محمد برهومة

لا انسحاب من العراق قبل 2011

تم نشره في الخميس 21 شباط / فبراير 2008. 02:00 صباحاً

ما يزال مستقبل الوجود العسكري الأميركي في العراق يخضع لكثير من المواقف السياسية المتباينة والتحليلات الإعلامية التي تصل في اختلافها وتنوعها إلى درجة التناقض والتشويش. وأواخر الشهر الحالي سيبدأ التفاوض بين بغداد وواشنطن حول هذا الوجود ووظيفته ومستواه، في إطار الاتفاق الذي وقعه الجانبان في نوفمبر الماضي. 

وقد صرّح وزير الخارجية العراقي، هوشيار زيباري، نهاية الأسبوع الماضي بأن العراق يريد تعهدا أمنيا من واشنطن بأن تقف إلى جوار بلاده في مواجهة تهديدات خارجية وداخلية، في إطار اتفاق ثنائي طويل الأجل.

وبيّن زيباري أن النفط وإيران والأمن في الخليج ... ملفات استراتيجية ستحول دون انسحاب أميركي سريع من العراق. أما الأميركيون فيرون أن الاتفاق بين الطرفين سيكون مجرد اتفاق "على وضع القوات الأميركية"، ولن يلزم واشنطن بالدفاع عن العراق ضد أي هجوم. وحسب وزير الدفاع الأميركي، روبرت غيتس، فإن الاتفاق هو صيغة لتطبيع العلاقات بين الولايات المتحدة والعراق.

وفي مقالة نشرتها "واشنطن بوست" الأسبوع الماضي أكد وزيرا الخارجية، كوندوليزا رايس، والدفاع روبرت غيتس، أن "ما من شيء سيجيز إقامة قواعد دائمة في العراق".

هذا النقاش يحتدم بالتزامن مع المفاوضات الوشيكة التي أشرنا إليها آنفا، وبالتزامن أيضا مع موسم انتخابي للرئاسة الأميركية، والموضوع العراقي في عداد الموضوعات التي تثير جدلا لدى الرأي العام الأميركي الذي يرى أن احتلالا إلى ما لا نهاية في العراق ليس حلا مناسبا.

الدور الأميركي الراهن في العراق هو دور عسكري في المرتبة الأولى، ومع ذلك فيصعب إغفال الجانب السياسي من الوجود الأميركي في هذا البلد، فالعراق الجديد حليف لواشنطن والسفارة الأميركية الجديدة في بغداد هي الأضخم على مستوى العالم.

ولعل مقاربة مواقف الأطراف السياسية في العراق تجاه الوجود العسكري الأميركي تظهر أن التيارات السياسية الشيعية، وخاصة التيار الصدري، ترغب في أن تخرج القوات الأميركية من العراق في أقرب وقت متاح، وهم يعارضون بشدة إقامة أي قواعد عسكرية أميركية ثابتة أو دائمة في العراق. ويبدو الأكراد أكثر رغبة في بقاء القوات الأميركية، وليست لديهم تحفظات كثيرة بشأن إقامة قواعد عسكرية في العراق، بل يقترحون كردستان مكانا ملائما لإقامة مثل هذه القواعد، وقد عبّر الرئيس العراقي، جلال طالباني، عن مثل هذه الرغبة في حديث لصحيفة "واشنطن بوست" أواخر العام الماضي. أما الجانب السنيّ في عمومه، فيقف حاليا على الأرجح في منطقة وسطى بين الطرفين الشيعي والكردي، فبعدما كان السنّة يعارضون جملة وتفصيلا الوجود الأميركي في العراق، صار - بعد أن قارنوا هذا الوجود بالتغلغل الإيراني وخطره على العراق - أكثر ميلا إلى ضرورة هذا الوجود في المدى القريب والمتوسط؛ كي لا تستفرد طهران بالساحة العراقية، في حال جرى انسحاب أميركي سريع. لكن الموقف السنيّ لا يصل إلى درجة الموافقة على إقامة قواعد عسكرية أميركية في العراق.

والواضح أن غالبية التيارات السياسية في العراق لا تميل إلى انسحاب أميركي سريع من العراق، قبل أن تصبح أجهزة الأمن العراقية قادرة وحدها على إدارة الملف الأمني وتحقيق القدر المناسب من الاستقرار والأمن وإعادة حياة الناس إلى حالتها الطبيعية.

ودول الجوار العربي للعراق لا تؤيد أكثريتها انسحابا أميركيا سريعا، قد يفاقم عنف "القاعدة" أو يترك العراق نهبا لمطامع إيران، أو يعيد المخاوف من وقوع حرب أهلية إلى واجهة الأحداث.

