جهاد المحيسن

الهوية الثقافية والدولة

تم نشره في الأربعاء 12 آذار / مارس 2008. 02:00 صباحاً

لعله من المفيد ابتداء الإشارة في سياق دراسة مفهوم وتكوين المجاميع الثقافية لجماعةٍ ما في مجتمع معين، البحث في أشكال البنى الاجتماعية الأولى، التي ساهمت في تأسيس هذه المجاميع لتصبح فيما بعد حالة دراسية تستحق البحث والتحليل والنقد، حتى يتسنى فهم حركتها الداخلية خصوصا إذا ارتبط وجودها في سياق "هوية ثقافية جامعة" تؤصل ابتداء لحركة الهويات الفرعية أو الثانوية التي تنشأ في كنف الهوية الجامعة، ونعني بذلك "الثقافة الإسلامية العربية".

وعليه يجب الحذر عند تناول هذه الثقافات والهويات الفرعية، لأن تكثيف البحث فيها يؤدي إلى تكوين نزعات انفصالية عن الهوية الثقافية الجامعة، التي قد تكون أكثر خطورة في سياق احيائها والترويج لها من تلك الدعوات التي شهدها القرن المنصرم في المشرق العربي ومصر تحديدا، عندما ظهرت الثقافات الفرعية التي قدمت نفسها كبديل للثقافة العربية، كتلك التي ظهرت في لبنان عبر الحديث عن الحضارة الفينيقية وكونها تشكل حالة ثقافية منفصلة تؤسس لقيام مجتمع وثقافة وتاريخ منفصل عن الهوية الثقافية العربية الإسلامية والتي ما نزال نشهد من رموزها الشاعر اللبناني "سعيد عقل" إضافة إلى ظهور أيضا ما عرف بالقومية الفرعونية، وغيرها من الحركات التي تؤسس إلى خطاب انفصالي عن سياق الثقافة الجامعة.

نرى ضرورة التنويه لمفهومين؛ الأول والمتعلق بمفهوم الدولة، والثاني بمفهوم الثقافة كمعطى معنوي للمجتمع. فلابد من تعريف الدولة حتى يسهل فهم حركة تلك المجاميع الثقافية فيها، إذ إن التعريفات الكلاسيكية لتكوين الدولة تكاد تجمع فيما بينها على أن الدولة هي جملة الأفراد الذين يعيشون ضمن إقليم واحد وتجمعهم لغة واحدة وتاريخ مشترك وسلوك ثقافي واجتماعي يكاد يكون متقاربا، ولا أقول واحدا وكذلك يدخل في هذا السياق النضال الوطني ضد الاحتلال وهو الذي يعطي بعدا لمفهوم المواطنة والهوية والإقليم كمحدد يدخل في مكون الدولة وغيرها من العوامل التي تحدد مفهوم الدولة، ويتميز هذا النسق الاجتماعي بكثير من التداخل ليشكل صورة الدولة التي نراها في مجتمعاتنا، ولكن هذا التعريف المتفق عليه يكاد يخلو من الدخول إلى التناقضات التي تمليها ولادة الدولة وطبيعة تكويناتها الاجتماعية والاقتصادية التي تساهم في وجودها وفي انتهائها أيضا.

على أن الدولة الحديثة هي وليدة من رحم الإمبراطوريات الكبيرة التي انهارت مع بدايات القرن العشرين وأواخر القرن التاسع عشر أي إنها دول وطنية تكونت عبر الانفصال عن رحم الإمبراطوريات الجامعة التي كانت تعيش في كنفها العديد من القوميات والإثنيات والثقافات المختلفة، ونتيجة هذا الانفصال ظهرت الدولة الوطنية بصورتها الحالية مباشرة بعد ذلك الانفصال.

