قانون للجمعيات أم قانون لمنظمات المجتمع المدني؟!

تم نشره في الأربعاء 26 آذار / مارس 2008. 02:00 صباحاً

منذ أن سحبت الحكومة، في 9 كانون الثاني الماضي، مشروع قانون الجمعيات الخيرية والهيئات الاجتماعية من أعمال الدورة الأولى للبرلمان أجرى وزير التنمية الاجتماعية سلسلة من الجلسات الحوارية مع ممثلي الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني، وكذلك مع الوزراء السابقين للتنمية الاجتماعية. والهدف هو، بطبيعة الحال، الوصول الى قانون بديل لقانون الجمعيات الحالي رقم (33) لسنة 1966 الذي تقادم وأصبح عائقاً للعمل الاجتماعي والتطوعي، وكذلك لمشروع القانون المستعاد من البرلمان قبل مناقشته.

الزخم الذي يسم جهود وزارة التنمية الاجتماعية في هذا المجال لا يستحق مجرد التنوية، وإنما يعطي الأمل بأن تجترح الوزارة في نهاية المطاف مسودة تشريع جديد في مستوى التوقعات، وأن يشكل قوة دافعة للتقدم والتنمية الاجتماعية. فالمطلوب ليس مجرد تشريع يكتفي بالتعامل مع الواقع الراهن للقطاع التطوعي وإنما أيضاً مع إمكانياته الكامنة الكبيرة واحتياجاته المستقبلية.

يوم الاثنين الماضي، وفي اللقاء الذي نظمته وزارة التنمية الاجتماعية مع حشد من ممثلي الجمعيات لم يجرِ الحديث بالاسم عن قانون للجمعيات وإنما عن "قانون عصري" للقطاع التطوعي، وتُرك الأمر مفتوحاً للنقاش، فهل نحن إزاء قانون يقتصر على الجمعيات الخيرية والهيئات الاجتماعية التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية، أم إزاء قانون يشمل مختلف الجمعيات المسجلة في هيئات أخرى، مثل وزارتي الثقافة والداخلية والمجلس الأعلى للشباب، أم أننا نتحدث عن قانون لمنظمات المجتمع المدني عموماً؟! ورغم الغموض المحيط بهذه المسائل فقد دُعيَّ الحضور للتوزع على مجموعات عمل لمناقشة اسم القانون ونطاق عمله واجراءات التسجيل؛ الإدارة والتنظيم الداخلي؛ الامتيازات والاعفاءات الممنوحة للجمعيات نظير خدماتها؛ التمويل وجمع التبرعات؛ الشفافية والرقابة الذاتية وأدوار كل من الهيئات الادارية والعامة، الرقابة على الجمعيات وتصويب الأوضاع والحل والتصفية. وهي جميعها قضايا تندرج في إطار قانون الجمعيات.

وبطبيعة الحال لم يصل اللقاء الموسع الى نتائج حاسمة في هذا المجال، ولكنه عزز الحوار العام بالعديد من وجهات النظر والآراء والمقترحات التي يفترض ان وزارة التنمية الاجتماعية قد سجلتها لتوضع بين أيدي لجنة خاصة للصياغة والمتابعة. وتوحي اجواء الوزارة أنها في الوقت الذي لا تريد فيه تعجل أمور إعداد التشريع الجديد، فإنها في الوقت نفسه ترغب بتقديمه إلى البرلمان في هذه الدورة أو الدورة الاستثنائية القادمة.

بطبيعة الحال فإن الحوار الذي تجريه وزارة التنمية الاجتماعية ليس اختراعاً جديداً تجترحه لأول مرة الحكومة، فقد سبق اعداد قانون الاحزاب الحالي ان أجرت وزارة التنمية السياسية حواراً مشابهاً مع الأحزاب السياسية، لكن ذلك لم يوفر بحد ذاته ضمانة لتشريع جيد.

فالمحك هو المرحلة الفاصلة ما بين وصول مسودة التشريع الى مجلس الوزراء وخروجه منه الى مجلس النواب. وحتى عندما يوضع التشريع الجديد أمام المجلس فإن هناك احتمالا لوقوع مفاجآت غير محسوبة.