والموقف الأميركي أبعد ما يكون عن قبول الانسحاب السريع، لما يحمله من مخاطر استراتيجية، ناهيك عن عدم تهيؤ الجانب العراقي بشكل كاف لمواجهة التحديات الأمنية القائمة على الأرض، داخليا وخارجيا. كما أن الجانب الأميركي يدرك المخاطر المحتملة لانسحاب متعجّل، أو غير مدروس، على أمن حلفاء لواشنطن على الحدود مع العراق مثل السعودية والأردن والكويت.

ومن المؤكد أن مقدرة الجانب العراقي على تحقيق الأمن والاستقرار مرتبطة أساسا بمقدرة الحكومة العراقية على تحقيق المصالحة السياسية بين جميع أطياف المجتمع العراقي، وقيام حكومة عراقية تحظى بقبول شعبي واسع، وتتمكن من الخروج من الأوضاع الاستثنائية التي يعيشها العراقيون. ولا شك أن هذا يحتاج وقتا، سيستغرق، على أقل تقدير، سنتين.

ولا يقول أحد ان خطر "القاعدة" في العراق قد انعدم، أو أن العنف الطائقي ذهب إلى غير رجعة، وتحقيق مثل ذلك مرتبط بعوامل أمنية وسياسية تتطلب تخطيطا وجهدا ووقتا وموارد.

أما التهديدات الخارجية التي تواجه العراق، فهي تحدٍ آخر، لا يبدو أن العراق، في غياب الأميركيين، مهيأ حاليا للتعاطي باقتدار معه. وقد أعلن وزير الدفاع العراقي، عبد القادر جاسم العبيدي، أن بلاده لا يمكنها الدفاع عن حدودها من دون مساعدة الجيش الأميركي، وأضاف: «نحتاج إليهم (الأميركيين) للدفاع عن الحدود. ليس لدينا شيء يخص الردع الاستراتيجي، ولا توجد لدينا طائرات». 

وتابع: «حاجتنا ماسة لهم في هذا الإطار»، كما اوردت وكالة الصحافة الفرنسية، التي أكدت أن الجيش العراقي لا يملك أسلحة ثقيلة، وهو ضعيف التجهيز، ولا يملك إلا عربات مصفحة خفيفة وعربات نقل.

وغياب التهديدات الخارجية مرتبط بالمصالحة العراقية مع الجوار الإقليمي، وقيام علاقات طبيعية بين دول الإقليم والعراق تسودها الثقة المتبادلة والتعاون المشترك والاحترام المتبادل وعدم التدخل في القضايا الداخلية لكل بلد. ولا يخفى أن استقرار العراق مصلحة عربية، وقضية أمن عربي أساسية. كما ليس خافيا أن الشكل الذي سيحكم مستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران، سيأخذ أكثر ملامحه من الموقف الإيراني السياسي والأمني مما يجري في العراق، ومن تداعيات الملف النووي الإيراني.

لكل ما تقدم، يرجح أن يبقى عدد القوات الأميركية في العراق ما بين 100 ألف إلى 140 ألفا حتى بداية عام 2009، حيث سيحل رئيس أميركي جديد في البيت الأبيض، فإذا كان الجمهوري جون ماكين، فمن المرجح أنه سيواصل التزامه بما التزم به الرئيس جورج بوش، أما إن كان الرئيس المقبل هو هيلاري كلينتون، فسيخضع الوجود الأميركي في العراق لإعادة انتشار وجدولة للانسحاب لن تتم سريعا. وفي حالة فوز باراك أوباما، وهو أكثر المؤيدين لانسحاب سريع من العراق، فإن الحقائق الميدانية على الأرض، وتقارير العسكريين وتوصياتهم، سوف لن تدفعه، على أغلب الظن، للمغامرة بخروج سريع محفوف بالمخاطر والتهديدات لمصالح أميركا في المنطقة. كما أن تغيير الطاقم الجمهوري وتبدل السياسات، سيستغرق أشهرا لتنضج السياسات الجديدة بقيادة الديمقراطيين. 

وإذا صحت هذه القراءة فإن الانسحاب الأميركي من العراق، إذا حدث، لن يكون غالبا قبل عام 2011؛ لأنه مرتبط بطبيعة البيئة الأمنية في العراق وفي الإقليم وبالاستراتيجية الأمنية في الخليج، وهذا ما يجعل تحديد وقت محدد  لهذا الانسحاب حاليا أمرا صعبا.

كاتب أردني مقيم في الإمارات

[email protected]

التعليق