هلع إسرائيلي دون مبالغة

تم نشره في الخميس 28 شباط / فبراير 2008. 02:00 صباحاً

مهما كان حجم المشاركة في السلسلة البشرية التي شهدها قطاع غزة على طول حدوده، يوم الإثنين الأخير، وأنها لم تكن بحجم التوقعات، إلا أن رد الفعل الإسرائيلي الرسمي والعسكري قبل وبعد المسيرة، كشف حالة الهلع، ودون أية مبالغة، من تحرك شعبي أعزل في قطاع غزة، يحرج إسرائيل أمام العالم.

فقد أمسكت هذه المبادرة الشعبية إسرائيل، وهي في أوج حملتها الإعلامية، على مستوى الرأي العالمي، التي في مركزها مزاعم أنها "في حالة دفاع عن النفس في وجه الارهاب"، وأن هجماتها على قطاع غزة تأتي في إطار "الرد على آلة عسكرية"، حتى وإن كان الحديث عن قذائف بدائية محلية الصنع، لا مكان لمقارنتها بخامس آلة عسكرية في العالم.

وقد انحصرت حالة الهلع والإرباك على المؤسسة الإسرائيلية الرسمية، بشقيها السياسي والعسكري، التي انشغلت بالأساس في كيفية قمع مظاهرة نساء وأطفال وجمهور أعزل، وفي نفس الوقت أن تحافظ على التأييد الصامت لها في الحلبة الدولية، خاصة وأنها بدأت تلمس بوادر تصدعات في هذا التأييد، بالذات في دول الاتحاد الأوروبي الكبرى.

ورغم أن الحديث عن مظاهرة سلمية لجمهور أعزل، إلا أن إسرائيل لم تتوان في دفع قوات حربية كبيرة على الحدود مع قطاع غزة، ضمت حوالي 7 آلاف جندي ومئات القناصة ووحدات من سلاح الدبابات وغيرها، بزعم أنها "تريد منع أي اقتحام للحدود والدخول إلى الأراضي الإسرائيلية"، حسب التعبير الإسرائيلي.

وبعيدا عن متاهات التوقعات الافتراضية، إلا أن ما كانت تبيّت له إسرائيل هو رد دموي حاد، يهدف إلى ردع الجمهور الفلسطيني من تكرار وتصعيد تحركه الشعبي الأعزل، لأنها أضعف ما تكون أمام انتفاضة شعبية، كما تأكد هذا في ظل انتفاضة الحجر التي انطلقت في نهاية العام 1987 وعلى مدى أكثر من خمس سنوات.

فقد صدرت الصحافة الإسرائيلية في نفس يوم المسيرة تحمل عناوين صارخة، ومساحات شاسعة من التحليلات، تصب كلها في شرح المأزق الإسرائيلي الرسمي، فقد قالت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، إن الإعلان عن مسيرة عشرات الآلاف جعلت القائمة بأعمال رئيس الحكومة الوزيرة تسيبي ليفني، تتعاون مع وزير الأمن إيهود باراك، ليصدرا موقفا مشتركا يأمر بمنع أي فلسطيني من "دخول الأراضي الإسرائيلية بكل ثمن".

وتحدث أكثر من محلل عسكري في الصحف ووسائل الإعلام الإسرائيلية عن أن قيادة الجيش والمؤسسة الأمنية وظفت جهدا كبيرا على مدى أسابيع لاحتمال انطلاق حركة شعبية في قطاع غزة ضد الحصار، كما كان عند الحدود مع مصر.

ويقول المحلل العسكري رون بن يشاي، إن إسرائيل تدرك أن تحركا كهذا "سيخدم هدفين فلسطينيين استراتيجيين: خلق ضغط يمارسه الرأي العام العالمي على إسرائيل لإزالة الحصار الاقتصادي الذي تفرضه على قطاع غزة، وعزل إسرائيل في الحلبة الدولية".

والهاجس الأكبر الذي رافق تقريبا جميع التحليلات، هو صورة إسرائيل أمام العالم في حال جرى سفك دماء في صد المسيرة الشعبية الفلسطينية، فقد كرّس المحلل العسكري لصحيفة "يديعوت أحرنوت"، أليكس فيشمان، جلّ مقاله لشرح كيف سيتعامل الإعلام العربي والعالمي مع تحرك شعبي كهذا، أما المحلل السياسي في صحيفة "معاريف" بن كسبيت، فكتب في مقاله، "حين يجرح المصريون نساء فلسطينيات، فهذا ليس حكاية، ولكن حين نجرحهن نحن، أو حاشا وكلا نقتل واحدة منهن، فهذا سيكون حكاية كبرى".

لقد اتبعت إسرائيل ومن قبلها الحركة الصهيونية، أسلوب ترهيب اليهود في العالم، والمجتمع الإسرائيلي فيما بعد من "الغير"، لدفعهم للالتصاق برموز القوة، وبالتالي اللجوء إلى المكان الأكثر أمانا لهم في العالم: إسرائيل، وهذا نهج متواصل حتى هذه الساعة، واستفادت إسرائيل كثيرا من مسألة إطلاق القذائف من قطاع غزة، لتبرر عدوانيتها ضد الشعب الفلسطيني، ليس تجاه العالم فقط، وإنما، أيضا، تجاه الرأي العام في إسرائيل.