ان الانطباع الذي يخرج به المراقب من حوارات وزارة التنمية الاجتماعية، على ايجابياتها، هو أن هناك حلقة مفقودة لم يعثر عليها بعد، ألا وهي: هل الحكومة بصدد مجرد استبدال مشروع قانون الجمعيات الذي سحب من البرلمان بمشروع جديد أفضل وأقل عرضة للانتقادات، أم أنها لا تمانع في اعداد تشريع جديد يشمل مختلف قطاعات المجتمع المدني، وليس فقط الجمعيات الخيرية، والهيئات الاجتماعية؟

والجواب على هذا السؤال ليس بمتناول وزارة التنمية الاجتماعية، حتى وان سمحت مداولاتها بمشروعية طرحه. ان الجواب هو عند مجلس الوزراء بأكمله، وليس لدى وزارة بعينها. وقبل أن تحسم الحكومة أمورها في هذا المجال لابد لها من الأخذ بالاعتبار وجهات نظر التنويعات المختلفة من منظمات المجتمع المدني، كما أن الأخيرة مطالبة بإسماع صوتها بقوة في الحوار الجاري حول القانون البديل لقانون الجمعيات.

وهذا يقودها الى الملاحظة الثانية، وهي أن جمهور اللقاءات التي نظمتها وزارة التنمية الاجتماعية يتألف أساساً، ان لم يكن حصراً، من ممثلي الجمعيات والهيئات المسجلة لديها. فماذا عن المنظمات والجمعيات المسجلة في الوزارات الأخرى والتي تخضع لذات القانون؟!

مهما كانت وجهة الحكومة في الإجابة على السؤال: تشريع جديد للجمعيات أم قانون جديد لمنظمات المجتمع المدني، فإن هناك أموراً مفصلية لابد من توفرها في التشريع الجديد.

أولاً: أن يجاري التشريع الجديد نصوص العهدين الدوليين اللذين صادقت عليهما الدولة الأردنية ونشرتهما في الجريدة الرسمية عام 2006: العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. اذ لا تستقيم مثل هذه المصادقة الا بتكييف وتطوير التشريعات الوطنية مع هذه الالتزامات تجاه المجتمع الدولي. وهذا ينطبق ليس فقط على قانون الجمعيات او المجتمع المدني وإنما يشمل أيضاً قانون العمل الذي ينظم حقوق التنظيم النقابي، وغيره من القوانين ذات الصلة.

ثانياً: أن تسهم الحوارات الجارية، وكذلك التشريع الجديد المنشود في عملية إعادة بناء الثقة بالقطاع التطوعي وبالجمعيات والمجتمع المدني، خصوصاً وأن هذه تعرضت في السنوات الأخيرة الى ضغوط وحملات واساءات بالغة، كادت تطيح بما تبقى لهذه المنظمات من ثقة واعتمادية. فحل الهيئة الادارية لاتحاد الجمعيات الخيرية وجمعية المركز الإسلامي، ووضع نظام متشدد للشركات غير الربحية، والحملات السياسية والإعلامية على ما يُسمى بالتمويل الاجنبي قد أسهم في تقويض الثقة بمكون رئيسي للحياة الاجتماعية والمدنية. إن واجب التشريعات الجديدة ان تسهم في التصحيح والتحصين وأن تضع حداً للتشكيك والإساءة الى منظمات المجتمع المدني.

ثالثاً: على التشريع الجديد ان يسهم في تسهيل وتيسير بناء الشراكات والائتلافات ما بين منظمات المجتمع المدني، وأن يرسي القاعدة التشريعية لثقافة التعاون في صفوف المجتمع المدني، مثل بناء الشبكات والتحالفات الاستراتيجية، وحتى المؤقتة منها، وذلك لكي يستحق القطاع التطوعي صفة "القطاع الثالث"، باعتبار أن الحكومة والقطاع الخاص يشكلان القطاعين الأول والثاني.

[email protected]

التعليق