والدول العربية الحالية أيضا هي وليدة هذا الانفصال فهي قد عاشت في كنف السلطنة العثمانية وبعد انهيار السلطنة العثمانية ودخول الاحتلالين الفرنسي والبريطاني إلى المشرق العربي بدأت الدولة العربية بالظهور بصورتها الحالية، والحال كذلك بالنسبة للمغرب العربي، فبعد دخول أيضا الاحتلالين الفرنسي والايطالي وقيام حركة التحرر من هذا الاستعمار بدأ يتشكل نسق الدولة الوطنية في العالم العربي والسعي لتأسيس خطاب ثقافي يؤصل لقيام تلك الدول ويعطيها شرعية ثقافية وتاريخية ضمن سياق الدول الجديدة. 

وهذا التكوين للدولة العربية لم يقم على أساس قومي كما يروج له في الكتابات التاريخية، وإنما قام على أسس انفصالية ذات أبعاد جهوية وطائفية في بعض المناطق وقبلية في مناطق أخرى. كما أن القوى الدولية قد ساهمت في ولادة تلك الدول أيضا لتحقيق مطلبين اثنين؛ الأول الفصل الجغرافي عبر قيام هذه الدول، وثانيا القطع الثقافي والحضاري مع الثقافة الأم "العربية الإسلامية" لتأصيل النزعة الانفصالية كذلك في المحتوى الثقافي لهذه المجتمعات.

أي أن الدولة، كمفهوم حداثي يعنى بالقانون والمؤسسات، لم يكن حاضرا في بداية تكوين الدولة العربية ولم يكن حاضرا أيضا في لحظاتها الحالية وربما أتجاوز للقول مستقبلا، أيضا لان لحظة الولادة حملت الكثير من الغموض وعدم الوضوح لولادة هذه الدولة الوطنية التي يعيش في داخلها الكثير من التناقضات التي تحمل عوامل الاندثار، كما تحمل عوامل الاستمرار وذلك ربما يفسر ديمومتها المشوهة عبر تناقضاتها التي تجعل منها عرضة للانقراض والتشظي، وكما وجد في لحظة الولادة تلك من ينظر لتاريخية الدولة الوطنية ورسوخها في التاريخ والحديث عن أثرها في الثقافة والحضارة الإنسانية سيكون حاضرا وبكثافة من ينظر لهذا الوجود المتفكك للدولة المدينة، بل على العكس سنجد طقوسا للأسطورة والرمز الشعبي وغيرها من المكونات التي تضمن أن هذا الكيان الطائفي أو القبلي الوليد سيكون له جذر حضاري يفوق عظمة الحضارة الإسلامية بجملتها وبرموزها وتاريخها وآثارها في السياق الحضاري الإنساني، هذا وكله في المحصلة النهائية يخدم فكرة الدولة الطائفة أو الدولة القبيلة المرشحة للولادة ضمن المعطيات الحالية التي شجعت الهويات المحلية والإثنية والعشائرية بين الناس بحجة حماية وصيانة الدولة الحالية أولا.

Jihad.Almheisen@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »سلمت يداك (هالة المعايطة)

    الأربعاء 12 آذار / مارس 2008.
    ما شاء اللة يا هيك الكتاب في بلدنا يابلى الى الامام.
  • »موضوع جميل (د. خالد)

    الأربعاء 12 آذار / مارس 2008.
    اخي جهاد الموضوع جميل والتحليل رئع نتمنى الاستمرار بنفس الوتيرة والنهج العلمي الموضوعي
  • »الهوية والوطن الواحد (عبدالهادي)

    الأربعاء 12 آذار / مارس 2008.
    استاذ جهاد المحترم
    دخلت بمقالك حقل الغام، لانك وصفت وفسرت ظاهرة التفتت والتفكيك التي تتغذى كل يوم من ماء فرق تسد وكدت ان تتنبأ ما سيكون الحال اذا بقيت الامور على حالها باتجاه التفتيت والتفكك لتصبح هويات فرعية بعد ان كانت هوية عربية اسلامية . بمقالك بدأنا نضع الحروف على النقاط وارجو ان تكون افكارك باتجاه تبني مشروووع الوحدة على كافة الصعد والمستويات