جهاد المحيسن

التطرف ضد الإسلام في الإعلام

تم نشره في الأحد 30 آذار / مارس 2008. 02:00 صباحاً

اصطلح في علمي السياسية والتاريخ على التعريف ببداية قرن ما بحدث كبير يرتبط بهذا الحدث، حتى يتم إعطاء تسمية أو صفة تخص هذا القرن أو ذاك، ولعل ما يميز هذا القرن ويعطيه صفته الخاصة به أن صناعة التطرف على الصعيد الديني قد بدأت معه، وعلى الرغم من ان التطرف الديني وغيره من أشكال التطرف السياسي والاجتماعي من الظواهر التاريخية التي عرفتها الكثير من المجتمعات عبر مسيرتها في الزمن الماضي وكذلك لن يكون التطرف بشتى أشكاله حالة يمكن لها أن تتوقف في العصور المقبلة، يجعل من تناول مثل هذه الموضوعة "التطرف" حالة تستحق الدراسة في كل مرحلة من المراحل التي يجد التطرف فيها مبررات لظهوره على السطح وتشكيله خطورة على المجتمعات والأفراد في سياق يهدف إلى تحقيق طموحات الفئات المستفيدة من تنامي ظاهرة التطرف هذه.

ولعل مبررات التطرف في السابق لم تكن تملك الأدوات التي يمتلكها متطرفو هذا العصر، فهم يملكون الأرصدة المالية الضخمة التي تسهل من عملهم، كما ان الكثير منهم يمتلكون دعما سياسيا من قبل بعض الجهات والدول التي تمكنهم من التقدم في مشاريعهم الهادفة إلى تحقيق السيطرة على العالم عبر تمرير هذا التطرف بصيغ تهدف لخلق  حالة من عدم الانسجام بين المجتمعات بحجج واهية بضرب الرموز الدينية والعقدية التي تخص ديانة ما وثقافة ما، يضاف إلى ذلك كله امتلاكهم الفضاء الإعلامي الذي سهل العمل لتطوير آليات هذا التطرف فلم يعد التطرف حكرا على نطاق ضيق يتعلق بحيز جغرافي محدود بل تجاوزه ليدخل كل بيت وفي أي مكان في العالم عبر المحطات الفضائية، ومن خلال الشبكة العنكبوتية "الانترنت" التي مهدت بشكل اكبر لهذا التطرف بحكم صعوبة التحكم في هذا المجال من مجالات الاتصال الجماهيري الذي أصبح  عالميا، وتمرير مشاريع التطرف الديني بما يخرب انسجام المجتمعات يجعل من التعايش السلمي فيها شكلا من أشكال الحلم في المستقبل!

فبعد أحداث أيلول 2001، اتخذ التطرف شكلا دينيا يعبر عن حجم الخطر الذي يتهدد العالم بأسره، واتخذ هذا الشكل دعما عسكريا ولوجستيا  مهد لتنامي ظاهرة التطرف الديني عبر استخدام الأدوات الإعلامية وسيلة ذات فعالية كبيرة ومتناولة في يد الجميع لتحقيق انتصارات وهمية تهدف في عمقها إلى تعميق الهوة بين الشرق والغرب ومثل هذا الشرق بالإسلام والغرب بالمسيحية.

وعلى الرغم من وحدة مصدر الأديان  إلا أن الإصرار على ضرب الرموز الدينية لأي ديانة يشكل خرقا واستهتارا كبير لهذه الأفكار ورموزها، فقد بدأ هذا الاستهتار والاستخفاف بالاسلام ورموزه الدينية في الرسوم الكاريكاتورية التي نشرت في الصحف الدنمركية والتي تسيء إلى الرسول الكريم محمد، وما تبعها من ردات فعل في العالمين العربي والإسلامي من مقاطعة للمنتجات الدنمركية أدت إلى خسائر كبيرة في الاقتصاد الدنمركي ثم أعادت سبع عشرة صحيفة دنمركية في شباط الماضي نشر هذه الصور بحجة حرية الرأي والتضامن مع التهديدات التي تعرض لها رسام الكاريكاتير من قبل متطرفين مسلمين! ولم يقف هذا الأمر عند حدود الرسومات المشؤومة تلك، بل أصبحت مهاجمة الأديان وخصوصا الإسلام بعد أحداث 11 أيلول2001 ظاهرة يتفنن المسيئون في اختيار وسائل الإعلام التي تحقق أحلامهم المتطرفة من خلالها.

الأمر الذي استدعى  مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة للتدخل والتعبير عن قلقه العميق لتكثيف حملة التشهير بالأديان وإسباغ صورة نمطية عرقية ودينية على الأقليات المسلمة في الغرب الذي حاول مروجو التطرف عبر الإعلام ربط الإرهاب والعنف وانتهاكات حقوق الإنسان بالإسلام!  خصوصا بعد قيام النائب اليميني الهولندي "غيرت فليدرز"  بإعداد فيلم اسمه "فتنة" يناهض الإسلام ويقف موقفا عدائيا منه يعبر عن روح عنصرية تجاه الدين الإسلامي، بنشر فيلمه على شبكة الانترنت رغم دعوات حكومته اقناعه بالتراجع عن مشروعه!

إن تنامي مثل هذا النوع من التطرف واستخدام الإعلام بكافة أشكاله سلاحا لتصديره إلى العالم يعتبر بحق صورة مزرية لطبيعة حالة الإعلام الحالي وتسخيره لخدمة أهداف تسعى لتصدير أفكار مسبقة وغير حقيقة عن الإسلام، وتناول الرموز والأفكار الدينية فيه بشكل يشوه الحقيقة ويجعل من فكرة التعايش السلمي بين الأديان حلما لا يمكن الوصول إليه، ويتناسى هؤلاء المروجون إن مهد الديانات الثلاث "اليهودية والمسيحية والإسلام" هو قلب العالم العربي.

ان شكل التعايش بين هذه الأديان تفرضه شروط أن مصدر هذه الأديان واحد، وان السعي الحثيث لترويج هذه الأفكار يعود بالضرر على كل المجتمعات الإنسانية، وفي حال الاستمرار في هذا النهج المعادي سيحمل المستقبل العنف المتبادل بين أصحاب هذه الديانات التي يصر أصحاب الأفكار العدائية على ترويج أفكارهم من دون أن يقيموا أي اعتبار لأهمية هذه الرموز في حياة الناس، وتتم محاكمة الدين الإسلامي عبر نزوات تعبر عن جهل حقيقي بطبيعة هذا الدين الإنساني، الذي يعيش في كنفه المسلم واليهودي في سياق ثقافة وتاريخ واحد.

ولكن النزعات العنصرية والنزعة المركزية الأوروبية هي التي تعيد إنتاج هذا الخلاف لتحقيق صورة نمطية وعرقية ودينية عن الأقليات المسلمة في الغرب، وأشكال استخدام الصحافة المكتوبة ووسائل الإعلام السمعية والبصرية والالكترونية في التحريض على العنف وكره الآخر تساهم في التمييز الممارس تجاه الإسلام وأي دين آخر.

[email protected]

التعليق