نُخَبُ الأردن في الاستجابة للتحذيرات

تم نشره في الاثنين 10 آذار / مارس 2008. 02:00 صباحاً

لم يعد سراً أن الأردن يتعرض لضغوط كبيرة (ليقبل ما كان مرفوضاً) على حد تعبير  جلالة الملك مؤخراً في لقاء مع أسبوعية الوطن العربي. وهذا التصريح أو الإعلان بوجود الضغوط، لم يأت في سياق التبرير لخطوات متوقعة، كما يحلو للبعض أن يفسره ليبرر موقف "التنبلة" تجاه التصريح. وعلى الأغلب أنه جاء في سياق نفسي لاستنهاض نجدة ما.

صحيح أن هذا التصريح لم يوجه للرأي العام المحلي، ولكنه بالتأكيد وجه لطيف إقليمي واسع، ولنخب سياسية وفكرية محلية كان يفترض أن تستجيب بالتداعي لمبادرة وطنية كبرى ترتقي لمستوى الإعلان. كما أن الاعتماد على التحذير الملكي لإشاعة الخوف وتخريع عباد الله، هو صيغة فجة وبدائية لتعبير النخب السياسية عن وجودها.

إعلان الملك بوجود ضغوط على الأردن، يستدعي التوقف والتساؤل بشكل حقيقي عن دور النخب الأردنية. هل هناك مبادرة لإسناد الدولة في مواجهة هذه الضغوط. ومن جهة أخرى فإن الإعلان بوجود هذه الضغوط يجب أن يستنهض مكونات الطيف السياسي كافة لدعم الدولة.

الدعم المطلوب ليس عبر صيغ فلكلورية بإعلانات التأييد وإظهار المواقف، ولكن ببذل جهد وطني حقيقي لبلورة مبادرة وطنية تسند الدولة في مواجهة هذه الضغوط.

الأردن ليس الدولة الوحيدة التي تمر بها ظروف تحولات صعبة، ولكنها الوحيدة التي تستجيب للصعوبات بالتطنيش. والمميز للأردن هو موقف النخب. فهي إما خائفة ومرتبكة وتنتظر انجلاء الرؤية لتعلن موقفها، وإما أنها استولت على مواقعها عبر صيغ عجيبة، تشعرها بعدم شرعيتها. لذلك هي تتمسك بموقف محافظ وتقليدي يرى قيمة الزعامة بثقل الرمة وليس بالفاعلية في مراحل التحولات. فهذه الرؤية المحافظة لا تنبع من طغيان مشاعر حب الأردن التي تؤدي لخلط التصورات، بحيث تتخيل هذه النخبة، بسبب حبها الشديد للأردن وثقة أفرادها بأنفسهم وبشعبهم، بأن الأردن يستطيع التصرف مثل الإمبراطورية الصينية. الحقيقة هي أن تمسك طيف واسع من النخبة الأردنية بمنطق محافظ يأتي من اجل الدفاع عن غياب فاعليتها.

النخب التي تعجز عن الاستجابة للتحولات هي نخب ذاهبة للتقاعد ليس فقط من ساحات الفاعلية، ولكن أيضاً من تاريخ الفعل نفسه. قيمة النخبة أولاً في الريادة والقدرة على الاستشراف. وعبر التاريخ فإن المجتمعات تفاضلت بروادها. الرواد الذين رأوا وعاينوا وقدموا رؤاهم بشكل سريع خدموا مجتمعاتهم ومكنوها من التغلب على الصعوبات. أما الذين سطوا على مواقع الريادة وانتظروا الأرامل والأيتام ليأتوهم بالأخبار، وتعاملوا مع التطورات بعقلية "يا خبر اليوم بمصاري بكرة ببلاش"، هؤلاء خانوا أنفسهم وخانوا مجتمعاتهم.

الرؤى الفكرية والاستراتيجية دائماً تعتمد القدرة على استشراف الأمور قبل تمام حضورها. فالذي ينتظر حتى يرى العواصف، حتماً ستذروه الرياح. أو على الأقل لن يكون أمامه إلا أن يبحث عما يلوذ به ويخبئ نفسه وأهله حتى لا تذروهم الرياح.

ربما صح القول بأن النخب مثلها مثل بقية عباد الله تنتظر من يستنهض همتها. ولكن أن ينفخ بالبوق عند آذانهم ثم ينظرون بحثاً عن مصدر الصوت، فهذه ظاهرة تستحق أن نتوقف عندها.

حالة التطنيش والطرم المتبادل بين مكونات الدولة لم تعد مسألة عابرة يمكن تجاوزها. فهي متعلقة بتحولات كبرى جميعنا سندفع ثمن هذه التحولات. فإما أن ندفع الثمن ونحن نستثمر هذه التحولات لتحقيق مكاسب كبرى، أو أننا سندفعها ونحن نعض على ما تبقى من ثياب تستر عوراتنا.

ما يعمق السلبية وحس اللامبالاة هو تزايد جوقة المشككين الذين أساءوا قراءة التحذير الملكي، هؤلاء يخلطون بين التفكير من أجل خدمة الوطن والدولة وبين جهد البحث عن معلومات لتمريرها. المطلوب من النخبة موقف حاسم للتصدي لما انطوى عليه التحذير. ربما يغفر للمشككين لو جاءت شكوكهم في باب الدفاع عن متطلب مقترح من قبلهم في مبادرة وطنية هم شركاء فيها. أما أن يعتمدوا على موقف الشك لإجهاض أي جهد وأي مبادرة، فهذا ليس شكا من أجل الوطن، إنه يأتي في سياق البحث عن معلومات.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نخب؟؟ (نادر)

    الاثنين 10 آذار / مارس 2008.
    لا اعرف اين هذة النخب ؟ اين هم الاحزاب واين هم قادة الرأي واين هم النقابات واين هم جماعات الضغط واين هم الاعلاميين واين هم السياسيين لكي يتحملو بعض مسولياتهم..
  • »غير معنيين (عبدالله)

    الاثنين 10 آذار / مارس 2008.
    اذا كنت تقصد استنهاض النخب لحماية البلد فاقول لك عن اي نخب تتحدث عن تلك التي وصفتهابأنها خانت نفسها ومجتمعاتها؟ اذا فدع عنك هذا فالخائفون والخائنون لا يصنعون الامل؟؟اما النخب الاخرى الصادقة والواعية في المجتمع فأقول لك:ان انها غير مستعدة للتضحية لانها ببساطة غير شريكة باتخاذ القرار وبالتالي فهي غير مسؤولة عن الدفاع عن قرارات غيرها؟هي نخب مهمشه ولا تستشار ومن البداهة الا تشعر بواجب المسؤولية؟؟؟