بعض القضايا الاخرى, في اشارة للاغتيالات الاخرى التي جرت في لبنان.

ويؤكد تقرير بيلمار أنّ الشبكة تكونت قبل اغتيال الحريري وانها قامت بمراقبة الحريري قبل الاغتيال, وانها كانت تعمل يوم اغتياله, وان جزءاً منها قد استمر في الوجود والعمل بعد الاغتيال.

وكرر بيلمار ما سبق واعلنه سلفه البلجيكي براميرتز بأن اللجنة لن تكشف اسماء المتهمين بهذه الجرائم, ليس فقط حرصاً على سرية التحقيق وانما ايضاً كاستراتيجية للادعاء العام.

ما هي تلك المعلومات المهمة التي جاء بها التقرير العاشر، والتي ليست من البديهيات البسيطة المعروفة. فمنذ اللحظة الاولى لجريمة الاغتيال كان معروفاً ان فرداً او أفراداً دبروا الجريمة ولم يدبرها اشباح هبطوا على بيروت من كوكب آخر. ومن الطبيعي ان عصابات الاجرام تتكون قبل الاقدام على جرائمها, وانها تنسق فيما بينها, وتراقب تحركات اهدافها وضحاياها, وتستمر في عملها بعد جريمتها الاولى طالما ان في مخططها جرائم لاحقة اخرى قيد التنفيذ.

ان كانت لهذه الاكتشافات البديهية اهمية بالنسبة للتحقيق, فانها تظل ضئيلة, وعديمة الجدوى امام السؤال الاكبر الذي ينتظر الاجابة عليه كل مراقب وكل مهتم بأمن وسلامة هذه المنطقة: من هو المجرم ومن يقف وراءه؟

وان كانت استراتيجية الادعاء العام تقتضي التكتم على اسماء المتهمين، فكيف سيكون باستطاعة السلطات الامنية المختصة منعهم من القيام بالضربة القادمة طالما ان الشبكة ما تزال قائمة وما تزال تعمل.. ألا يستوجب الامر توقيف كل من تتوفر ضده ادلة الاتهام حتى تفكك الشبكة ويُبطل مفعولها الى ان يحين موعد الادعاء والمحاكمة.

ثمة سؤال آخر. اذا كانت الامور تمضي بهذا البطء فكم من السنين علينا وعلى المنطقة ان تنتظر حتى تتحقق العدالة.. وهل من المعقول أن تكون هذه حصيلة تحقيق دولي تدعمه منظمة الامم المتحدة، والعالم بأسره وتتوفر له كل الامكانات اللازمة؟ هل من المعقول ان تكون حصيلته ان الاغتيال قامت به شبكة تكونت وراقبت ونفذت وظلت قائمة لتنفيذ المزيد من الاغتيالات، ولم ينجح اي جهد في تعطيلها.

مندوب الأردن السابق في الأمم المتحدة

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »بديهيات أم بلاهات (abdullah khalil)

    الأربعاء 2 نيسان / أبريل 2008.
    نعم بعد كل هذا الانتظار ثم يقول لك : ان هناك من اغتال الحريري
    كان على جامعتنا العربية أن تتولى التحقيق في هذا الملف وأمثاله ، ولو فعلت ذلك لوقتنا شر المحاكم الدولية والبلاهة المتبعة في التحقيق .