نجاد في العراق: الغريق لا يخشى البلل

تم نشره في الأحد 9 آذار / مارس 2008. 02:00 صباحاً

كانت آمنة زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لبغداد، فالرئيس حدد موعد الزيارة قبل شهر تقريبا وحطت طائرته صباحا في مطار بغداد الدولي وليس في قاعدة عسكرية كما هو الرئيس الأميركي بوش.

وموكب نجاد سلك الطريق الدولية (طريق الموت) إلى المنطقة الخضراء وتنقل فيها بين الجادرية (الرصافة) والكاظمية (الكرخ) دون خلل امني يذكر، والملاحظ هنا أن الرئيس نجاد حظي بما لم يحظ به بوش ولا جلال طالباني الذي هو رئيس العراق حاليا ولا حتى نوري المالكي ذا الحظوة في إيران، فكلا الأخيرين تحيط بتنقلاتهما سرية تامة، حتى داخل المنطقة الخضراء. وسابقا كان الحاكم الأميركي (بول بريمر) لا يذهب إلى الغائط إلا بحراسة!! وهذا يعني أن الأميركي لم يعلم ويسمح ويراقب فقط بل كان يحرس الرئيس نجاد أيضا.

منذ احتلال العراق وإيران تعيش "نرجسية" تفوق المعقول، أقنعت نفسها -بداية- بفضلها في سقوط نظام صدام، ثم أقنعت نفسها بعد الانتخابات التشريعية وكتابة الدستور بأن العراق أصبح "شيعيا" بحسب مرشد الجمهورية (خامنئي) الذي اعتبر الدستور العراقي "تحولا"، ومرة لاحقة اقتنعت بقوتها في مواجهة النفوذ الأميركي في العراق بتفجير المرقدين في سامراء وإشعال الأرض من تحت الاحتلال الأميركي، وهذه المرة بزيارة نجاد باعتباره السيد الأول -وليس الأميركي- في العراق.

في زيارته لبغداد، أعلن نجاد عن منح للعراق بقيمة مليار دولار، ووقعت 7 بروتوكولات ذات طابع اقتصادي (ليس أمنيا ولا عسكريا)، وقال للولايات المتحدة بطريقة "مهذبة" ان الشعب العراقي لا يحب المحتل (بوش قال في وقت ما: لو احتلت بلادي لرفعت السلاح مثل العراقيين)، وفي تجواله في قاطعي الكرخ والرصافة لبغداد، من المؤكد ان عينيه قد وقعتا على الآليات وقطع السلاح الأميركي، ولا ادري ما هو الشعور الذي انتابه -وهو العسكري- في اللحظات تلك؟ أهو الشعور بالنشوة أم هو الخوف؟ وإن كان الرجل قد انتشى فهي المصيبة والنرجسية بعينها.

في المقابل، كان الجانب الأميركي مفتوح العينين يقظا حساسا وربما يرصد كل همسة لنجاد، ويبدو ان حضور رئيس هيئة الأركان المشتركة  مايك مولين إلى بغداد عشية زيارة نجاد لم يكن بمحض الصدفة كما ادعت الولايات المتحدة، بل كان للإشراف على زيارة نجاد. ومن ولاية تكساس طالب الرئيس الأميركي جورج بوش من نجاد الموجود في بغداد برسالة واحدة تقول: "على إيران أن توقف إرسال الأسلحة والمعدات المعقدة التي تقتل العراقيين" وهنا يقصد بوش العبوات الناسفة.

بنظرة تكتيكية ضيقة إلى كل مرحلة، لا يجد المراقب صعوبة في صحة ما ينتهي إليه الإيرانيون من الخلاصات التي سبق ذكرها، لكن الظروف السابقة إذا ما دوّرت استراتيجيا فهي بالتأكيد تشكل كارثة على الأمن القومي الإيراني إن كان المسؤولون في النظام الإيراني يبحثون "فعلا" عن سيادة إيران وقرارها المستقل، لأن الأميركي -ببساطة- لن يسمح بالنفوذ والإرادة الحرة لإيران معا، فالنفوذ في المنطقة بالمفهوم الأميركي مقابل التبعية، وهذه معادلة معروفة في النظرية الاستعمارية.

إبان احتلال العراق، انقسم الإيرانيون حول كيفية التعامل مع العراق، واستقرت وجهات النظر على وجهتين، الأولى تدعو إلى ضرورة خروج الولايات المتحدة من العراق باعتبارها دولة "عدوة" من الخطورة نجاحها في المنطقة، والأخرى نادت بالتعاون مع الاحتلال انطلاقا من الفرصة التاريخية التي وفرها الاحتلال لخلق دولة تابعة اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا للعراق كما قال المسؤولون الإيرانيون في أكثر من مناسبة، وانتهى الجدل المحتدم إلى ضرورة الدمج بين وجهتي النظر تلك، وهو الخيار الأكثر كارثية على إيران والمنطقة كما تبين لاحقا.

الاحتلال الأميركي استوعب الأداء الايراني في العراق على نحو سريع، واستثمر الحالة الطائفية "الغرائزية" التي يعيشها ملالي إيران ليضع الشرك تلو الشرك في طريقها التي ظنت أنها معبدة في العراق.

في عامي 2005 و2006 أطلق الاحتلال يد الميليشيات التابعة لإيران في العراق لتعيث قتلا وإرهابا وتشريدا في باقي الطوائف، وكان الإيرانيون منتشين بالقدرة "الشيعية" الهائلة على السيطرة، وبالمستقبل "الشيعي" القادم للعراق، وما ان انتهت "المهمة" بنظر المحتل الأميركي وعاد "العرب السنة" عن المقاومة وأعلنوا عن أن الخطر الإيراني أشد وأخطر من الخطر الأميركي، عاد الأميركي ليقلب الأوضاع من جديد، وليعلن عن زيادة عدد القوات في بغداد وحدها 30 ألفا إضافية، ولتنكشف للإيرانيين هشاشة الأدوات التي يستند إليها نفوذهم.

زيادة القوات الأميركية في بغداد، ذكّر الأميركيون من خلالها الإيرانيين بأن الاحتلال هو الممر الوحيد لنفوذهم في العراق.

قبل أيام وصف المرشح الجمهوري قائد القوات الأميركية في العراق ديفيد بترايوس بأنه أعظم جنرال في تاريخ الجيش الأميركي، والسبب واضح فالجنرال جدّد الأمل الأميركي بالعراق بعد أن أوقف المقاومة "العربية" بأيدٍ "ايراينة"، وهكذا سيبقى العراق تحت الاحتلال على طول الحدود مع إيران، وحينها على إيران أن تدخل العراق من البوابة الأميركية فقط. وللمعلومة بترايوس هو من أشرف على دمج الميليشيات وتدريبهم في الأجهزة الأمنية.

لو منح ملالي إيران تحرير العراق أولوية على نهبه وهو يرزح تحت الاحتلال، لصنع الإيرانيون نقطة تحول "تاريخية" في تاريخ العراق، ولأصبح العراقيون ينظرون نحو الشرق بجدية واحترام بدلا من مشاعر العداء التي ازدادت واضطردت من السلوك الإيراني.

زيارة نجاد لبغداد، ليست زيارة المنتصر، بل هي زيارة الغريق الذي لا يخشى البلل، ان لم تكن زيارة المنتحر.

كاتب وصحافي أردني

التعليق