لذلك ليس صدفة أن حالة الهلع الإسرائيلية هذا الأسبوع لم تصل إطلاقا للشارع الإسرائيلي، بل انحصرت في سدة الحكم، لتخوفها من أن تكون المسيرة الشعبية بداية لانطلاقة شعبية فلسطينية جديدة كانتفاضة الحجر.

في اليوم التالي صدرت الصحافة الإسرائيلية تعبر عن أجواء "تنفس الصعداء"، مما وصفته "عدم نجاح المسيرة"، بزعم ان عدد المشاركين لم يتجاوز 20 ألفا، رغم ان المبادرين تعهدوا بخمسين ألفا، فقد حملت صحيفة "يديعوت أحرنوت" عنوانا: "حظنا أن سقط مطر"، ولكن الشعور العام في إسرائيل يتوقع أن ما جرى في غزة هو بداية، ولهذا فإن حالة التأهب مستمرة.

وفي خضم كل هذا، فقد كان لافتا للنظر مقال الكاتب الإسرائيلي التقدمي "ب. ميخائيل"، الذي نشره غداة يوم المسيرة في صحيفة "يديعوت أحرنوت"، وجاء فيه: "هل حقا نحن أمام بوادر أولية لانتفاضة شعبية ليست مسلحة؟ هل وقع القرار الصائب لدى الشعب الفلسطيني؟ هل من الممكن أن قادة حركة حماس بدأوا يستوعبون حقيقة أن مظاهرة واحدة جيدة أفضل من ألف صاروخ؟".

ويتابع "ب. ميخائيل"، "ببالغ الأسف لا توجد دلائل كثيرة لبارقة أمل في هذا الإطار، فالمشاركة كانت قليلة جدا... ولكن يجب عدم فقدان الأمل فلربما بعد شهر أو شهرين من الحصار أن يفعل فعله، وتندلع المظاهرات، وتكون الخطابات أكثر حكمة، وأن يستوعب الإعلام الفلسطيني القوة الحقيقية للتمرد الشعبي الأعزل".

بطبيعة الحال فإن موقف "ب. ميخائيل" هو موقف قلة في الشارع الإسرائيلي متماثلة مع نضال الشعب الفلسطيني، وهو يدرك وقع النضال الشعبي على المؤسسة الإسرائيلية، ولهذا يكتب ما كتب.

وإذا كان هذا الموقف غريبا أن يصدر في إسرائيل، فإن موقف الناطق بلسان الحكومة الفلسطينية، وزير الإعلام رياض المالكي، كان هو أيضا غريبا على المستوى الفلسطيني، حينما يهاجم في مؤتمر صحافي هذا التحرك الشعبي بزعمه، "أن هذا عمل وإجراء غير موزون وغير مدروس من قبل حماس، ونحن نرفض تعريض حياة الأطفال والنساء والمدنيين للخطر".

هناك حدود لما يمكن السماح به في إطار الصراع الفئوي والحزبي الداخلي الفلسطيني، ففي نهاية المطاف هناك مشروع نضالي تحرري فلسطيني يجب أن يستمر حتى يحقق أهدافه، وعلى طرفي النزاع الداخلي الفلسطيني أن يستوعبا أن الصيغة الأنجع وفق ظروف المرحلة المحلية والإقليمية والعالمية، هي الجمع بين المفاوضات السياسية والنضال الشعبي.

فعلى قيادة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، أن تستوعب ان النضال الشعبي الأعزل، قادر على تجنيد الرأي العام العالمي ليضغط بدوره على إسرائيل لدفع المفاوضات، وعلى الفصائل المسلحة، وخاصة حركة حماس، أن تستوعب جدوى النضال الشعبي وتفوقه على الكفاح المسلح وفق الظروف الراهنة، في القدرة على التقدم نحو الهدف.

والقاعدة التي يجب أن توجه التحرك فلسطيني، هو أن إسرائيل ضعيفة أمام التحرك الشعبي وتتهرب من عملية تفاوضية حقيقية، ولهذا يجب محاصرتها في هذه الحلبة بالذات.

صحافي وكاتب- الناصرة

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ايضا الكفاح المسلح ضرورة (أيمن)

    الخميس 28 شباط / فبراير 2008.
    لماذا هذا التجاهل لأهمية الكفاح المسلح ايضا في هذه المرحلة، إن الصواريخ الفلسطينية تدب الرعب أيضا في نفوس الاسرائيليين
  • »معالجة جميلة وايضاح لموقف ضروري (يبوس المقدسي)

    الخميس 28 شباط / فبراير 2008.
    لطالما ايقنا في الشارع الفلسطيني أن النضال الشعبي هو الاساس، وكما يقول الكاتب، وفق الظروف الراهنة، وفي العام 1987 من قاد الانتفاضة الشعبية هم أيضا من خاضوا قبل ذلك الكفاح المسلح.

    إن ما يشل حركة النضال الشعبي الفلسطيني في هذه المرحلة هو فوضى السلاح، وعمليات انتقامية موضعية، لا ثمار لها، أكثر من "فشة غل"، إننا بحاجة الى نضال ضاغط على العدو، ولهذا يجب العودة الى النضال الشعبي، لاحبار اسرائيل على التراجع عن تعنتها.